معالم وضوابط

الاجتهاد

معالم وضوابط
لاجتهاد معاصر قويم

مقدمة

اتجاهات الاجتهاد المعاصر ومدارسه

معالم وضوابط لابد منها

مقدمة
لا يكاد يختلف اثنان من أهل العلم والفكر اليوم في ضرورة الاجتهاد وأهميته لحياتنا الإسلامية المعاصرة وتجديد فقهنا بما يجعله قادرا على علاج مشكلاتنا المتجددة من طب الشريعة الرحبة.
ولكن بعض أهل العلم يخافون أن يدخل من هذا الباب ـ إذا فتح ـ الأدعياء والطفيليون الذين يلبسون لبوس العلماء ويحملون ألقابهم الفخمة وليسوا من العلم في قليل ولا كثير.
ومثلهم الخطافون المتعجلون الجرآء الذين يسارعون إلى الفتوى في أعوص المسائل، وأعمق القضايا، دون أن يجهدوا أنفسهم في البحث والتنقيب، والمراجعة والمشاورة مع أهل الذكر، فجوابهم حاضر لكل سؤال، وفتواهم (جاهزة) لكل قضية، لو عرضتها على عمر لجمع لها المهاجرين والأنصار!
وأخطر منهم أدعياء التطور الذين يريدون أن يدخلوا على الحياة الإسلامية، ما هو غريب عن فطرتها وقيمها وشريعتها بدعوى الاجتهاد في الشرع، وهي أبعد ما يكون عن شرع الله نصا وروحا.
وشر منهم الذين وظفوا علمهم للسلطان، وباعوا دينهم بدنيا غيرهم ممن أغفل الله قلبه عن ذكره، واتبع هواه، وكان أمره فرطا.
والعلم إذا غدا تابعا للهوى لم يعد علما، بل ينقلب جهلا وضلالا (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله؟) [سورة الجاثية:23].
ولعل مثل هذه التخوفات هي التي جعلت جماعة من العلماء في العصور المتأخرة ينادون بسد باب الاجتهاد ليقطعوا الطريق على هؤلاء وأمثالهم، على اعتبار أن هذا من باب “سد الذرائع” المقرر شرعا.
ولكن المبالغة في سد الذرائع كالمبالغة في فتحها يترتب عليها ضرر كبير، وشر مستطير.
والواجب هو الوقوف عند خط الاعتدال الذي أوقفنا الله تعالى عنده (تلك حدود الله فلا تعتدوها) [سورة البقرة:229].
والحق أننا لو حاولنا سد باب الاجتهاد ـ خوفا من الأدعياء المتطفلين، أو من المتعجلين المغرورين، أو مفتي السلاطين أو المهزومين فكريا ونفسيا أمام الغازين ـ لم نعالج المشكلة من جذورها، لأن هذا إن سد الباب على أدعياء الاجتهاد المتطفلين عليه، وغير المتأهلين له، فهو في الوقت ذاته يحرم أهله القادرين عليه من ممارسة حقهم الشرعي في الاجتهاد، كما أمر الله ورسوله، وهذا ينتهي بغلبة المقلدين الجامدين، واختفاء المجتهدين المتنورين، وباختفاء هؤلاء وظهور أولئك تجمد الحياة، ويتوقف الفكر، ويتخلف المسلمون، وتتعثر حركة الإسلام.
على أن عصرنا لم يعد قابلا لدعوى إغلاق باب الاجتهاد، ولا عاد هذا ممكنا لو أردناه، فإن حرية القول باللسان والقلم، وحرية الإذاعة والنشر ـ وخصوصا فيما لا علاقة له بالسياسة ـ متاحة وميسورة، ولاسيما من كان له نفوذ مادي أو أدبي.
ومن هنا كثر الذين يدعون الاجتهاد، كليا أو جزئيا، وسيكثرون بعد شئنا أم أبينا، اعترفنا بهم أم لم نعترف، بل ربما كان صوت الأدعياء أعلى من صوت المؤهلين بحق للاجتهاد.
لهذا كان الأولى أن نحدد الاتجاه الصحيح الذي نؤيده، ونرحب به من بين اتجاهات الاجتهاد المعاصر، ومدارسه، نضع له المنهج القويم الذي يحكمه، ونوضح المعالم والضوابط التي تنظم سيره، وتحدد غايته وتضبط طريقه، فلا يغلو مع الغالين، ولا يقصر مع المقصرين. بل يحرص على المنهج الوسط للأمة الوسط.
ومن ثم يحسن بنا أن نلقي شعاعا من الضوء على اتجاهات الاجتهاد المعاصرة لنتبين من عرضها الاتجاه الذي نقبله وندعو إليه، ونرفض ما سواه.

اتجاهات الاجتهاد المعاصر ومدارسه

اتجاه التضييق والتشديد

اتجاه الغلو في التوسع

الاتجاه المتوازن أو مدرسة الوسط
وإذا نظرنا إلى اتجاهات الاجتهاد، يمكننا أن نقول: أن هناك ثلاثة اتجاهات أساسية بهذا الاعتبار:
اتجاه التضييق والتشديد
اتجاه التضييق والتشديد، وهذا يمثله مدرستان:
الأولى: المدرسة المذهبية
المدرسة المذهبية التي لا تزال تؤمن بوجوب اتباع مذهب معين لا يجوز الخروج عنه، ويجب الاجتهاد للمسائل الجديدة في إطاره، وتخريجا على أقوال علمائه، وبخاصة المتأخرين منهم، مثل شراح الهداية، والكنز، والتنوير من الحنفية، وشراح خليل والرسالة من المالكية، وشراح المنهاج، وأبي شجاع من الشافعية، وشراح الإقناع والمنتهى من الحنابلة.
وهؤلاء إذا سئلوا عن معاملة جديدة لابد أن يبحثوا لها عن نظير في كتب المذهب، أو المذاهب المتبوعة، فإذا لم يجدوا لها نظير أفتوا بمنعها، كأن الأصل في المعاملات الحظر، إلا ما أفتى السابقون بإباحته!
الثانية: الظاهرية الحديثة
المدرسة النصية الحرفية، وهم الذين أسميتهم “الظاهرية الجدد”. وجلهم ممن اشتغلوا بالحديث، ولم يتمرسوا بالفقه وأصوله، ولم يعللوا على اختلاف الفقهاء ومداركهم في الاستنباط، ولا يكادون يهتمون بمقاصد الشريعة وتعليل الأحكام، ورعاية المصالح، وتغير الفتوى بتغير الزمان، والمكان، والحال.
ولهذا نجد هؤلاء يحرمون كل أنواع “التصوير” مثلا، حتى الفوتوغرافي والسينمائي والتلفزيوني، أخذا بظاهر الأحاديث التي وردت في لعن المصورين، وتكليفهم يوم القيامة أن ينفخوا فيها الروح، وإن لم يكن في هذا التصوير مضاهاة لخلق الله، ـ الذي علل به التحريم في بعض الأحاديث إذ هو خلق الله نفسه!
ونجدهم أو نجد منهم من يحرمون “الذهب المحلق” على النساء أخذا بظاهر أحاديث وردت، لم تسلم من طعن، ولو سلمت لكانت مؤولة أو منسوخة بالإجماع الذي نقله غير واحد من العلماء على إباحة الذهب للنساء، والذي يؤيده حديث “هذا (يعني الذهب والفضة) حرام على ذكور أمتي، حل لإناثها”.
ونجد منهم من لا يرون زكاة في عروض التجارة، وإن بلغت قيمتها الملايين لأنهم لم يصح عندهم حديث خاص في وجوب زكاتها غافلين عن النصوص العامة التي أوجبت في كل مال حقا أو زكاة، دون أن تفصل بين مال ومال، وغافلين عن حكمة تشريع الزكاة، وهي تزكية أنفس الأغنياء وتطهير أموالهم، ورعاية ذوي الحاجات، والإسهام في تحقيق مصلحة الدين والأمة.
بل نجد من هؤلاء من يرى أن النقود الشرعية هي الذهب والفضة، التي وردت فيها الأحاديث، فأما النقود الورقية فلا تعتبر نقودا شرعا، وعلى هذا لا يجري فيها الربا، ولا تجب فيها الزكاة!

اتجاه الغلو في التوسع
الاتجاه المبالغ في التوسع، ولو على حساب النصوص المحكمة والأحكام الثابتة، ويمثل هذا الاتجاه مدرستان أيضا:
الأولى: المدرسة الطوفية
مدرسة إعلاء “المصلحة” على “النص” وهي التي يمكن أن نسميها المدرسة “الطوفية” نسبة إلى نجم الدين الطوفي (ت716هـ) صاحب الرأي المشهور في تقديم المصلحة على النص إذا تعارضا.
ولهذه المدرسة شبهات تستند إليها، يظهرونها، في مظهر الحجج ولكنها لا تقف على قدمين، ولا تثبت أمام النقد العلمي الصحيح.
ومن أبرز ذلك: استنادهم إلى بعض اجتهادات عمر رضي الله عنه في مثل سهم “المؤلفة قلوبهم” وقسمة سواد العراق. وغيرهما.
والتحقيق يثبت أن هذه الاجتهادات لا تخالف النصوص أبدا، كما هو مبين في موضعه، ولا يتسع له المقام هنا.
وكثيرا ما يكون هؤلاء “المصلحيون” من غير ذوي الاختصاص في الدراسات الشرعية من رجال القانون أو التاريخ أو الأدب أو الفلسفة أو نحوهم.
الثانية: مدرسة تبرير الواقع
مدرسة “التبرير” للواقع، سواء كان الواقع الذي يريده العامة أم الواقع الذي يريده السلطان.
وهذا الواقع لم يصنعه الإسلام ، وإنما صنع في غيبة الإسلام عن قيادة الحياة تشريعا وتوجيها، تحت تأثير الغزو الأجنبي بكل ألوانه المادية والأدبية.
ومهمة أصحاب هذه المدرسة إضفاء الشرعية على هذا الواقع، بالتماس تخريجات وتأويلات شرعية تعطيه سندا للبقاء.
وقد يكون مهمتهم تبرير، أو تمرير ما يراد إخراجه للناس من قوانين أو قرارات أو إجراءات تريدها السلطة.
ومن هؤلاء من يفعل ذلك مخلصا مقتنعا، لا يبتغي زلفى إلى أحد، ولا مكافأة من ذي سلطان، ولكنه واقع تحت تأثير الهزيمة النفسية أمام حضارة الغرب، وفلسفاته، ومسلماته.
ومنهم من يفعل ذلك، رغبة في دنيا يملكها أصحاب السلطة أو من وراءهم من الذين يحركون الأزرار من وراء ستار، أو حبا للظهور والشهرة، على طريقة: خالف تعرف.
إلى غير ذلك من عوامل الرغب والرهب أو الخوف والطمع، التي تحرك كثيرا من البشر، وإن حملوا ألقاب أهل العلم، أو لبسوا لبوس أهل الدين.
على أن من أخطأ والخطر هنا أن ندخل تحت عنوان “التبرير” كل اجتهاد ييسر على الناس أمر دينهم أو دنياهم، وإن كان مبنيا على قواعد سليمة واستدلال صحيح. فلنحذر هنا من خلط الأمور ولنضع كل شيء في موضعه.

الاتجاه المتوازن أو مدرسة الوسط
والاتجاه الثالث هو اتجاه مدرسة “الوسط” أو الاتجاه المتوازن أو المعتدل، الذي يجمع بين اتباع النصوص رعاية المقاصد الشرعية، فلا يعارض الكلي بالجزئي، ولا القطعي بالظني، ويراعي مصالح البشر، بشرط ألا تعارض نصا صحيح الثبوت، صريح الدلالة، ولا قاعدة شرعية مجمعا عليها، فهو يجمع بين محكمات الشرع ومقتضيات العصر.
وهذا الاتجاه هو الاتجاه السليم الذي تحتاج إليه أمتنا، وهو الذي يمثل بحق وسطية الإسلام بين الأديان، ووسطية أمته بين الأمم (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) [سورة البقرة:143] ووسطية أهل السنة والفرقة الناجية بين الفرق المختلفة التي مال بها الغلو أو التفريط عن “الصراط المستقيم”.
وهذا هو اتجاه أهل العلم والورع والاعتدال، وهي الصفات اللازمة لمن يتعرض للفتوى والتحدث، باسم الشرع، وخصوصا في هذا العصر.
فالعلم هو العاصم من الحكم بالجهل.
والورع هو العاصم من الحكم بالهوى.
والاعتدال هو العاصم من الغلو والتفريط.
وهذا الاتجاه هو الذي يجب أن يسود، وهو الاجتهاد الشرعي الصحيح وهو الذي دعا إليه المصلحون الغيورون.

معالم وضوابط لابد منها

لا اجتهاد بغير استفراغ

الوصل بين الفقه والحديث

لا محل للاجتهاد في المسائل القطعية

الحذر من الوقوع تحت ضغط الواقع

لا يجوز أن نجعل الظنيات قطعيات

الترحيب بالجديد النافع

ألا نغفل روح العصر وحاجاته

الانتقال إلى الاجتهاد الجماعي

لنفسح صدرونا لخطأ المجتهد

ومن هنا يجب أن ندعو إلى الاجتهاد غير متهيبين ولا وجلين، على أن يمضي مستقيما ولا يرتد القهقرى، ولا ينحرف إلى اليمين أو الشمال.
وهذه بعض المعالم والضوابط الأساسية للاجتهاد المعاصر:
أولا: لا اجتهاد بغير استفراغ
يجب أن نذكر أن الاجتهاد ـ كما عرفه الأصوليون ـ هو استفراغ الفقيه وسعه في نيل الأحكام الشرعية بطريق الاستنباط.
فلا اجتهاد إلا بعد “استفراغ الوسع” ومعناه: بذل أقصى الجهد في تتبع الأدلة، والبحث عنها في مظانها، وبيان منزلتها والموازنة بينها إذا تعارضت، بالاستفادة مما وضعه أهل الأصول من قواعد التعادل والترجيح، حتى اشترط بعض الأصوليين في تعريف الاجتهاد أن يحس بالعجز عن مزيد طلب، أي بلغ الغاية في البحث، ولم يعد عنده أي احتمال للزيادة.
وإذن، لا يكون من الاجتهاد المعتبر شرعا: ما يفتى به المتسرعون الذين اجترءوا على اقتحام حمى الفتوى لجراءتهم على النار! حتى أنهم ليفتون بما ينفيه صريح القرآن. أو يكذبه صحيح الحديث، أو يخالفه إجماع المسلمين.

ثانيا: لا محل للاجتهاد في المسائل القطعية
يجب أن نذكر أن مجال الاجتهاد في الأحكام الظنية الدليل، أما ما كان دليله قطعيا فلا سبيل إلى الاجتهاد فيه، وإنما تأتي ظنية الدليل من جهة ثبوته أو من جهة دلالته أو من جهتهما معا.
فلا يجوز إذن فتح باب الاجتهاد في حكم ثبوت بدلالة القرآن القاطعة مثل فرضية الصيام على الأمة، أو تحريم الخمر، أو لحم الخنزير، أو أكل الربا، أو إيجاب قطع يد السارق، إذا انتفت الشبهات، واستوفت الشروط، ومثل توزيع تركة الأب الميت بين أولاده، للذكر مثل حظ الأنثيين، ونحو ذلك من أحكام القرآن والسنة اليقينية، التي أجمعت عليها الأمة، وأصبحت معلومة من الدين بالضرورة، وصارت هي عماد الوحدة الفكرية والسلوكية للأمة.
ومقتضى هذا ألا ننساق وراء المتلاعبين الذين يريدون تحويل محكمات النصوص إلى متشابهات، وقطعيات الأحكام إلى ظنيات، قابلة للأخذ والرد والإرخاء والشد، فإن الأصل في هذه المحكمات أن ترد إليها المتشابهات، وفي القطعيات أن ترجع إليها المحتملات، فتكون هي الحكم عند التنازع والمقياس عند الاختلاف، فإذا أصبحت هي الأخرى، موضع خلاف ومحل تنازع، لم يعد ثمة مرجع يعول عليه، ولا معيار يحتكم إليه.

ثالثا: لا يجوز أن نجعل الظنيات قطعيات
يجب أن تظل مراتب الأحكام كما جاءتنا، القطعي يجب أن يظل قطعيا والظني يجب أن يستمر ظنيا، فكما لم نجز تحويل القطعي إلى ظني، لا نجيز أيضا تحويل ظني إلى قطعي، وندعي الإجماع فيما ثبت فيه الخلاف، مع أن حجية الإجماع ذاته ليست موضع إجماع!
فلا يجوز أن نشهر هذا السيف ـ سيف الإجماع المزعوم ـ في وجه كل مجتهد في قضية، ملوحين به ومهددين، مع ما ورد عن الإمام أحمد أنه قال: “من ادعى الإجماع فقد كذب، وما يدريه! لعل الناس اختلفوا وهو لا يعلم!”.
وإذا كان في مخالفة الإجماع ذاته كلام، فكيف بمخالفة المذاهب الأربعة، التي يشنع بها كثيرون اليوم، كما شنعوا بها على شيخ الإسلام ابن تيمية من قبل؟ مع أن أحدا من علماء المذاهب الأربعة لم يقل: إن اتفاقها حجة شرعية، ولو قالوه لم يعتبر قولهم، لأنهم خالفوا في أئمتهم من ناحية، ولأنهم مقلدون من ناحية أخرى، والمقلد لا يقلد، أما أئمة المذاهب أنفسهم فقد حذروا من تقليدهم، ولم يدعوا لأنفسهم العصمة.
وقد عاب علي بعض الكاتبين المتعجلين يوما ما ذكرته في بعض كتبي من خلاف فقهاء السلف في بعض القضايا المهمة، كالخلاف في نكاح المتعة، أو في وقوع الطلاق البدعي ـ الطلاق في الحيض وفي طهرها فيه ـ واللعب بالنرد من غير قمار ونحوها، يريدون مني أن ألغي هذا الخلاف ولا أعتبره ولا أذكره، وإن لم أرجحه، وهذا ليس من الأمانة العلمية، ولا من المصلحة العملية في شيء.

رابعا: الوصل بين الفقه والحديث
يجب أن نمد جسرا واصلا بين الفقه والحديث، وأن تزول الفجوة القائمة بين المدرستين: المدرسة الفقهية والمدرسة الحديثية.
فالمشاهد أن أغلب المشتغلين بالحديث لا يهتمون كثيرا بالدراسات الفقهية والأصولية، ولا يوجهون همتهم إلى علل الأحكام، وقواعد الشريعة ومقاصدها، وهي التربة اللازمة لنمو بذرة الاجتهاد، وبلوغها غايتها، وخصوصا ما يتعلق باختلاف الفقهاء وتنوع مشاربهم، وتعدد منازعهم في الاستنباط والاستدلال وأهميتها في تكوين ملكة الاجتهاد، حتى جاء عن أكثر من واحد من علماء السلف: من لم يعرف اختلاف الفقهاء لم يشم رائحة الفقه!
وفي مقابل هؤلاء نجد لدى أغلب المشتغلين بالفقه وأصوله ودراساته ضعفا ظاهرا في الحديث وعلومه ورجاله، حتى أنهم ليستدلون أحيانا بالأحاديث الواهية أو التي لا أصل لها، وقد يردون بعض الأحاديث وهي صحيحة متفق عليها.
والشكوى من الانفصال بين الفقه والحديث شكوى قديمة، والشعور بالحاجة إلى الجمع بينهما له جذور أصيلة قديمة في تراثنا.
قالوا:
كان سفيان الثوري، وابن عيينة وعبدالله بن سنان يقولون: لو كان أحدنا قاضيا لضربنا بالجريد فقيها لا يتعلم الحديث، ومحدثا لا يتعلم الفقه.

خامسا: الحذر من الوقوع تحت ضغط الواقع
ينبغي أن نحذر من الوقوع تحت ضغط الواقع القائم في مجتمعاتنا المعاصرة وهو واقع لم يصنعه الإسلام بعقيدته وشريعته وأخلاقه، ولم يصنعه المسلمون بإرادتهم وعقولهم وأيديهم، إنما هو واقع صنع لهم، وفرض عليهم، في زمن غفلة وضعف وتفكك منهم، وزمن قوة ويقظة وتمكن من عدوهم المستعمر، فلم يملكوا أيامها أن يغيروه أو يتخلصوا منه، ثم ورثه الأبناء من الآباء والأحفاد من الأجداد، وبقي الأمر كما كان.
فليس معنى الاجتهاد أن نحاول تبرير هذا الواقع على ما به، وجر النصوص من تلابيبها لتأيده، وافتعال الفتاوى لإضفاء الشرعية على وجوده، والاعتراف بنسبه مع أنه دعي زنيم.
إن الله جعلنا أمة وسطا لنكون شهداء على الناس، ولم يرض لنا أن نكون ذليلا لغيرنا من الأمم، فلا يسوغ لنا أن نلغي تميزنا ونتبع سنن من قبلنا شبرا بشبر وذراعا بذراع، وأدهى من ذلك أن نحاول تبرير هذا وتجويزه بأسانيد شرعية، أي أننا نحاول الخروج على الشرع بمستندات من الشرع! وهذا غير مقبول.

سادسا: الترحيب بالجديد النافع
لا ينبغي أن نجعل أكبر همنا مقاومة كل جديد، وإن كان نافعا، ولا مطاردة كل غريب وإن كان صالحا، وإنما يجب أن نفرق بين ما يحسن اقتباسه وما لا يحسن، وما يجب مقاومته وما لا يجب، وأن نميز بين ما يلزم فيه الثبات والتشدد، وما تقبل فيه المرونة والتطور.
ومعنى هذا أن نميز بين الأصول والفروع، بين الكليات والجزئيات، بين الغايات والوسائل، ففي الأولى نكون في صلابة الحديد، وفي الثانية نكون في ليونة الحرير، كما قال إقبال رحمه الله: “مرحبين بكل جديد نافع، محتفظين بكل قديم صالح”.
ومن هنا يجوز لنا أن نقتبس من أنظمة الشرق أو الغرب، ما لا يخالف عقيدتنا وشريعتنا، مما يحقق المصلحة لمجتمعاتنا، على أن نصبغه بصبغتنا، ونضفي عليه من روحنا، حتى يغدو جزءا من نظامنا، ويفقد جنسيته الأولى، كما رأينا ذلك فيما اقتبسه المسلمون في العصور الذهبية من الأمم الأخرى.

سابعا: ألا نغفل روح العصر وحاجاته
ألا ننسى أننا في القرن الخامس عشر الهجري، لا في القرن العاشر، ولا ما قبله، وأن لنا حاجاتنا ومشكلاتنا التي لم تعرض لمن قبلنا من سلف الأمة وخلفها، وأننا مطالبون بأن نجتهد لأنفسنا، لا أن يجتهد لنا قوم ماتوا قبلنا بعدة قرون، ولو أنهم عاشوا عصرنا اليوم، وعانوا ما عانينا، لرجعوا عن كثير من أقوالهم، وغيروا كثيرا من اجتهاداتهم، لأنها قيلت لزمانهم، وليس لزماننا.
وقد رأينا أصحاب الأئمة وتلاميذهم يخالفونهم بعد موتهم ـ وهم متبعون لأصولهم ـ لتغير العصر اللاحق عن العصر السابق، رغم قرب المدة، وقصر الزمان.
بل رأينا إماما كالشافعي يغير اجتهاده في عصرين قريبين، قبل أن يستقر في مصر، وبعد أن استقر في مصر، وعرف تاريخ الفقه مذهبه القديم، ومذهبه الجديد، وأصبح معروفا في كتب المذهب: قال الشافعي في القديم وقال الشافعي في الجديد.
فكيف بعصرنا، وقد تغير فيه كل شيء، بعد عصر الانقلاب الصناعي، ثم عصر التقدم التكنولوجي، عصر غزو الكواكب و”الكمبيوتر” وثورة البيولوجيا التي تكاد تغير مستقبل الإنسان؟!!
فعلينا ونحن نجتهد أن نعترف بما طرأ على حياتنا من تغيرات في الأفكار والأعراف والعلاقات والسلوك، وأن نقدر ظروف العصر وضروراته، وما عمت به البلوى، وأن نطبق على الواقع ما قرره علماؤنا من تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والعرف والحال.
ورحم الله ابن أبي زيد القرواني صاحب “الرسالة” المشهورة في الفقه المالكي، حيث كان يسكن في أطراف المدينة، فاتخذ كلبا للحراسة فقيل له: كيف تفعل ذلك ومالك يكرهه؟ فقال: لو كان مالك في زماننا لاتخذ أسدا ضاريا!

ثامنا: الانتقال إلى الاجتهاد الجماعي
ينبغي في القضايا الجديدة أن ننتقل من الاجتهاد الفردي إلى الاجتهاد الجماعي، الذي يتشاور فيه أهل العلم في القضايا المطروحة، وخصوصا فيما يكون له طابع العموم، ويهم جمهور الناس.
فرأى الجماعة أقرب إلى الصواب من رأي الفرد، مهما علا كعبه في العلم، فقد يلمح شخص جانبا في الموضوع لا ينتبه له آخر، وقد يحفظ شخص ما يغيب عن غيره، وقد تبرز المناقشة نقاطا كانت خافية، أو تجلي أمورا كانت غامضة، أو تذكر بأشياء كانت منسية. وهذه من بركات الشورى، ومن ثمار العمل الجماعي دائما: عمل الفريق، أو عمل المؤسسة، بدل عمل الأفراد.
وقد روى الطبراني في الأوسط عن علي بن أبي طالب قال: قلت: “يا رسول الله إن عرض لي أمر لم ينزل فيه قضاء في أمره، ولا سنة، كيف تأمرني؟ قال: تجعلونه شورى بين أهل الفقه والعابدين من المؤمنين، ولا تقض فيه برأيك خاصة”. وهذا هو الاجتهاد الجماعي.
وكانت هذه هي طريقة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، كما روى ذلك الدارمي والبيهقي عن ميمون بن مهران فكان أبو بكر إذا لم يجد في القضية كتابا ولا سنة، دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به.
وكان عمر إذا لم يجد في القضية كتابا ولا سنة، ولا قضاء من أبي بكر، دعا رؤوس المسلمين وعلمائهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به.
وروى الدارمي عن المسيب بن رافع قال: “كانوا إذا نزلت بهم قضية ليس فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر، اجتمعوا لها وأجمعوا، فالحق فيما رأوا”.
وكثير من الإجماعات المحكية في الفقه مصدرها هذا الاجتهاد الجماعي الشورى في عهد الشيخين رضي الله عنهما.
وهذا الاجتهاد الجماعي المنشود يتمثل في صورة مجمع علمي إسلامي عالمي يضم الكفايات العليا من فقهاء المسلمين في العالم، دون نظر إلى إقليمية أو مذهبية، أو جنسية، فإنما يرشح الشخص لعضوية هذا المجمع فقهه وروعه، لا ولاءه لهذه الحكومة أو ذاك النظام، أو قرابته أو قربه من الحاكم أو الزعيم.
يجب أن يتوافر لهذا المجمع كل أسباب الحرية، حتى يبدي رأيه بصراحة، ويصدر قراره بشجاعة، بلا ضغط ولا إرهاب من الحكومات أو من قوى الضغط في المجتمع. يجب أن يتحرر من الضغوط السياسية والاجتماعية معا.
والحق أنه لا حرية لمجمع تعين أعضاءه حكومة إقليمية، على أرضها يقوم المجمع، ومن مالها ينفق عليه، أو على الأقل لا ضمان لهذه الحرية.
فالحكومة عادة لا تختار إلا من يواليها، ولا تنفق على مؤسسة لا تدور في فلكها.
ولهذا يكون من الخير أن يجتمع علماء المسلمين، أو صفوتهم من كل أقطار العالم في صورة مؤتمر كبير، يحدد زمانه ومكانه، ليختاروا هم من بينهم من يرونه أحسن فقها، وأقوم خلقا، ليتكون منهم المجمع العلمي الذي ننشده.
وإذا اتفق علماء هذا المجمع على رأي في مسألة من المسائل الاجتهادية اعتبر هذا “إجماعا” من مجتهدي العصر، له حجيته وإلزامه في الفتوى والتشريع.
وإذا اختلفوا كان رأي الأكثرية هو الأرجح، ما لم يوجد مرجح آخر له اعتبار شرعا.
على أن هذا الاجتهاد الجماعي لا يقضي على اجتهاد الأفراد ولا يغني عنه. ذلك أن الذي ينير الطريق للاجتهاد الجماعي هو البحوث الأصيلة المخدومة التي يقدمها أفراد المجتهدين، لتناقش مناقشة جماعية ويصدر فيها بعد البحث والحوار قرار المجمع المذكور بالإجماع أو الأغلبية.
وإذا لم يوجد هذا النوع من البحوث الاجتهادية الفردية، ف الجماعي هو البحوث الأصيلة المخدومة التي يقدمها أفراد المجتهدين، لتناقش مناقشة جماعية ويصدر فيها بعد البحث والحوار قرار المجمع المذكور بالإجماع أو الأغلبية.
وإذا لم يوجد هذا النوع من البحوث الاجتهادية الفردية، فإن القرارات الجماعية كثيرا ما توجد فيها ثغرات تجعلها عرضة للنقد والتشكيك.
وسيظل حق الأفراد في الاجتهاد قائما على كل حال، بل إن عملية الاجتهاد في ذاتها عملة فردية في الأساس، وإنما الاجتهاد الجماعي هو التشاور فيما وصل إليه أفراد المجتهدين، كما رأينا.

تاسعا: لنفسح صدورنا لخطأ المجتهد
ولابد لنا ـ لكي ينجح الاجتهاد ـ أن نتوقع الخطأ من المجتهد، إذ لا عصمة لغير نبي، وأن نفسح له صدورنا، وألا نشدد النكير على من أخطأ في اجتهاده، ونتهمه بالزيغ والمروق وما إلى ذلك من النعوت، فإن شيوع هذا الأسلوب يقتل روح الاجتهاد، ويخيف كل ذي اجتهاد حر من إعلان رأيه، خشية أن تصب عليه سياط التشنيع، وتصوب إلى صدره سهام الاتهام، وبذلك تختنق الآراء الاجتهادية الحرة في صدور أصحابها، ويسود جو الخوف من التجديد، والرهبة من مخالفة المألوف، وفي هذا خسارة كبيرة على الفقه وعلى الفكر، وعلى الأمة جميعا.
لابد أن تتسع صدورنا لأخطاء المجتهدين، كما اتسعت صدور الأولين، فالمجتهد بشر يفكر ويستنبط ويخطئ ويصيب، ولن يكون مجتهدو اليوم أفضل من مجتهدي الأمس، وقد وسع بعضهم بعضا فيما رأوا أنه أخطأ فيه. وهكذا ينبغي أن يكون موقفنا من المجتهد إذا افترضنا أنه أخطأ، وتبين لنا خطؤه بيقين. وذلك منوط بشرطين:
أ. أن يملك أدوات الاجتهاد ـ وهي معروفة مذكورة في أصول الفقه ـ فليس كل من اشتغل بالفقه أو ألف فيه أو حفظ مجموعة من الأحاديث يعد مجتهدا.
ب. أن يكون عدلا مرضي السيرة. وهو ما يطلب في قبول الشاهد في معاملات الناس، فكيف بقبول من يفتى باجتهاده في شريعة الله؟
فهذا إن أخطأ فهو معذور، بل مأجور أجرا واحدا على اجتهاده وتحريه، ومن يدري لعل الرأي الذي يظنه الأكثرون اليوم خطأ هو الصواب بعينه كما يدل على ذلك تاريخ الاجتهاد وتغير الفتوى.
أما أدعياء الاجتهاد، الذين لا يملكون إلا الجراءة على النصوص والاستهانة بالأصول، وإتيان البيوت من غير أبوابها، فهؤلاء يجب أن يرفضوا، حفاظا على قداسة الدين، وحرمة الشريعة، أن تتخذ سلما للشهرة، أو مطية للوصول إلى دنيا ظاهرة، أو إشباع شهوة خفية، أو أداة لتأييد سلطان جائر، أو لتبرير سلوك منحرف، أو فكر مستورد.
تلك هي المعالم والضوابط الضرورية في نظرنا، التي ينبغي أن يراعيها الاجتهاد في عصرنا الحافل بشتى التيارات والمؤثرات سواء كان اجتهاد ترجيح وانتقاء، أم اجتهاد إبداع وإنشاء.
وفي ضوء هذه المعالم، وفي إطار تلك الضوابط تستطيع مسيرة الاجتهاد المعاصر ـ وهو فريضة وضرورة ـ أن تمضي إلى الأمام قدما مسددة الخطا، موثقة العرا، مأمونة العثرات، مرجوة الثمرات، دون أغلال تعوقها عن الحركة، ولا ضغوط أو جواذب تميل بها إلى اليمين أو تنحرف بها إلى اليسار فقد اتضحت الغاية، واستبان النهج (ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم) [سورة آل عمران:101].





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق