المحرم ثمنه محرم

اسلاميات

أخي المسلمَ ، إنَّ الشّيءَ المحرمَ الذي لا يجوز لأحدٍ أن يأخذَه ويستفيدَ منه بأي وجهٍ ، سواءً أكان مأكلا أم مشربا أم ملبسا أم مَرْكباً أم غيرَ ذلك من وجوهِ الانتفاع ـ يحرمُ بيعه ، وإذا حَرُمَ بيعُه حَرُمَ ثمنُه ، أي دخل في دائرة الحرام فلا يجوز بيعه ولا شراؤه ولا إهداؤه ولا غير ذلك .
قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( إن اللَّهَ إذا حَرَّمَ شيئاً حَرَّمَ ثمنَه ))(1) ؛ ولأن ذلك يكونُ من قبيل الدَّعوةِ إلى المحرَّم ، أو الإعانةِ والتشجيعِ عليه ، فيكونُ المعطي أو البائعُ أو المشتري شريكَ الفاعلِ في الإثم ومن المقَرَّرِ شرعاً أنه كما لا يجوز فعلُ الحرامِ لا يجوز الإعانةُ عليه لقوله سبحانه وتعالى :{وَتَـعَاوَنُوا على البِرِّ والتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ } [المائدة:2] وهذا هو معنى القاعدة الفقهية “ما حرم أخذه حرم إعطاؤه ” و “ما حرم استعماله حرم اتخاذه ” (2) .
إياك والحرام
أيهاالمسلمُ ، المشفقُ على نفسه ، الموقنُ بلقاءِ ربِّـه ، المصدقُ بقولِ رسولِ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ :(( إنَّـكُمْ ملاقو اللَّهِ حفاةً عراةً غرلاً)) (3) ـ لقد جاءَك عنْ رسولِ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي لا يَنْـطِقُ عن الهوى خبرٌ صادق : أنك موقوف فمسئول عن مالك ، قال صلى الله عليه وسلم : (( لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن عمره فيم أفناه ، وعن علمه فيم فعل ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ، وعن جسمه فيم أبلاه ))(4).
فأعدَّ أيُّها المسلمُ لذلك السّؤالِ جواباً مادمت في دارِ المهلة ، فاليوم عملٌ ولا حساب ، وغدا حساب ولا عمل .
واحذرْ أن تظلم أخاً لك فتأخذ ماله من غير وجه مباح ، فإنه سيأتي عليك يوم يكون الحساب فيه بغير الدرهم والدينار ولكن بالحسنات والسّيئات قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ((مَنْ كانَ عنده مظلمةٌ لأخيه فلْيَسْتَحْلِلْهُ منها ، فإنَّـه ليس ثَمَّ دينارٌ ولا درهمٌ من قَبْلِ أن يُؤْخَذَ لأخِيْهِ من حسناته فإنْ لم يكن له حسناتٌ أُخِذَ من سيئاتِ أخيه فَطُرِحَتْ عليه)) (5) ، فما أعظم الفرق بين ما أخذته منه وما أخذه منك ! .
إنَّ أَكلَ الحرامِ شُؤْمٌ على صاحِبِهِ ، وعذابٌ في الدُّنيا والآخرةِ ، وآكلُ الحرامِ لا يجاب له دعاءٌ ، فانظر ـ وفقكَ اللَّهُ ـ أيَّـهما تختارُ : أنْ يجابَ دعاؤُك وتوفَّقَ في الدُّنيا والآخِرَةِ ، أو أنْ تُغْلَقَ أبواب السّماءِ دون دعائك فلا تُسْمَعُ لك دعوة ، ولا يحالفك توفيق في الدنيا ولا في الآخرة ، وتحرم الخير بسبب هذا الكسب .
قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( أيُّها النّاسُ ، إنَّ اللَّهَ طيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلا طيبـاً ، وإنَّ اللَّهَ أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلينَ فقال:{يَا أيُّـهَا الرّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّـيِّـبَاتِ واعْمْلُوْا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُوْنَ عليمٌ } [المؤمنون:51] وقال : { يا أيها الذين آمنوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ }[البقرة:172] ثم ذكر الرّجل يطيلُ السّفَرَ أشعثَ أغبرَ ، يَمُدُّ يديه إلى السّماءِ ،يا رب، يارب ، ومطعمُهُ حرامٌ ، وملبسُهُ حرامٌ ، وغُذِّيَ بالحرامِ ، فأنَّى يُسْـتجاب لـه))(6). قال النّووي :(( أي من أين يستجاب لمن هذه صفتــه وكيف يستجاب له)).
وأَكْلُ الحرامِ بأيِّ وجْهٍ موجبٌ دخولَ النّارِ. قال صلى الله عليه وسلم : ((لا يَرْبُو لحمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إلا كــانتْ النّارُ أولى به )) . وفي رواية :((كُلُّ جَسَدٍ نَبـَتَ مِنْ سُحْتٍ فالنّار أولى به)) وفي رواية:((لن يدخلَ الجنَّةَ لحمٌ نبتَ من سُحْتٍ )) (7).
وهذا وعيدٌ شديدٌ يفيدُ أن أكلَ أموالِ النّاسِ بالباطلِ من الكبائر (8) ، (( قال العلماء : يدخل في هذا البابِ الخائنُ ، والسّارقُ ، وآكلُ الرّبا وموكله ، وآكلُ مالِ اليتيمِ وشاهدُ الزّورِ ، ومن استعارَ شيئاً فَجَحَدَهُ ، وآكلُ الرّشوة ، ومنقصُ الكيلِ والوزنِ ، ومن باعَ شيئاً فيه عيبٌ فغطَّاه ، والمقامرُ)) (9)
أخي الكريمَ ، (( إنَّما مَثَلُ الطُّعْمة من الدِّين مَثَلُ الأسَاسِ من البُنْيَان ، فإذا ثَبَتَ الأساسُ وقوي استقامَ البنيان وارتفع ، وإذا ضَعُفَ الأساسُ واعْوَجَّ انهارَ البنيان ووقع )) (10)،وقال الله ـ عز وجل ـ :{ أفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوى مِن الله ورِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرْفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ في نَارِ جَهَنَّمَ }(11) [التوبة:109] .
ولا يغرنك ما ترى من تهافت النّاس على الأموال من حل ومن حرام ، فلا يدري الإنسان من أين كسب ماله ، بل لعله يقصد سبل كسب المال المحرمة بالنّص الصّحيح الصّريح ، وهذه غفلة ما بعدها غفلة ، ولكن موعدنا وإياهم غدا فـ (( إنَّ المردَّ إلى اللَّهِ إلى جنةٍ أو نارٍ ، خـلودٌ بلا موت وإقامة بلا ظعن)) (12) كما قال صلى الله عليه وسلم .
وهؤلاء قد أخبر عنهم الرّسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنهم سيأتون بعده ، قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:(( يأتي على النّـاس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه أمن الحلال أم من الحرام )) (13) .وهذا تحذيرٌ منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ودليلٌ على صدق نبوته ، حيث إن هذا الأمرَ واقعٌ مشاهد الآن ، فاحذر أخي أن تكون منهم ، فأطب مكسبك ، وإياك والحرام .
عن أبي تميمة قال : شهدت صفوانَ وجندباً وأصحابَه وهو يوصيهم ، فقالوا : هل سمعت من رسول اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ شيئاً ؟ قال : سمعته يقولُ : من سمَّع سمَّع اللَّهُ به يومَ القيامة ، ومن شاقَّ شقَّ اللَّهُ عليه يومَ القيامةِ ، فقالوا : أوصنا . فقال : إن أول ما ينتن من الإنسان بطنُه ، فمن استطاع ألا يأكل إلا طيباً فليفعل ، ومن استطاع ألا يحالَ بينه وبين الجنَّة بملء كفٍّ من دم هَرَاقه فليفعل ))(14).
وإن لك في سلفنا الصّالح قدوةً حسنةً في تَوَرُّعهم عن الشّبهاتِ آخذين بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ((إِنَّ الْحَلالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ )) (15).
وإليك هذا المثال الذي يوضح لك كيف كان ورعهم ، واتقاؤهم الحرام في المأكل وغيره :
كان لأبي بكرٍ الصّديقِ ـ رضي الله عنه ـ غلامٌ يُخْرِج له الخراجَ ، وكان أبو بكرٍ يأكل من خَرَاجه ، فجاءَ يوماً بشيء فأكل منه أبوبكرٍ ، فقال له الغلامُ : أتدري ما هذا ؟ فقال أبوبكرٍ: وما هو؟ قال: تَكَهَّنت في الجاهليةِ ، وما أُحْسِنُ الكهانةَ ، إلا أنِّي خَدَعته فأعطاني بذلك ، فهذا الذي أكلت منه ، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه )) (16).
وهذا موقف غني عن التعليق ، فأطل التأمل فيه ، وفقك الله لكل خير ، ثم تذكر أخي أن :
المـال يذهب حِـلُّه وحَرَامُـهُ يوماً وتَـبْـقَى فـي غـدٍ آثامُهُ
لـيـسَ الـتَّـقيُّ بـمتقٍ لإلهه حتى يطيبَ شـرابـُـه وطعامُهُ
ويطيبَ ما تحوي وتكسبُ كفُّه ويكونَ في حـسنِ الحديثِ كلامُهُ
نـَطَقَ النّـبيُّ لنا به عن ربـِّه فعلى النّبيِّ صـلاتـُه وسلامُهُ(17)

حواشي المحرم...
(1) أخرجه الإمام أحمد في المسند 1/247، وأبوداود(3488)، والبيهقي 6/13،وصححه الألباني في تخريج أحاديث الحلال والحرام للقرضاوي ص192.(2) انظر: فتح الباري4/415،والأشباه والنّظائرللسيوطي ص280، وشرح القواعد الفقهية لأحمد الزّرقا ص215. (3) أخرجه البخاري في كتاب الرّقاق باب الحشر، 11/377 مع الفتح، (ملاقوالله) أي في الموقف بعد البعث(حفاة)بلاخف ولانعل جمع حافٍ(غرلا) جمع أغرل وهو الأقلف ، الذي بقيت غرلته،وهي الجلدة التي يقطعها الخاتن من الذكر. (4) أخرجه الترمذي في صفة القيامة ، ماجاء في شأن الحساب والقصاص.وقال: حسن صحيح7/101 مع شرحه“تحفة الأحوذي” وصححه الألباني في “صحيح الجامع” (7177) .(5) أخرجه البخاري في الرّقاق، باب القصاص يوم القيامة ، 11/395 مع الفتح ، ومعنى ( ثَمَّ ) أي هناك في يوم القيامة .(6) رواه مسلم ، في الزّكاة 7/99 بشرح النّووي .(7) رواه الترمذي ، في كتاب الجمعة وقال:((حسن غريب)) 3/237 مع شرحه . والدارمي في الرّقاق باب:في أكل السّحت 2/225 .قال الذهبي :((إسناده صحيـح)) الكبائرص120، وصححه الألباني ،صحيح الجامع (1395) .(8) فيض القدير ، شرح الجامع الصّغير ، للمناوي 5/18 .(9) الكبائر للذهبي ص120 ، وقد تُكُلِّم في نسبة هذا الكتاب المطبوع فتنبه .(10) من كلام الغزالي في الإحياء 2/690.(11) (شفا) أي حرف أوطرف (جرف) هومالم يبن له حابس يقيه السّيول وغيرها ، (هار) أي منهار منهدم .(12) رواه الحاكم والطبراني ، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1942) والسّلسلة الصّحيحة(1668)و (الظعن) الارتحال والسّير ، انظرالنّهاية 3/ 157، والمصباح ص146 .(13) رواه البخاري في البيوع باب:من لم يبال من حيث كسب المال الفتح4/296 .(14) رواه البخاري في الأحكام (93) الفتح13/128. وفي الحديث زيادة على النّهي عن أكل الحرام : وعيدٌ شديدٌ لقتل المسلم بغير حق ، والنّهيُ عن القولِ القبيحِ في المؤمنين ، وكشفِ مساويهم ، وعيوبِهم ، وتركُ مخالفة سبيل المؤمنين ، ولزومُ جماعتهم ، والنّهيُ عن إدخال المشقة عليهم والإضرار بهم .(15) متفق عليه ، البخاري في الإيمان باب فضل من استبرأ لدينه ، ومسلم في المساقاة باب: أخذ الحلال وترك الشّبهات .وقدأفرده العلامة الشّوكاني بجزء شرحه فيه واسمه (( كشف الشّبهات عن المشتبهات ...)) فراجعه إن شئت .(16) رواه البخاري في مناقب الأنصار ،(63) 7/149 الفتح . (17) مختصر شعب الإيمان للقزويني ،ص86 .





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق