رأي في الاجتهاد المعاصر

الاجتهاد

رأي في الاجتهاد المعاصر
ومدى جديته وجدواه

مقدمة

مناقضة رأي الشهيد عودة للشهيد قطب

ليس مجتمعنا كالمجتمع الجاهلي في مكة

موقعنا من الفقه الإسلامي

المتأثرون بالغزو الفكري جهال لا كفار

اشتراط مزاولة العقيدة والمنهج في الحياة العامة لصحة الاجتهاد

انفراد الشهيد سيد قطب بهذا الرأي

استفتاء الإسلام في مشكلات الحياة المعاصرة

مفكرو الحركة الإسلامية جميعا يخالفون هذا الرأي

مقدمة
رأينا من المنتسبين إلى العلم الديني من يظن أننا لسنا في حاجة إلى اجتهاد معاصر، اكتفاء بالفقه القديم الذي يرى أن في أحشائه الحل لكل مشكل جديد.
وقد بينا خطأ هذا الفريق من الناس في الصحائف السابقة، وبينا مدى الحاجة إلى الاجتهاد في هذا العصر.
ويهمنا الآن أن نعرض لرأي مشابه، يرى صاحبه أن لا حاجة بنا اليوم إلى اجتهاد لحل مشكلات العصر في ضوء الفقه الإسلامي، ولكن له منطلقا آخر غير منطلق المقلدين الجامدين.
إن صاحب هذا الرأي رجل عزيز على أنفسنا، حبيب إلى قلوبنا، لأنه قدم الكثير للفكر الإسلامي، ثم قدم حياته ودمه فداء لدعوة الإسلام، وكلمة الإيمان، ذلكم هو الشهيد سيد قطب عليه رحمة الله ورضوانه.
إن فكرته المحورية أنه يرى المجتمع الذي نعيش فيه مجتمع جاهلي، يرفض حاكمية الله تعالى، ولا يعترف بمنهجه ضابطا للحياة. ومقتضى هذا أنه ليس بمجتمع مسلم. ومن ثم كان التفكير في استفراغ الوسع، وبذل الجهد وعصر الذهن، بحثا عن حلول لمشكلاته القائمة والمتجددة، في ضوء الأدلة الشرعية، ووفق المعايير الأصولية والفقهية ـ عبثا أو هزلا ـ .
فالواجب أن يسلم هذا المجتمع أولا ويفهم معنى “لا إله إلا الله” التي ينطقها أفراده، وتدوي بها مآذنه، فإذا دخل في الإسلام أمكنه أن يجتهد لحل مشكلاته في رحابه.
ولهذا يرى أن الدعوة إلى الإسلام لا يجوز أن تكون بتقديم أسس النظام الإسلامي ـ فضلا عن تفصيلاته ـ للناس. وتقديم حلوله لمشكلاتهم من خلال اجتهاد معاصر سوى، كليا كان أو جزئيا، فرديا أو جماعيا.
وقد عرض الشهيد رحمه الله هذا الرأي في كتابيه: “معالم في الطريق” و”الإسلام ومشكلات الحضارة”.
وفي الكتابين رفض رحمه الله في إصرار وصلابة أي عرض لأسس النظام الإسلامي أو تقديمه في صورة نظريات وتشريعات، أو خدمة فقهه وتطويره بما يفي بحاجات هذا العصر، ويقدم حلولا اجتهادية لمشكلاته، بالأسلوب الملائم لهذا الزمن.
فهو يرى أن هذه مناورة خبيثة من الجاهلية، يجب على دعاة الإسلام ألا يستجيبوا لها، وأن يكشفوها، ويستعلوا عليها، “وأن يرفضوا السخرية الهازلة فيما يسمى (تطوير الفقه الإسلامي) في مجتمع لا يعلن خضوعه لشريعة الله، ورفضه لكل شريعة سواها.. من واجبهم أن يرفضوا هذه التلهية عن العمل الجاد، التلهية باستنبات البذور في الهواء!”.
وهو يهاجم من سماهم “المخلصين المتعجلين” من أصحاب الدعوة الإسلامية الذين يخيل إليهم: أن عرض أسس النظام الإسلامي ـ بل التشريعات الإسلامية كذلك ـ على الناس، مما ييسر لهم طريق الدعوة، ويحبب الناس في هذا الدين، وهو ـ في رأيه ـ وهم تنشئه العجلة، وعدم التدبر لطبيعة هذا الدين، وطبيعة منهجه الرباني، وهو منهج عملي حركي جاد، جاء ليحكم الحياة في واقعها، ويواجه هذا الواقع ليقضي فيه بأمره: يقره أو يعدله، أو يغيره من أساسه.. ومن ثم فهو لا يشرع إلا لحالات واقعة فعلا، في مجتمع يعترف ابتداء بحاكمية الله وحده، فهو “منهج” يتعامل مع “الواقع”، وليس “نظرية” تتعامل مع “الفروض”.
وهو يصف هؤلاء المخلصين أيضا بـ “الهزيمة الداخلية” في أرواحهم تجاه الأنظمة البشرية الصغيرة، حين يريدون من الإسلام أن يصوغ نظريات، وأن يصوغ قوالب نظام، وأن يصوغ تشريعات للحياة، بينما ليس على وجه الأرض مجتمع قد قرر فعلا تحكيم شريعة الله وحدها.
وهو يرى أن على دعاة الإسلام أن يدعوا الناس إلى اعتناق العقيدة، حتى لو كانوا يدعون أنفسهم مسلمين، يجب أن يعلموهم أن الإسلام هو ـ أولا ـ إقرار عقيدة “لا إله إلا الله” بمدلولها الحقيقي، وهو: رد الحاكمية لله في أمرهم كله.. ولتكن هذه القضية هي أساس دعوة الناس إلى الإسلام.
وهكذا صيغ الإسلام في نشأته الأولى.. فقد ظل ثلاثة عشر عاما في مكة ينشئ العقيدة في الأنفس، والأخلاق المنبثقة عن هذه العقيدة، ولم ينزل الله لهم في هذه الفترة تنظيمات ولا تشريعات، فلما أن صارت لهم دولة في المدينة ذات سلطان، تنزلت عليهم الشرائع، وتقرر لهم النظام الذي يواجه حاجات المجتمع المسلم الواقعية.
ولم يشأ الله أن ينزل عليهم النظام والشرائع في مكة ليختزنوها جاهزة حتى تطبق مجرد قيام الدولة في المدينة.
هذا ملخص ما قاله الأستاذ ـ رحمه الله ـ في “المعالم”.
أما في كتاب “الإسلام ومشكلات الحضارة” فقد تناول الموضوع بسعة تفصيل استغرق صفحات عدة، ننقل هنا منه ما يشرح الفكرة، ويوضح معالمها.
يقول:
“إن محاولة وضع أحكام تشريعية فقهية إسلامية لمواجهة أقضية المجتمع الذي تعيش فيه البشرية، والذي ليس إسلاميا، لأنه لا يعترف بأن الإسلام منهجه، ولا يسلم للإسلام أن يكون شريعته.
إن محاولة وضع أحكام تشريعية لأقضية مثل هذا المجتمع، ليست من الجد في شيء. وليست من روح الإسلام الجادة في شيء. وليست من منهج الإسلام الواقعي في شيء.
إن الفقه الإسلامي لا يستطيع أن ينمو ويتطور ويواجه مشكلات الحياة إلا في مجتمع إسلامي! مجتمع إسلامي واقعي، موجود فعلا، يواجه مشكلات الحياة التي أمامه ويتعامل معها، وهو مستسلم ابتداء للإسلام!
إنه عبث مضحك أن نحاول مثلا إيجاد أحكام فقهية إسلامية للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في أمريكا أو روسيا، كلتاهما لا تعترف ابتداء بحاكمية الإسلام!
وكذلك الحال بالنسبة لأي بلد لا يعترف بحاكمية الإسلام!
وكل فقه يراد تنميته وتطويره في وضع لا يعترف ابتداء بحاكمية الإسلام هو عملية استنبات للبذور في الهواء.. هو عبث لا يليق بجدية الإسلام!
إن مشكلات “المجتمع الإسلامي” في مواجهة الحضارة القائمة، ليست هي مشكلات أي مجتمع آخر، إنها ليست مشكلات جاهزة حتى نهيئ لها حلولا جاهزة.. إنها مشكلات ستنشأ بشكل خاص، وبحجم خاص، وفق ظروف في عالم الغيب، ووفق ملابسات لا يمكن التكهن بها الآن.. فمن العبث الجري وراء افتراضات لم تقع بعد، على طريقة “الأرأيتيين” التي يمجها الجادون من مشرعي وفقهاء الإسلام.
كما أن مشكلات المجتمع الحاضر في مواجهة الحضارة القائمة ليست مشكلات “مجتمع إسلامي” فهذا المجتمع الإسلامي لم يوجد بعد ـ منذ أن اتخذت شرائع غير شريعة الإسلام لتصريف الحياة ـ لم يوجد، حتى تكون هذه مشكلاته، والإسلام ليس مطلوبا منه ـ ولا مقبولا منه كذلك ـ أن يوجد حلولا فقهية لمجتمع غير إسلامي.. مجتمع أنشأ مشكلاته هذه بسبب أنه لم يعرف الإسلام، أو بسبب أنه هجر الإسلام، إن كان قد عرفه من قبل..
ففيم الجهد؟ وفي العناء؟
إنه ليس الذي ينقص البشرية لقيام مجتمع إسلامي هو وجود فقه إسلامي “متطور”! إنما الذي ينقصها ابتداء هو اتخاذ الإسلام منهجا وشريعته شريعة. إن الفقه الإسلامي لكي يتطور، ينبغي أن يجد التربة التي يتطور فيها، والتربة التي يتطور فيها الفقه الإسلامي هي “مجتمع إسلامي” يعيش في العصر الحاضر، بدرجته الحضارية، ويواجه مشكلات قائمة بالفعل، بتكوينه الذاتي، ومواجهة المجتمع الإسلامي لهذه المشكلات، لن تكون كمواجهة أي مجتمع آخر لها بطبيعة الحال.
ولكن هذه البديهية ـ فيما يبدو ـ لا تبدو واضحة للكثيرين من المخلصين الغيورين على الإسلام “العقلاء”!
ومن أجل ذلك نكرر ونعيد ونزيد في الإيضاح..
إن كل ما يمكن قوله إجمالا عن المجتمع الإسلامي.. أنه ليس صورة تاريخية محددة الحجم والشكل والوضع.. وأننا في العصر الحديث لا نستهدف إقامة مجتمع من هذا الطراز، من حيث الحجم والشكل والوضع، إنما تستهدف إقامة مجتمع مكافئ من النواحي الحضارية المادية ـ على الأقل ـ للمجتمع الحاضر. وفي الوقت ذاته له روح ووجهة وحقيقة المجتمع الإسلامي الأول، الذي أنشأه المنهج الرباني. باعتباره قمة سامقة في روحه ووجهته وحقيقته الإيمانية وتصوره للحياة، ولغاية الوجود الإنساني، ولمركز الإنسان في هذا الكون، ولخصائصه وحقوقه وواجباته. وقمة سامقة في تناسقه وتماسكه.. أما الشكل والصورة والأوضاع فتتحدد وتتجدد بتطور الزمن، وبروز الحاجات، واختلاف أوجه النشاط الواقعي.. إلى آخر الملابسات.. الملابسات المتغيرة المتحركة.. ولكن التي ينبغي أن يكون تحركها ـ في المجتمع الإسلامي ـ داخل إطار المنهج الإسلامي، وحول محوره الثابت، وعلى أساس الإقرار بألوهية الله وحده، وإفراد الله سبحانه بخصائص الألوهية دون شريك. وأولى هذه الخصائص هي حق الحاكمية والتشريع للعباد، وتطويعهم لهذا التشريع.
ومن ثم فإنه ليس “الفقه” الإسلامي هو الذي نتقيد به في إنشاء هذا المجتمع ـ وإن كنا نستأنس به ـ إنما هو “الشريعة” الإسلامية والمنهج الإسلامي، والتصور الإسلامي العام.
وهذا يتطلب ابتداء، أن ترتضي جماعة من البشر اتخاذ الإسلام منهج حياة، وتحكيمه في كل شأن من شؤون هذه الحياة ـ أي إفراد الله، سبحانه، بالألوهية والربوبية، في صورة إفراده سبحانه، بالحاكمية التشريعية ـ ولحظتئذ ـ لا قبلها ـ يوجد “المجتمع الإسلامي”.. ويبدأ في مواجهة الحياة القائمة، بينما هو يكيف نفسه، وأوضاعه وحاجاته الحقيقية، ووسائل إشباع هذه الحاجات، متأثرا بعقيدته، وما تنشئه من تصورات خاصة، ومتأثرا بأهدافه، وما تعنيه من وسائل خاصة، ومتأثرا بطريقته المنهجية الخاصة في مواجهة الواقع، والاعتراف بما هو فطري من هذا الواقع، وما هو ضروري لنمو الحياة السليمة، مع رفض ما ليس فطريا ولا ضروريا للنمو، وما هو ضار ومعطل وساحق لهذا النمو، من ذلك الواقع.. وفي خلال هذه المواجهة ـ بكل هذه الملابسات ـ ينشئ أحكامه الفقهية الخاصة، أولا بأول، في مواجهة وضعه الخاص..
وهنا.. قد يخدم هذا المجتمع الناشئ ما حسبناه وما نزال نحسبه سوء حظ في انقطاع نمو الفقه الإسلامي!
قد تكون هذه خدمة يسرها الله لحكمة.
ذلك أن المجتمع الوليد سيتجه حينئذ مباشرة إلى شريعة الله الأصلية. لا إلى آراء الرجال في الفقه، لأنه لن يجد في آراء الرجال ـ وهي مفصلة لعصور خاصة ولظروف خاصة ـ ما يساوي قده، إلا بعمليات ترقيع وتعديل.
وعندئذ يعمد إلى القماش الأصلي الطويل العريض.. “الشريعة” .. ليفصل منه ثوبا جديدا كاملا، بدلا من الترقيع والتعديل!
إن هذه ليست دعوة لإهمال الفقه الإسلامي، وإهدار الجهود الضخمة العظيمة التي بذلها الأئمة الكبار، والتي تحوي من أصول الصناعة التشريعية، ومن نتاج الأحكام الأصلية، ما يفوق ـ في نواح كثيرة ـ كل ما أنتجه المشرعون في أنحاء العالم.
ولكنها فقط بيان للمنهج الذي قد يأخذ به المجتمع الإسلامي الذي ينشأ ـ عندما ينشأ ـ وبيان لطبيعة المنهج الإسلامي في إنشاء الأحكام الفقهية، إنشائها في مواجهة الواقع الفعلي للمجتمع الإسلامي، المجتمع الذي يعترف ابتداء بحاكمية الإسلام.
إن تلك الثروة الضخمة من الفقه الإسلامي، قد ولدت ونشأت، يوما بعد يوم، في مجتمع إسلامي يواجه الحياة بعقيدته الإسلامية ومنهجه الإسلامي، ويعترف ابتداء بحاكمية الإسلام له، ولا يعترف بحاكمية منهج آخر غير الإسلام، مهما يكن في سلوكه أحيانا من مجافاة جزئية للإسلام. ولكن الخطأ في السلوك والانحراف في التطبيق شيء، وعدم الاعتراف ابتداء بحاكمية المنهج الإسلامي كله شيء آخر.. الأول يقع في المجتمع الإسلامي ويظل مع ذلك في مجتمع غير إسلامي، مجتمع لا يصلح بيئة لنمو الفقه الإسلامي وتطوره، لأنه مجتمع جاهلي لا علاقة له بالإسلام، مهما ادعى لنفسه صفة الإسلام!
وشيء آخر..
إن الفقه الإسلامي ليس منفصلا عن الشريعة الإسلامية. والشريعة الإسلامية ليست منفصلة عن العقيدة الإسلامية. والفقه والشريعة والعقيدة ونظام الحياة كل لا يتجزأ في التصور الإسلامي.. ومحال أن يكون هناك إسلام ولا مسلمون ولا مجتمع مسلم، إذا تمزق هذا الكل الموحد مزقا وأجزاء!
وفي أي نظام اجتماعي آخر ـ غير النظام الإسلامي ـ تكفي المعرفة بأصول التشريع وطرق الصناعة الفقهية ليصبح للرجل القدرة على وضع الأحكام القانونية.
أما في النظام الإسلامي فإن مجرد المعرفة بأصول الصناعة لا يكفي. فلابد من أمرين:
1. مزاولة العقيدة والمنهج في الحياة العامة للأمة.
2. مزاولة العقيدة والمنهج كذلك في الحياة الخاصة للمشرع!
وهذا ما يجب أن نعرفه، ونحذر من مخالفته ونحن نحاول ـ الآن ـ تنمية الفقه الإسلامي وتطويره. هذه المحاولات التي تبذلها جمهرة مخلصة من رجال الفقه والشريعة في شتى أنحاء الوطن الإسلامي ممن يريدون أو يشيرون بتنمية الفقه الإسلامي وتطويره، لمواجهة الأوضاع والأنظمة والمؤسسات والحاجات القائمة في المجتمعات الحاضرة.
إنهم ـ مع احترامي لهم، والتجاوب مع شعورهم المخلص ورغبتهم المشكورة، وتقديري للجهد الناصب الذي يبذلونه ـ يحاولون استنبات البذور في الهواء.. وإلا فأين هو “المجتمع الإسلامي”، الذي يستنبطون له أحكاما فقهية إسلامية يواجه بها مشكلاته؟
المجتمع الإسلامي هو الذي يتخذ المنهج الإسلامي كله منهجا لحياته كلها. ويحكم الإسلام كله في حياته كلها، ويتطلب عنده حلولا لمشكلاته، مستسلما ابتداء لأحكام الإسلام، ليست له خيرة بعد قضاء الله.
فأين هو هذا المجتمع اليوم؟ أين هو في أي زاوية من زوايا الأرض؟
إن كل حكم فقهي يوضع الآن لمواجهة مشكلة قائمة في المجتمعات التي ليست إسلامية، لن يكون هو الذي يصلح ويواجه الواقع في المجتمع الإسلامي، لأن هذه المشكلة ذاتها قد لا تقوم أصلا في المجتمع الإسلامي حين يقوم. وإذا قامت فلن تكون هي بحجمها وشكلها، ولن تكون طريقة المجتمع في مواجهتها ـ وهو إسلامي ـ هي طريقته في مواجهتها وهو غير إسلامي، ولأن عوامل شتى، وملابسات شتى، تجعل طبيعة المجتمع الإسلامي وطريقته في مواجهة الحياة والمشكلات غير طبيعة وطريقة المجتمعات غير الإسلامية.
هذه بديهية.. فيما أظن..
إن أبا بكر وعمر وعليا، وابن عمر وابن عباس، ومالكا وأبا حنيفة وأحمد بن حنبل والشافعي.. وأبا يوسف ومحمدا والقرافي والشاطبي.. وابن تيمية وابن قيم الجوزية والعز بن عبد السلام وأمثالهم “عليهم رضوان الله” كانوا ـ وهم يستنبطون الأحكام:
أولا: يعيشون في مجتمع إسلامي يحكم الإسلام وحده في شؤونه، ويتخذ الإسلام وحده منهجا لحياته ـ حتى مع بعض المخالفة الجزئية في بعض العصور ـ ويواجهون الحياة بهذا المنهج وبآثاره في نفوسهم.
ثانيا: يزاولون العقيدة الإسلامية والمنهج الإسلامي في حياتهم الخاصة، وفي إطار المجتمع الإسلامي الذي يعيشون فيه، ويتذوقون المشكلات ويبحثون عن حلولها بالحس الإسلامي..
ومن ثم كانوا مستوفين للشرطين الأساسيين لنشأة فقه إسلامي، وتطوره ليواجه الأحوال المتطورة، فوق استيفائهم طبعا لشروط الاجتهاد، والتي لا مجال هنا ولا داعي لبيانها لأنها بديهية!
فأما الآن.. فماذا؟؟
إنه لابد أن نحسب حساب عوامل كثيرة، تبعد نمو الفقه الإسلامي وتطوره الآن عن منهجه الأصيل.
لابد أن نحسب بعد الواقع العملي، والواقع النفسي والعقلي، والواقع الشعوري والاعتقادي، عن جو الإسلام والحياة الإسلامية.
ولابد أن نتذكر أن المشكلات التي تواجهها مجتمعاتنا ليست مشكلات مجتمع إسلامي، حتى نستنبط لها أحكاما فقهية إسلامية!
ولابد أن نحسب حساب الهزيمة العقلية والروحية أمام الحضارة الغربية، وأمام الأوضاع الواقعية.. والإسلام يواجه “الواقع” دائما. ولكن لا ليخضع له، بل ليخضعه لتصوراته هو، ومنهجه هو، وأحكامه هو، وليستبقي منه ما هو فطري وضروري من النمو الطبيعي، وليجتث منه ما هو طفيلي وما هو فضولي، وما هو مفسد.. ولو كان حجمه ما كان.. هكذا فعل يوم واجه جاهلية البشرية، وهكذا يفعل حين يواجه الجاهلية في أي زمان.
إن أولى بوادر الهزيمة هي اعتبار “الواقع” أيا كان حجمه هو الأصل الذي على شريعة الله أن تلاحقه! بينما الإسلام يعتبر أن منهج الله وشريعته هي الأصل الذي ينبغي أن يفيء الناس إليه، وأن يتعدل الواقع ليوافقه، وقد واجه الإسلام المجتمع الجاهلي ـ العالمي ـ يوم جاء، فعدله وفق منهجه الخاص، ثم دفع به إلى الأمام.
وموقف الإسلام لا يتغير اليوم حين يواجه المجتمع الجاهلي ـ العالمي ـ الحديث. إنه يعدله وفق منهجه، ثم يدفع به إلى الأمام.
وفرق بين الاعتبارين بعيد. فرق بين اعتبار “الواقع” الجاهلي هو الأصل، وبي اعتبار المنهج الرباني هو الأصل.
إنني أنكر وأستنكر استفتاء الإسلام اليوم في أية مشكلة من مشكلات هذه المجتمعات، احتراما للإسلام وجديته، وإلا فأي هزء واستخفاف أشد من أن تجئ لقاض تطلب حكمه، وأنت تخرج له لسانك، وتعلنه ابتداء أنك لا تعترف به قاضيا، ولا تعترف له بسلطان، وأنك لن تتقيد بحكمه إلا إذا وافق هواك! وإلا إذا أقرك على ما تهواه!
إن الإسلام لا علاقة له بما يجري في الأرض كلها اليوم، لأن أحد لا يحكم الإسلام في حياته، ولا يتخذ المنهج الإسلامي منهجا لمجتمعه، ولأن أحد لا يحكم بشريعة الله وحدها، ولا يفرد الله سبحانه بالألوهية وخصائصها، ولا يجعل الكلمة الأولى والأخيرة في شؤون الحياة كلها لله ولشريعة الله.
والذين يستفتون ـ بحسن نية أو بسوء نية ـ هازلون! والذين يردون على هذه الاستفتاءات ـ بحسن نية أو بسوء نية ـ والذين يتحدثون عن مكان أي وضع من أوضاع البشرية الحاضرة من الإسلام ونظامه، أشد هزلا، وإن كنت أعلم عن الكثيرين منهم أنهم لا يعنون الهزل ولا يستسيغونه ـ لو فطنوا إليه في شأن الإسلام! إنما يستفتي الإسلام في الأمر حين يكون الإسلام وحده في منهج الحياة. ذلك عند قيام المجتمع الإسلامي. المجتمع الذي يتخذ الإسلام شريعته ولا تكون له شريعة سواه ـ عندما يأذن الله ويشاء.

ملاحظات وتعقيبات
هذا ما انتهى إليه اجتهاد الشهيد سيد قطب رحمه الله في هذه القضية.
ويبدو لي في هذا التفكير أو هذا الاجتهاد المخلص بعض الملاحظات التي تخالف وجهة النظر هذه.
ليس مجتمعنا كالمجتمع الجاهلي في مكة
أولى هذه الملاحظات وأهمها:
أن المجتمع الذي نعيش فيه الآن ليس شبيها بمجتمع مكة الذي واجهه النبي صلى الله عليه وسلم حين نشأة الدعوة الإسلامية الأولى.
ذلك كان مجتمعا جاهليا صرفا، أعني مجتمعا وثنيا كافرا، لا يؤمن بـ “لا إله إلا الله” ولا بأن “محمدا رسول الله” يقول عن القرآن: سحر وافتراء وأساطير الأولين.
أما مجتمعنا القائم في بلاد المسلمين، فهو مجتمع خليط من الإسلام والجاهلية، فيه عناصر إسلامية أصيلة، وعناصر جاهلية دخيلة.
فيه أناس مرتدون صراحة من دعاة الشيوعية والعلمانية اللادينية، وهم فئة قليلة من الحكام ورجال الأحزاب العقائدية ونحوهم، فلهم حكم المرتدين.
وفيه منافقون يتظاهرون أمام الشعب بالإسلام، وباطنهم خراب من الإيمان، فلهم حكم المنافقين.
وفيه ـ عدا هؤلاء وأولئك ـ جماهير غفيرة ـ تكون أكثرية الأمة الساحقة، ملتزمة بالإسلام، وجل أفرادها متدينون تدينا فرديا، يؤدون الشعائر المفروضة، وقد يقصرون في بعضها، وقد يرتكب بعضهم المعاصي، ولكنهم في الجملة ـ يخافون الله تعالى، ويحبون التوبة، ويتأثرون بالموعظة، ويحترمون القرآن ويحبون الرسول، إلى غير ذلك، مما يدل على صحة أصول العقيدة لديهم.
ولهذا يكون من الإسراف والمجازفة الحكم على هؤلاء جميعا بأنهم جاهليون كأهل مكة الذين واجههم النبي صلى الله عليه وسلم في فجر دعوة الإسلام، وأن واجبنا ألا نعرض عليهم إلا العقيدة، والعقيدة وحدها، حتى يشهدوا أن “لا إله إلا الله” بمدلولها الحقيقي، وألا نستجيب لاستفتاءاتهم في شأن من شئون المجتمع الإسلامي.
فالواقع كما قلنا أن هؤلاء غير مجتمع مكة المشرك، فكثير منهم يصلون ويصومون، ويزكون ويحجون، وكثير ممن قصر في هذه الفرائض لا ينكرها، ولا يستخف لها، وهي أركان الإسلام ومبانيه.
فهل كان مجتمع مكة يلتزم شيئا من هذه الأركان؟!
ثم هم يتزوجون ويطلقون، ويرثون ويورثون، ويوصون، على مقتضى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ولازال في بعض البلاد من يقيمون الحدود الشرعية من الجلد والقطع والقتل ونحوها، ولازالت القاعدة العريضة في البلاد الأخرى تطالب الحكومات بإقامتها وتطبيق شرع الله تعالى.
فهل يا ترى إذا استفتى هؤلاء في شأن من شئون الإسلام التي يمارسونها بالفعل ألا نفتيهم ونبين لهم؟
إنهم يسألون في كل صغيرة وكبيرة تتعلق بشئون العبادات، وما يسمى بـ “الأحوال الشخصية” ومن واجبنا أن نبين لهم ولا نكتم عنهم علما نافعا فيلجمنا الله بلجام من نار يوم القيامة.
وهم يسألون أيضا عما يعرض لهم في حياتهم الشخصية والاجتماعية، فهم مسوقون إلى أن يتعاملوا مع البنوك، وأن يؤمنوا على المتاجر والمعامل والممتلكات، ويسألون عن حكم الشرع في ذلك كله.
هل نصم آذاننا عن هؤلاء المسلمين، حتى لو سألونا عن الصلاة والزكاة والصيام؟
أم نجيبهم عن أحكام العبادات وما يتعلق بها، ولا نجيبهم عن أحكام المعاملات؟
مع أن الشهيد سيد قطب رحمه الله في بعض ما كتبه في “الظلال” وفي “خصائص التصور” لا يقر هذه التفرقة بين ما سمي “العبادات” وما سمي “المعاملات” ويرى أن القرآن يسوق الجميع في نسق واحد، ولا يفرق بين هذه وتلك.
إلى الفهرس

المتأثرون بالغزو الفكري جهال لا كفار
على أن من المسلمين من أفسد الجهل والغزو الثقافي فكره، فأصبح يعتقد أن الإسلام ـ كبعض الديانات الأخرى ـ عقيدة وعبادة وخلق، ولا شأن له بالدولة ولا بنظام الحياة.
وبعضهم يحسب أن ما جاء به الإسلام في النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي أشياء قليلة لا تبلغ أن تكون نظاما يوجه الحياة.
وبعضهم يظن أن ما جاء به الإسلام في هذه النواحي وما أشبهها لا يصلح لعصرنا اليوم.
وبعضهم يقول: لا يمكن تطبيقه في هذا العصر.
ومعظم هؤلاء في نظري جهال، يجب أن يتعلموا، لا مرتدون يجب أن يقتلوا!
معظم هؤلاء لم ينكر حق الله في أن يشرع لعباده ما يشاء ويلزمهم بما يريد، ولكنهم يظنون أنه منحهم حرية الاختيار فيما يحكمون به أنفسهم في بعض شئون الحياة.
وهذا إنما جاء من الجهل بحقيقة دينهم وشموله.
وبعضهم قامت في ذهنه شبهات بلبلت فكره، ولم يكن عنده حصانة ثقافية ترد عنه أثر هذه الشبهات.
وواجب دعاة الإسلام أن يرشدوا هؤلاء وأولئك إلى الصراط المستقيم، ويعلموهم دينهم الذي لازالوا يلتزمونه، ويعتقدون أنهم مقيمون عليه.
وطرائق التعليم تختلف باختلاف درجات ثقافة الأشخاص ونوعها، ومن هذه الطرق:
عرض النظام الإسلامي لشتى جوانب الحياة، وبيان مزاياه على سائر الأنظمة البشرية، وكيف تقدم الشريعة الإسلامية حلولا مدهشة لا تتطاول إليها أعناق البشر لمختلف مشكلات الحياة.
إن كثيرين من “عبيد الفكر الغربي” لا يشكون في عقيدة الإسلام، بل في نظامه للحياة، وكثيرون منهم ربما شكوا في العقيدة، بناء على شكهم في النظام.
فالواقع أن الغزو الفكري الماكر، حين بدأ عمله لم يبدأ بالتشكيك في العقيدة، فهذا مما ينفر منه كل مسلم، لوضوح العقيدة الإسلامية وانسجامها وبساطتها ومنطقيتها ـ وإنما بدأ بالتشكيك في أنظمة الإسلام وتشريعاته، فانتهى التشكيك في النظام إلى الشك في العقيدة ذاتها، وهذا أمر حتمي، لأنه فرع عنها، وثمرة لها.
لهذا كان من المناسب ومن النافع العمل على إزالة الشبهات عن النظام، وبيان خصائصه ومزاياه وآثاره ليعود إلى الشاكين والمرتابين إيمانهم بالنظام الذي أدت زلزلته إلى زلزلة العقيدة، فقوة الإيمان به تقضي إلى قوة العقيدة.
ومن أجل هذا نرى كثيرين من رجال القانون والاقتصاد والاجتماع الذين شكوا في صلاحية الإسلام كله يوما ما، حين أتيحت لهم دراسة نظمه دراسة واعية، زالت شبهاتهم، وانحلت عقدهم، وعادوا بقوة إلى حظيرة الإسلام، بل أصبحوا من دعاته وأنصاره.
والنظرة إلى المجتمع الحالي في بلاد المسلمين على أنه مجتمع جاهلي صرف كمجتمع مكة في بدء الدعوة الإسلامية، هي السر الكامن وراء هذا التشدد الظاهر في رفض كل محاولة لعرض نظام الإسلام، وتقديم حلول من فقهه لمشكلات الحياة العصرية.

انفراد الشهيد سيد قطب بهذا الرأي
والذي يستقرئ آراء الدعاة الإسلاميين في هذا العصر من عهد محمد عبده إلى رشيد رضا، إلى حسن البنا، إلى من بعدهم في البلاد العربية، وآراء إخوانهم في البلاد الإسلامية الأخرى مثل المودودي وغيره، يجد أن هذا الرأي مما انفرد به سيد قطب رحمه الله، كما تشهد بذلك آثارهم جميعا. وسنعرض لشيء من ذلك في آخر هذا الفصل.

مناقضة رأي الشهيد عودة للشهيد قطب
والشهيد المرحوم عبد القادر عودة ينظر إلى المجتمع الحالي في بلاد المسلمين نظرة تخالف نظرة الشهيد المرحوم سيد قطب مخالفة جذرية، ويرى أن إهماله لتحكيم الشريعة في بعض شئون الحياة لم يكن تحديا لسلطان الله، وإنما جاء نتيجة الجهل أو النفوذ الأجنبي وما شابه ذلك.
يقول الشهيد الفقيه ـ رحمه الله ـ في مقدمة رسالته القيمة المركزة: “الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه”:
“إنني لأعتقد أننا لم نترك أحكام الشريعة الإسلامية إلا لجهلنا بها، وقعود علمائنا أو عجزهم عن تعريفنا بها”.
ثم يقول:
“ولقد رأيت أن خير ما يخدم به المسلم أخاه أن يبصره بأحكام الشريعة الإسلامية، وأن يبين له ما خفي عليه منها”.
ويشرح علة نقل القوانين الأوروبية للبلاد الإسلامية، شرح العارف المطلع، فيقول:
“قد يظن البعض أن ولاة الأمور في البلاد الإسلامية نقلوا لها القوانين الأوروبية لأنهم لم يجدوا في الشريعة غناء، وهذا ظن خاطئ أساسه الجهل الفاضح بالشريعة، فإن في الشريعة الإسلامية، وفي الفقه الإسلامي من المبادئ والنظريات والأحكام ما لو جمع في مجموعات لكان مثلا أعلى في المجموعات التشريعية، وأعتقد أنه لو وضعت هذه المجموعات الإسلامية لنقلت البلاد غير الإسلامية أحكامها قبل جيل واحد، وأهملت ما لديها من مجموعات تعتز بها”.
“والعلة الحقيقية في نقل القوانين الأوروبية للبلاد الإسلامية هي الاستعمار، والنفوذ الأوروبي، وقعود علماء المسلمين، فبعض هذه البلاد الإسلامية أدخلت لها القوانين الأوروبية بقوة المستعمر وسلطانه، كالهند وشمال أفريقيا، وبعض البلاد الإسلامية دخلتها القوانين الأوربية بضعفها وقوة النفوذ الأجنبي فيها من ناحية، ومحاولة حكامها تقليد البلاد الأوروبية من ناحية أخرى، ومن هذا القسم مصر وتركيا”.
“ومن الثابت تاريخيا أن القوانين الأوروبية نقلت إلى مصر في عهد الخديوي إسماعيل. وأنه كان يود أن يضع لمصر مجموعات تشريعية مأخوذة من الشريعة ومذاهب الفقه الإسلامي المختلفة، وقد طلب من علماء الأزهر أن يضعوا هذه المجاميع، ولكنهم رفضوا إجابة طلبه، لأن التعصب المذهبي منعهم من أن يتعاونوا على إظهار الشريعة في أجمل صورها، فضحوا بالشريعة جميعها، واحتفظ كل بمذهبه والتعصب له، وأضاعوا على العالم الإسلامي فرصة طالما بكوا على ضياعها، وحق لهم أن يبكوا عليها حتى تعود!”.
“وأحب أن أنبه إلى أن بعض البلاد الإسلامية التي أخذت مختارة إلى حد ما بالقوانين الأوروبية لم تكن مقصودة إطلاقا مخالفة الشريعة الإسلامية، وليس أدل على ذلك من أن قانون العقوبات المصري الصادر في سنة 1883م نص في المادة الأولى منه على أن “من خصائص الحكومة أن تعاقب على الجرائم التي تقع على أفراد الناس بسبب ما يترتب عليها من تكدير الراحة العمومية وكذلك الجرائم التي تحصل ضد الحكومة مباشرة، وبناء على ذلك فقد تعينت في هذا القانون درجات العقوبة التي لأولياء الأمر شرعا تقديرها. وهذا بدون إخلال في أي حال من الأحوال بالحقوق المقررة لكل شخص بمقتضى الشريعة الغراء” وهذا النص مأخوذ من القانون التركي الصادر في 5/6/1853م وكذلك أستطيع أن أقول بحسب اعتقادي:
إن أولي الأمر في معظم البلاد الإسلامية لم يخطر على بالهم أن يخالفوا الشريعة لا قديما ولا حديثا، ولكن القوانين جاءت مخالفة للشريعة بالرغم من ذلك، وبالرغم من حرص بعضهم على منع التحالف، ولعل السر في ذلك هو أن واضعي القوانين إما أوروبيون ليس لهم صلة بالشريعة أو مسلمون درسوا القوانين ولم يدرسوا الشريعة”.
ثم يبين أثر إدخال هذه القوانين من الوجهة الفكرية والثقافية فيقول:
“ترتب على إدخال القوانين الأوروبية في البلاد الإسلامية أن أنشئت في تلك البلاد محاكم خاصة لتطبيق هذه القوانين، وعين لهذه المحاكم قضاة أوربيون، أو قضاة وطنيون درسوا هذه القوانين، ولم يدرسوا الشريعة، وقد اعتبرت المحاكم الجديدة نفسها مختصة بكل شيء تقريبا، فترتب على ذلك تعطيل الشريعة تعطيلا عمليا، لأن المحاكم الجديدة لا تطبق إلا قوانينها”.
“كذلك أنشأت السلطة القائمة على التعليم مدارس خاصة لتدريس القوانين، وقد جرت هذه المدارس على الاهتمام بدراسة القوانين، وإهمال الشريعة إلا في مسائل قليلة كالوقف، فأدى ذلك إلى نتيجة مخزية، إذ أصبح كل رجال القانون تقريبا ـ وهم من صفوة المثقفين ـ يجهلون كل الجهل أحكام الشريعة الإسلامية واتجاهاتها العامة. أي أنهم يجهلون بكل أسف أحكام الإسلام وهو الدين الذي تتدين به الدول الإسلامية”.
“ولقد أدى الجهل بالشريعة إلى تفسير النصوص القليلة المأخوذة عن الشريعة تفسيرا يتفق مع القوانين الوضعية ويختلف عن الشريعة في بعض الأحوال، ومن ذلك أن قانون العقوبات المصري ينص على أن أحكام قانون العقوبات لا خل في أي حال من الأحوال بالحقوق المقررة لكل شخص في الشريعة الإسلامية، وبالرغم من قيام هذا النص الصريح فإن الشراح المصريين لم يدرسوا هذه الحقوق كما هي موجودة في الشريعة، واكتفوا بأن يدرسوا من الحقوق ما يقره القانون الفرنسي، وأن يدرسوه على طريقة الشراح الفرنسيين، وأن يعللوه بقواعد القانون، كما علله الفرنسيون، ولقد اندفع الشراح المصريون في هذا الطريق تحت تأثير عاملين:
أولهما: أنهم لا يدرسون الشريعة ولا يعرفون شيئا من أحكامها واتجاهاتها.
وثانيهما: أنهم يقيدون أنفسهم بآراء واتجاهات الشراح الأوروبيين عامة والفرنسيين خاصة، فلا يبيحون إلا ما أباحوا ولا يحرمون إلا ما حرموا، والشراح الأوربيون لا يعرفون بطبيعة الحال شيئا عن الشريعة الإسلامية.
ثم يتحدث عن أصناف المسلمين بالنظر إلى عملهم بالشريعة فيقسمهم إلى ثلاث طوائف.
1. غير المثقفين.
2. والمثقفون ثقافة أوروبية.
3. والمثقفون ثقافة إسلامية.
والذي يعنينا هنا حديثه عن الطائفة الثانية إذ يقول:
“تضم هذه الطائفة معظم المثقفين في البلاد الإسلامية وأكثرهم متوسطو الثقافة، ولكن الكثيرين منهم مثقفون ثقافة عالية، ومن هذه الطائفة: القضاة، والمحامون، والأطباء، والمهندسون، والأدباء، ورجال التعليم، والإدارة، والسياسة.
وقد تثقفت هذه الطائفة على الطريقة الأوروبية.
ولهذا فهم لا يعرفون عن الشريعة الإسلامية إلا ما يعرفه المسلم العادي بحكم البيئة والوسط، وأغلبهم يعرف عن عبادات اليونان والرومان، وعن القوانين والأنظمة الأوروبية أكثر مما يعرف عن الإسلام والشريعة الإسلامية.
“ومن هذه الطائفة أشخاص يعدون على الأصابع في كل بلد لهم دراسات خاصة في فرع من فروع الشريعة، أو في مسألة من مسائلها،ولكنها دراسة محددة ويغلب أن تكون دراسات سطحية، وقل أن تجد في هؤلاء من يفهم روح الشريعة الإسلامية على حقيقتها أو يلم إلماما صحيحا باتجاهات الشريعة والأسس التي تقوم عليها”.
“وهؤلاء المثقفون ثقافة أوروبية، والذين يجهلون الإسلام والشريعة الإسلامية إلى هذا الحد، هم الذين يسيطرون على الأمة الإسلامية، ويوجهونها في مشارق الأرض ومغاربها، وهم الذين يمثلون الإسلام والأمم الإسلامية في المجامع الدولية”.
“ومن الإنصاف لهؤلاء أن نقول إن أغلبهم على جهلهم بالشريعة الإسلامية متدينون، يؤمنون إيمانا عميقا ويؤدون عبادتهم بقدر ما يعلمون وهم على استعداد طيب لتعلم ما لا يعلمون ولكنهم لا يطيقون أن يرجعوا بأنفسهم إلى كتب الشريعة للإلمام بما يجهلون، لأنهم لم يتعودوا قراءتها، ولأن البحث في كتب الشريعة غير ميسر، إلا لمن مرن على قراءتها طويلا، فهي مؤلفة على الطريقة التي كان المؤلفون يؤلفون عليها من ألف عام، وليست مبوبة تبويبا يسهل الانتفاع بها، وليس من السهل على من يحب الاطلاع على مسألة بعينها أن يعثر على حكمها في الحال، بل عليه أن يقرأ بابا وأبوابا حتى يعثر على ما يريد، وقد ييأس الباحث من العثور على ما يريد ثم يوفقه الله فيعثر عليه مصادفة في مكان لم يتوقع أن يجده فيه، وقد يقرأ الباحث في الكتب الشرعية، فلا يصل إلى المعنى الحقيقي لجهله بالاصطلاحات الشرعية والمبادئ الأصولية التي تقوم عليها المذاهب الفقهية، وإني لأعرف كثيرين حاولوا جادين أن يدرسوا الشريعة فعجزوا عن فهمها وتشتت ذهنهم، وضاع عزمهم بين المتون والشروح والحواشي، ولو أن هؤلاء وجدوا كتبا في الشريعة مكتوبة على الطريقة الحديثة لاستطاعوا أن يدرسوا الشريعة الإسلامية، ولأفادوا واستفادوا”.
“ولطائفة المثقفين ثقافة أوروبية ادعاءات غريبة عن الشريعة، بل هي ادعاءات مضحكة. فبعضهم يدعون أن الإسلام لا علاقة له بالحكم والدولة، وبعضهم يرى الإسلام دينا ودولة، ولكنهم يدعون أن الشريعة لا تصلح للعصر الحاضر فيما يتعلق بأحكام الدنيا، وبعضهم يرى أن الشريعة تصلح للعصر الحاضر، ولكنهم يدعون أن بعض أحكامها مؤقت لا يطبق اليوم، وبعضهم يرى أن الشريعة تصلح للعصر الحاضر، وأن أحكامها دائمة ولكنهم يدعون أن بعض أحكامها لا يستطيع تطبيقه، خشية إغضاب الدول الأجنبية، وبعضهم يدعي أن الفقه الإسلامي يرجع إلى آراء الفقهاء أكثر مما يرجع إلى القرآن والسنة”.
“والواقع أن هذه الادعاءات جميعا ترجع إلى عاملين:
وأولهما: الجهل بالشريعة.
وثانيهما: تأثرهم بالثقافة الأوروبية، ومحاولتهم تطبيق معلوماتهم عن القوانين الوضعية على الشريعة الإسلامية، ولا أدل على سقوط هذه الادعاءات من تناقض أصحابها، فما يدعيه البعض ينقضه البعض الآخر، وما يقيمه بعضهم يهدمه البعض الآخر”.
ويعرض الشهيد الفقيه عبد القادر عودة ـ رحمه الله ـ لجيل المثقفين ثقافة إسلامية وطريقتهم في عرض الدعوة إلى الإسلام، فيقول:
“ويسلك هذا الجيل في دعوته للإسلام وإقامة شرائعه وشعائره طرقا قد تجدي في إقناع الأميين وتعليمهم، ولكنها لا تجدي في إقناع المثقفين ثقافة أوروبية، وهم المسيطرون على الحياة العامة، وبيدهم الحكم والسلطان في بلاد الإسلام، وكان من الأولى أن يبذل علماء الإسلام جهدا في إقناع هذا الفريق وتعليمه ما يجهل من أحكام الإسلام فلو عرف هؤلاء الإسلام على حقيقته لكانوا خير السفراء والدعاة للإسلام”.
“أحب من علماء الإسلام أن يبينوا للمثقفين ثقافة أوروبية في كل ظرف وفي كل يوم مدى مخالفة القوانين الأوروبية للإسلام وحكم الإسلام، فيمن يطبق هذه القوانين وينفذها، فما المثقفون ثقافة أوروبية إلا مسلمون يجهلون حقائق الإسلام، ولكنهم مع ذلك على استعداد حسن لتعلم ما يجهلون من الإسلام”.
“وأحب من علماء الإسلام أن يمكنوا للمثقفين ثقافة أوروبية من دراسة الشريعة والاطلاع على مبادئها ونظرياتها ومدى تفوقها على القوانين الوضعية ويستطيع علماء الإسلام أن يصلوا لهذا إما بتأليف لجان من رجال المذاهب المختلفة، فتقوم كل لجنة بجمع الكتب المهمة في كل مذهب، وتصنع منها جميعا كتابا واحدا في لغة عصرية، وفي تنظيم وفهرسة عصرية، وإما بتأليف كتب في لغة ونظام عصري، تعرض مواد التشريع الإسلامي عرضا شائقا مع مقارنة مختلف المذاهب الإسلامية، فكتاب في البيع، وآخر في الإيجار، وثالث في الشركات، ورابع في الإفلاس، وهكذا..”.
هذا ما كتبه الشهيد الفقيه عبد القادر عودة وهو مخالف تماما لما كتبه الشهيد الأديب سيد قطب وقد تبين بهذا البيان الهادئ أنه ليس من الهزل في شيء، ولا من عدم الجدية، ولا من مجانية الواقعية أن يعرض على هذه الفئات من الناس نظام الإسلام وشريعة الإسلام، واجتهادات علمائها، عرضا ملائما، يحبب إليهم رسالة الإسلام، ويرد عنها المفتريات، ويزيل من أذهانهم الشبهات.
الحقيقة التي نؤكدها أن جل هؤلاء الناس لا ينكرون حكم الله، ولكنهم يجهلونه.
وقد طال بهم الجهل وتوارثوه، لقوة الغزو الأجنبي الفكري، وطول مدته، وعدم قيام دفاع مضاد من الجبهة الإسلامية لتحصين هؤلاء قبل وقوعهم في الخطر، أو لإنقاذهم بعد وقوعهم فيه، وذلك لضعف إمكانات تلك الجبهة، وتمزقها، وعجزها، وتسلط القوى الأخرى عليها، حتى شغلتها بالتافه عن العظيم، وبالدنيا عن الدين، إلا من عصم ربك منه.
فإذا كنا واقعيين حقا، وكنا جادين حقا، فعلينا أن نعرف من أين أتى هؤلاء، وما أتوا إلا من الجهل بشريعة الإسلام، ومحاسن نظام الإسلام، وما يمتاز به من شمول وتوازن، وجمع بين الواقعية والمثالية، والروحية والمادية، والفردية والجماعية، في التئام واتساق، واعتقادهم في نظم الحياة الغربية وقوانينها حيث لم يعرفوا غيرها.
فإذا بينا قصور النظم الغربية، وكمال النظم الإسلامية، وقدرة الاجتهاد الإسلامي على حل مشكلات العصر، فقد أنقذناهم من اعتقاد خاطئ، وفهم قاصر، وربما تمادى بهم إلى الكفر ـ والعياذ بالله ـ وقد رأينا كثيرا من هؤلاء فعلا يعودون إلى الإيمان بحقية الإسلام، ووجوب تحكيمه في كل شئون الحياة والمجتمع، بعد أن أتيح له دراسة بعض جوانب من نظامه وتشريعاته، فعاد إلى اليقين بعظمة هذا النظام الإلهي وكماله وسموه على كل ما وضع البشر لأنفسهم.
الواقعية التي تحكم بها الفطرة هنا هي إصلاح عقيدة هؤلاء عن طريق عرض النظام الإسلامي عرضا يحبب إليهم هذا الدين.
وليس من الواقعية الحقيقية أن نعرض على هؤلاء “لا إله إلا الله” وهم يعلنونها ويؤمنون بها، ويقاتلون من أنكرها.
ليس من الواقعية أن نحرمهم ونحرم أنفسنا من تطوير الفقه الإسلامي وتنميته بحجة أن المجتمع الإسلامي غير موجود، فهذا ضرب من العنف والتعسير على أنفسنا وعلى الناس، وقد جاء في الحديث: “إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين”، “يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا”، “إن الله يحب الرفق في الأمر كله”.

موقعنا من الفقه الإسلامي
وأما قول الشهيد سيد قطب رحمه الله: أننا لن نتقيد في إنشاء المجتمع الإسلامي المنشود بالفقه الإسلامي ـ وإن كنا نستأنس به ـ وإنما نتقيد فقط بالشريعة الإسلامية والمنهج الإسلامي، لأن الفقه فصل لزمن آخر وبيئة أخرى، فهو قول ـ وإن كان صحيحا في جملته ـ يحتاج إلى إيضاح وتقييد، فليس هناك شيء مستقل منفصل اسمه “الشريعة الإسلامية” وإنما نجد الشريعة الإسلامية داخل “الفقه الإسلامي”.
فالفقه الإسلامي يحوي أحكاما وقواعد مقطوعا بها، مجمعا عليها، مستمدة من نصوص الكتاب والسنة، واستقراء ما جاء فيهما من جزئيات الأحكام، وهذا القسم هو الجزء المقطوع به من “الشريعة الإسلامية” أي مقطوع بأنه بعينه من الشريعة.
وهناك أحكام مختلف فيها وإن كان أصلها النص، للاختلاف في ثبوتها أو في دلالتها، أو فيهما معا، فهي ظنية وليست قطعية، وأحكام أخرى اجتهادية وليست نصية، وهي داخلة فيما اختلف فيه، وليست مما أجمع عليه، فهذه هي أحكام “الفقه الإسلامي” ومعظم الأحكام من هذا القسم الأخير. وهي ليست غريبة عن الشريعة ولا دخيلة عليها، بل هي منبثقة عن الشريعة في جملتها ومجموعها لا في جميعها ولا في تفصيلاتها.
وهذا القسم الظني الاجتهادي المختلف فيه لا يجوز إطراحه وإهماله، لأنه ناشئ عن اجتهاد، وإنما يجب أن ندرسه دراسة الموازنة لنتخير أقرب الآراء فيه إلى مقاصد الشريعة ونصوصها وروحها، فيكون ما نختاره هو الشريعة الواجب اتباعها في حقنا.
ولو أهملنا كل الفقه لأنه فقه، لترتب على ذلك إهمال ما نسميه “الشريعة” نفسها، لأنها لا توجد إلا داخله.
وهل يسع مفسرا للقرآن الكريم في عصرنا أن يتعرض لتفسيره دون أن يراجع أقوال مفسري السلف وغيرهم؟
إن الذي يفعل ذلك يضل ويتيه.
وهل يسع شارحا لصحيح البخاري أو مسلم أو غيرهما من كتب السنة أن يعرض لشرحهما دون أن يرجع إلى أقوال الشراح القدامى من علماء الأمة؟
ومثل ذلك الذي يتعرض لفهم نصوص الشريعة وتفسيرها، كآيات الأحكام، وأحاديث الأحكام، هل يريد أن يفهمها ويفسرها وحده، أم يرجع إلى ما قاله الأئمة فيها ويتخير منها؟ وقد يؤتيه الله فهما جديدا في بعضها فواجبه أن يقدمه للناس.
ثم إن النظريات والفروع والمسائل والصور والشروح والتعليلات التي قام بها الفقهاء بتقديمها على توالي العصور ليست شيئا هينا يتصور الاستغناء عنه بسهولة، وليست كلها مما “فصل” على “قد” زمن معين، وبيئة معينة، ولم يعد يصلح لعصرنا. فمعظم هذه الثروة الفقهية الضخمة ـ التي اعترف الأستاذ سيد قطب بقيمتها نظريا ـ صالح للتطبيق في زمننا وبيئتنا، والقليل منها هو الذي كان نتيجة بيئته وعصره.
لقد كتبت في “فقه الزكاة” مجلدين كبيرين، فهل كان يسعني أن أعرض عن الثروة الفقهية في شأن الزكاة؟ وأبدأ من جديد؟ معتمدا على النصوص الواردة في الموضوع فقط؟
إني موقن أني لو فعلت ذلك، لحجرت على نفسي واسعا، وسددت عليها بابا من الفهم لا مسوغ لسده وإغلاقه، ولحرمت نفسي من كنوز قيمة من الأفكار والاجتهادات التي احتواها الفقه الإسلامي، لو سرت في الطريق وحدي، كأن لم يسبقني أحد.
ولعلي لو فعلت ذلك لجئت بآراء مبتسرة لا يقبلها أحد، وربما خالفت الإجماع المتيقن في المسائل الإجماعية، وهكذا..
إني أحسب أن الشهيد سيد قطبـ رحمه الله ـ لو أتيح له دراسة الفقه الإسلامي والعيش في كتبه ومراجعه زمنا، لغير رأيه هذا، فقد كان ـ فيما أعلم ـ رجاعا إلى الحق، ولكن تخصصه ولون ثقافته لم يتح له هذه الفرصة، وبخاصة أن مراجع الفقه بطريقتها وأسلوبها لا تلائم ذوقه الفني الرفيع ـ وقد حدثنا الشهيد عبد القادر عودة عما عاناه في فهم الكتب الفقهية حتى لان له جانبها، وسكن له قيادها.
وفي الكويت الآن إدارة خاصة وجهد كبير مبذول لعمل “موسوعة للفقه الإسلامي” يرجى أن تكتب بأسلوب العصر، وأن ترتب ترتيب العصر، تقوم عليها وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، للدعاة إلى الإسلام دور ملحوظ في تبني هذا المشروع وتأييده.
وفي مصر أيضا أكثر من محاولة لهذا الأمر.
والذي بدأ بهذا الأمر وحركه وتبناه من قبل هو المرحوم الفقيه الداعية الدكتور مصطفى السباعي حين كان عميدا لكلية الشريعة في دمشق، ومعه إخوانه من العلماء والدعاة الغيورين.
فهل يعد هذا جهدا ضائعا، أو لا قيمة له؟
إني أعتقد أن كل هذا يساعدنا على هدفنا في إقامة المجتمع المسلم، ويذلل كثيرا من العقبات في طريقنا إلى الغاية المرجوة.

اشتراط مزاولة العقيدة والمنهج في الحياة العامة لصحة الاجتهاد
بقي الشرطان اللذان اشترطهما الأستاذ سيد قطب لكل مجتهد في بيان أحكام الشريعة ـ بالإضافة إلى الشروط العملية المعروفة ـ وهما:
1. مزاولة العقيدة والمنهج في الحياة العامة.
2. مزاولة العقيدة والمنهج في الحياة الخاصة للمشرع.
أما الشرط الثاني فهو مسلم في جملته، وهو شرط الإسلام والعدالة وقد تحدث عنهما الأصوليون في “شروط المجتهد” وفي العدالة تفصيل معروف.
وأما الشرط الأول، فلا أعلم سندا له، ولا أعرف أحدا قال به. ولا أجد ـ من الناحية الواقعية التي يشيد بها الأستاذ ـ مانعا يحول بين الفقيه المسلم وبين الاجتهاد السليم لبيان رأي الشرع الإسلامي ـ فيما يرى المجتهد ـ في بعض ما يمارسه المجتمع اليوم من أحوال اقتصادية واجتماعية وسياسية، وإن كان المجتمع الإسلامي المنشود غير قائم.
ماذا يمنع الفقيه المسلم أن يجتهد لبيان الحكم الشرعي ـ على سبيل المثال ـ في أسس العلاقات الدولية بين الدولة الإسلامية وغيرها، على ضوء الظروف الدولية في هذا العصر، كما فعل الأساتذة: رشيد رضا في “المنار”، وشلتوت في “القرآن والقتال”، وحسن البنا في “السلام ومشروعية القتال في الإسلام” في مجلة الشهاب المصرية الشهرية، وأبو زهرة في “الإسلام والعلاقات الدولية”، ود.محمد عبدالله دراز في “مبادئ القانون الدولي في الإسلام” ود. مصطفى السباعي في “السلم والحرب في الإسلام”، والغزالي في “الإسلام والاستبداد السياسي”.
ماذا يمنع الفقيه المسلم أن يجتهد لبيان الحكم في زكاة الأموال والدخول المستحدثة في عصرنا، كالعمارات السكنية الاستغلالية والمصانع وغيرها من “المستغلات” وفي زكاة الرواتب وكسب العمل والمهن الحرة ونحوها؟ وهذه أمور توجد في مجتمعنا اليوم، وستوجد في المجتمع المسلم المنتظر أيضا؟
وهنا أيضا أمر له أهميته. فكثير من المسائل والمشكلات الجديدة ليست وليدة المجتمع الجاهلي، بل هي وليدة التطور الاجتماعي والتقدم التكنولوجي الحديث، وهي نتاج الحياة التي تغيرت أساليبها وتغير وجهها إلى حد بعيد، فهي مشكلات المجتمع الحديث، سواء كان إسلاميا أم جاهليا، وهي إذن تتطلب من الإسلا





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق