لا تلهك سوق الدنيا عن سوق الآخرة

اسلاميات

لا تلهك سوق الدنيا عن سوق الآخرة
أخي الكريم ، اعلم ـ علمك الله كل خير ـ أنه لايجوزلعاقل أن يقدم دنياه الزّائلة الفانية ، على آخرته الباقية ، ولايجوز لمن عرف وأيقن يقيناًجازماً لا يساوره شكٌّ ولاريب ، بما أعده الله لعباده في جنته من النّعيم المقيم ، وماتوعدهم به في ناره من العذاب الأليم ـ أن يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة ، وما أسواق الآخرة ؟ إنها المساجد وكل ما يقرب إلى الله من الأعمال الصالحة .
كَانَ عَطَاءُ بن يَسَارٍ (( إِذَا مَرَّ عَلَيْهِ بَعْضُ مَنْ يَبِيعُ فِي الْمَسْجِدِ دَعَاهُ فَسَأَلَهُ مَا مَعَكَ وَمَا تُرِيدُ فَإِنْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَهُ قَالَ عَلَيْكَ بِسُوقِ الدُّنْيَا وَإِنَّمَا هَذَا سُوقُ الآخِرَةِ ))(1)
يقول الله ـ سبحانه وتعالى ـ مادحاً عباده الذين يجمعون بين طلب الرّزق بالبيع والعبادة :{ في بُيُوتٍ أذِنَ الله أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فيهَا اسمهُ يَسَبِّحُ لَهُ فيهَا بالغدوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لاتُلْهِيهِمْ تجارَةٌ وَلابَيعٌ عَنْ ذِكْرِ الله وَإقَامِ الصَّلاةِ وإيتَاءِ الزَّكَاةِ}[النّور:36،37] فبينت الآية أن من صفات المؤمنين أنهم يبيعون ويشترون ولكن إذا جاء وقت الصلاة تركوا كل ذلك وأقبلوا عليها .
فاحرص على أن تكون من هؤلاء الذين أثنى الله عليهم في كتابه ، وإن لهم عنده ـ سبحانه وتعالى ـ أجراً عظيماً ، فإذا أُذِّن للصلاة ، فأغلق متجرك ، وأقبل على الله ، وأدِّ ما افترضه عليك ، قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما يروه عن ربه : (( وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ ))(2)
فإذا أديت الفريضة فأتبعها بالنّافلة ، فإن ذلك سببٌ لمحبة الله سبحانه وتعالى لك ، وكفى بهذا دافعاً وحافزاً ، فإن محبة الله للعبد أجل مطلوب ، وأعظم مرغوب ، ويتبين ذلك في تمام الحديث السّابق : (( وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ)) ثم إن النّوافل تكمل ما نقص من الفريضة بالسّهو والغفلة وغير ذلك .
أخي المسلم : إن الصّلاة شأنُها عظيمٌ ، وهي أول ماتحاسب عليه يوم القيامة فإن صلحت أفلحت ، وإلاخسرت خسارة عظيمة والعياذ بالله .
اقرأ معي هذا الحديثَ العظيمَ الذي يبين لك ماذكرته : قال الحسن البصري رحمه الله : (( قدمت المدينة ، فقلت : اللهم يسِّرلي جليسا صالحا ، قال : فجلست إلى أبي هريرة ، فقلت : إني سألت الله أن يرزقني جليسا صالحا(3)، فحدثني بحديث سمعته من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعل الله أن ينفعني به ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن أول ما يحاسبُ به العبدُ يوم القيامة من عمله صلاته ، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح ، وإن فسدت فقد خاب وخسر ، فإذا انتقص من فريضته شيئاً قال الرب ـ تبارك وتعالى ـ انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة ، ثم يكون سائر عمله على ذلك )) (4)
فإذا أديت الفريضة مع جماعة المسلمين فاخرج بعد ذلك إلى متجرك موفقا ومباركا لك في تجارتك إن شاء الله ، وقد انشرح صدرك ، واطمأنت نفسك، وعليك بذكر الله ، وسؤاله الرّزق الحلال ، والكسب الطيب . قال سبحانه وتعالى :{ فِإذا قُضِيتْ الصَّلاة فَانتشِروا في الأرْضِ وابتَغُوا مِن فَضْلِ الله واذْكُروا الله كثيراً لعلَّكُمْ تفلحُونَ } [الجمعة:10] وهذا هو حال المؤمن يؤدي فريضة الله ثم يسعى في أرض الله ويسأله من فضله وكرمه وجوده ، قال ابن تيمية رحمه الله : “ وهذا وإن كان في الجمعة فمعناه قائم في جميع الصّلوات ، ولهذا ـ والله أعلم ـ أمر النّبي صلى الله عليه وسلم الذي يدخل المسجد أن يقول: ((اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رحمتك )) وإذا خرج أن يقول : (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ )) (5) ” وكان عراك بن مالك ـ وهوأحد الصّحابة ـ رضي الله عنه إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال : اللهم إني أجبت دعوتك وصليت فريضتك وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك وأنت خير الرّازقين )) . وقال بعض السّلف : من باع واشترى يوم الجمعة بعد الصّلاة بارك الله له سبعين مرة ))(6)
أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده
ليكن لك في سلفنا الصّالح من الصّحابة والتابعين لهم بإحسان قدوة حسنة فقدكانوامثالايحتذى في المحافظة على حرمات الله ، واتباع أوامره ،واجتناب نواهيه ، قال قتادة رحمه الله:(( كـان القــــوم يتبايعون ويتجرون ، ولكنهم إذا نابهم حق من حقوق الله لم تلههم تجارة ولابيع عن ذكر الله حتى يؤدوه إلى الله ))(7)
وفيهم قال الله سبحانه وتعالى :{ رِجَالٌ لاتُلهِيهم تجارةٌ وَلابيعٌ عَن ذِكْرِ الله وَإقَام الصَّلاةِ } .
كان الصّحابي الجليل عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ في السّوق ، فأقيمت الصّلاة فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد ، فقال ابن عمر : فيهم نزلت : {رِجَالٌ لاتُلهِيهم تجارةٌ وَلابيعٌ عَن ذِكْرِ الله وَإقَام الصَّلاةِ} (8)وقال سفيان الثّوري :“ كانوا يتبايعون ولايدعون الصّلوات المكتوبات في الجماعة ” (9)
أولئك الرّجال “لم تشغلهم الدنيا وزخرفها وزينتها وملاذُّ بيعها وربحها عن ذكر ربهم الذي هو خالقهم ورازقهم ، والذين يعلمون أن الذي عنده هو خيرلهم وأنفع مما بأيديهم لأن ما عندهم ينفد وما عندالله باقٍ ، ولهذا قال سبحانه وتعالى : { لاتُلهِيهم تجارةٌ وَلابيعٌ عَن ذِكْرِ الله وَإقَام الصَّلاةِ وإيتَاءِ الزَّكَاةِ} أي يقدمون طاعته ومراده ومحبته على مرادهم ومحبتهم” (10)
الخاسرون إذا ربح الناس
أما أولئك الذين منعتهم أسواق الدنيا عن أسواق الآخرة ، ونسوا أو تناسوا ما هم مقدمون عليه ، فأضاعوا فريضة الصّلاة فهم الخاسرون يحبسون أنفسهم في محلاتهم ، حتى ينتهي المسلمون من الصّلاة :{ يَسْتَخْفُونَ مِنْ النَّاسِ وَلايَسْتَخْفُونَ مِنْ الله وَهُوَ مَعَهُمْ } [النّساء:108]
أو يقفون على الطرقات يراقبون الذاهبين إلى الصّلاة ، إن أولئك قد حرموا أنفسهم خيرا عظيما ، وأضاعوا أمراً جسيماً إذ الصّلاة عمادُ الدِّين ، وهي ركنُه الرَّكين ، و الحدُّ الفاصل بين الكفر والإيمان قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (( بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ ))(11)
أبشر أيها المسلم المحافظ على الصّلاة ببشرى عظيمة من صاحب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما فقد دخل فرأى قوما يصلون ، فقال بعث النّار أحد ، ثم قرأ : { مَا : يأيها النّاس أبشروا فإنه ما منكم من سَلَكَكُمْ في سَقَرَ قَالوا لم نَكُنْ مِنْ المصَلِّينَ } (12)
أما بعث النّار الذي ذكره ـ رضي الله عنه ـ ، فإليك خبره ، حتى تعرف عظم هذه البشرى : عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النّبي صلى الله عليه وسلم قـال:(( يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَا آدَمُ فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ فَيَقُولُ أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ قَالَ وَمَا بَعْثُ النَّارِ قَالَ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ { وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيد } )) (13)
يمشون نحو بيوت الله إذ سمعوا (الله أكبر) في شوق وفي جـذل
أرواحهم خشعت لله في أدب قلوبهم من جـلال الله في وجــل
نجواهم ربنا جئـناك طـائعة نفوسنا ، وعصينـا خـادع الأمـل
إذا سجى الليل قاموه وأعينهم من خشية الله مثل الجـائد الهطـل
هم الرّجـال فلا يلهيهم لعب عن الصّلاة ولا أكـذوبة الكســل
حواشي لا تلهك ...
(1) الموطأ ، للإمام مالك رحمه الله 1/174 .(2) رواه البخاري في الرّقاق ، باب : التواضع ، الفتح 11/340ولعظم هذا الحديث فقد أفرده الشوكاني بكتاب شرحه فيه سماه “ قطر الولي في معرفة الولي”. (3) انظر إلى حرص هذا التابعي الجليل على الجليس الصالح ، فإنه خير معين على الخير فاحرص عليه . (4)أخرجه أحمدفي المسند 2/290 ، وأبوداود في الصّلاة (864) باب قول النّبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ :((كل صلاة لايتمها صاحبها تتم من تطوعه ، والترمذي في الصّلاة ، باب : أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة 2/463 مع شرحه “ تحفة الأحوذي ” وحسنه الترمذي ، والبغوي في شرح السنة 4/159، وصححه ابن حجر كما في“الفتح ”11/343 ، وتحفة الأحوذي . (5) أخرجه أحمد في المسند ومسلم (713) 5/224 بشرح النووي ، وأبو داود(465) وكلام ابن تيمية في الوصية الصغرى ص 46 ، تحقيق سليم الهلالي . (6) أخرجه أحمد في المسند باقي مسند الأنصار ومسلم (713) 5/224 بشرح النووي ، وأبو داود(465) ، وكلام ابن تيمية في الوصية الصغرى ص 46 تحقيق سليم الهلالي . (7)ذكرهما ابن كثير في تفسيره للآية 4/367 . (8) أخرجه البخاري رحمه الله في البيوع ، الفتح 4/297 . (9) أخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير في تفسير الآية ، وانظر تفسير ابن كثير 3/295 ، وفتح الباري 4/297 . (10) فتح الباري 4/297 وقال : (( أخرجه أبونعيم في الحلية )) . (11) تفسير ابن كثير 3/295 .(12) الترمذي (2544) وقال “هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ” وأبو داود (4678). (13) أخرجه البغوي في شرح السّنة 2/174 .(14)أخرجه البخاري في الرّقاق ، باب قوله I :{إن زلزلة السّاعة شيء عظيم} 11/388 مع الفتح . ومعنى أخرج بعث النّار:أي ميز أهل النّار من غيرهم.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق