الغلو في اعتبار المصلحة ولو على حساب النص

الاجتهاد

الغلو في اعتبار المصلحة ولو على حساب النص

مقدمة

إلغاء الرخص المشروعة لعدم الحاجة إليها فيما زعموا

حيث يوجد شرع الله فثم المصلحة

تحريم الزواج بأكثر من واحدة

المصالح التي عورضت بها النصوص موهومة

الشريعة لا تبيح ما فيه مفسدة راجحة

مصلحة إباحة الربا

حق ولي الأمر في منع المباحات

نقل صلاة الجمعة إلى يوم الأحد للمصلحة المزعومة

التسوية بين البنت والابن في الميراث بدعوى المصلحة

كلام مرفوض من ألفه إلى يائه

مقدمة
وقبل أن نتحدث عن هذا المزلق الذي سقط فيه كثيرون ممن أقحموا أنفسهم في ميدان الاجتهاد، لابد أن نقول كلمة عن المصلحة في نظر الشريعة.
إن أفضل عنوان لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم أنها رحمة للعالمين كما وصفها القرآن، وما وصف صاحبها به نفسه بقوله: “إنما أنا رحمة مهداة”.
وخير ما يعبر عن سمات هذه الرسالة ما وصف الله به صاحبها المبعوث بها في كتب أهل الكتاب أنه: (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم، والأغلال التي كانت عليهم) [سورة الأعراف:157].
وخير ما يوصف به كتابها: أنه (يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين) [سورة الإسراء:9]. (وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين) [سورة يونس:57] (تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) [سورة النحل:89].
ومن هنا اشتملت هذه الشريعة على كل ما فيه خير الناس، ومصلحتهم في دنياهم وآخرتهم، وعلى كل ما يدرأ الشر والفساد عنهم أفرادا وجماعات، في معاشهم ومعادهم.
وإذا تعارضت المصالح والمفاسد كما هو الشأن في جل أمور الحياة، فإن الشريعة ترجح أعلى المصحلتين، وتختار أخف الضررين، وتقدم درء المفسدة على جلب المصلحة، ولا تبالي بمنفعة صغيرة وراءها مضرة كبيرة، كما رأينا ذلك في تحريم الخمر، لما وراءها من ضرر كبير على العقول والأجسام والأعراض والأخلاق والأموال، برغم ما فيها من منافع اقتصادية لبعض الناس، وهو ما أشار إليه القرآن بقوله: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما) [سورة البقرة: 219].
الذي لا ريب فيه أن ما نصت عليه الشريعة من أحكام، أحل الله بها الحلال وحرم الحرام، وفرض الفرائض، وحد الحدود، هو المصلحة التي لا ينازع فيها مسلم، وإن خفى عليه وجهها، ولكنها ليست مصلحة فرد أو طبقة أو جنس، ولا المصلحة المادية الدنيوية العاجلة فقط، إنها مصلحة نوع الإنسان في مادياته ومعنوياته، في أفراده وجماعاته، في دنياه وآخرته.
وقد شرع له ذلك من هو أعلم بمصلحته منه، ومن هو أرحم به من والديه وأبر به من نفسه: الله جل شأنه (والله يعلم المفسد من المصلح) [سورة البقرة:220] (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) [سورة الملك:14]، (إن الله بالناس لرءوف رحيم) [سورة البقرة:143].
ولهذا لا يتصور أن يكون في الشريعة المقطوع بها حكم يضاد مصالح الخلق، أو يكون مجلبة للإضرار بهم، كيف وقد نصت على أن “لا ضرر ولا ضرار” وأصبح ذلك من قواعدها القطعية، التي تبنى عليها الأحكام، وتتفرع الفروع.
وفي هذا يقول الإمام ابن القيم:
“إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها”.

حيث يوجد شرع الله فثم المصلحة
ومن هنا نقول مطمئنين اطمئنانا مبعثه اليقين بربانية هذه الشريعة أولا، واستقراء أحكامها الثابتة ثانيا: حيثما وجد شرع الله فثم المصلحة.
أما العبارة التي تتردد على كثير من الألسنة والأقلام اليوم، والتي تقول: “حيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله” فلا تؤخذ على إطلاقها، وإنما تقبل فيما لم يحكم فيه نص صحيح صريح.
وهذا هو مجال المصلحة التي عرفت لدى الأصوليين بـ “المصلحة المرسلة” وهي التي لم يرد نص شرعي خاص باعتبارها ولا بإلغائها.
وقد دل استقراء علل الأحكام المنصوص عليها والمستنبطة كما دل عمل الخلفاء الراشدين والصحابة رضي الله عنهم على صحة مذهب الذين احتجوا بهذه المصلحة واستندوا إليها.
يقول العلامة القرافي:
ومما يؤكد العمل بالمصلحة المرسلة: أن الصحابة رضوان الله عليهم ـ عملوا أمورا لمطلق المصلحة، لا لتقدم شاهد بالاعتبار، نحو كتابة المصحف ولم يتقدم فيه أمر ولا نظير.
وكذلك ترك الخلافة شورى، وتدوين الدواوين، وعمل السكة “النقود” للمسلمين، واتخاذ السجن، فعل ذلك عمر رضي الله عنه.
وهذه الأوقاف التي بإزاء مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتوسعة بها في المسجد عند ضيقه، فعله عثمان رضي الله عنه.
وتجديد الأذان في الجمعة بالسوق، وهو الأذان الأول فعله عثمان رضي الله عنه، وذلك كثير جدا لمطلق المصلحة.
وقد اشترط للعمل بهذه المصلحة شروطا، أولها وأهمها: ألا تعارض نصا محكما، ولا قاعدة قطعية، وإلا كانت مهدرة ملغاة.
ومن هنا تكون المصلحة المصادمة للنصوص القرآنية، أو النبوية، مصلحة ملغاة ومهدرة، لأن النص هو الواجب الاتباع، وهو المتعبد به، كما قال تعالى: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء) [سورة الأعراف:3] (وإن تطيعوه تهتدوا) [سورة النور:54] (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) [سورة النور:63].
والواقع أن المصلحة المصادمة للنصوص، لا تكون ـ عند التأمل العميق، والتحليل الدقيق ـ مصلحة حقيقية، بل هي مصلحة موهومة، زينها لصاحبها القصور، أو الغفلة أو الهوى، أو التقليد للآخرين.
وقد ذكر الأصوليون مثالا للمصلحة التي ألغاها النص: ما أفتى به القاضي يحيى بن يحيى الليثي لأحد أمراء الأندلس حين جامع أهله في نهار رمضان، وكان المعروف أن يقول له: كفارتك تحرير رقبة، كما صح بذلك الحديث. ولكنه ألزمه بصيام شهرين متتابعين ولم يجز له العتق، بناء على أنه يستطيع أن يجامع كل يوم ويعتق عنه رقبة، فكان الصوم ردعا له في نظره، لا يغني عنه عتق ولا إطعام.
وهنا نقول: إن الفقيه نظر إلى مصلحة الردع للأمير، وغفل عن مصلحة أخرى أهم وأكبر، وهي مصلحة الرقاب التي تحرر وتعتق، وتخرج من الرق ـ الذي اعتبره الشرع بمثابة الموت ـ إلى الحرية التي هي بمثابة الحياة، ولهذا اعتبر القرآن والسنة “فك الرقبة” من أعظم القربات عند الله.
وهكذا كل المصالح المصادمة للنصوص لا تكون مصالح إلا في وهم دعاتها (قل أأنتم أعلم أم الله) [سورة البقرة:140] (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) [سورة النور:19].

المصالح التي عورضت بها النصوص مصالح موهومة
ومن ثم كان من مزالق الاجتهاد المعاصر: الغلو في اعتبار المصلحة، إلى حد تقويمها على محكمات النصوص أحيانا، وهذا ما جعل هؤلاء يحيون ذكر نجم الدين الطوفي الذي بالغ في تقدير المصلحة حتى قدمها على النص والإجماع، وخالف في هذا كل من أخذ بالمصلحة من قبله ممن اعتبرها أصلا ودليلا، من المالكية ومن وافقهم، فهم لم يعتبروها إلا بشرط عدم معارضتها للنصوص والقواعد كما أشرنا، ومن ثم سموها “المصلحة المرسلة” أي المرسلة عن اعتبار الشارع لها أو إلغائه إياها.
وإن الدارس الذي يتأمل في المصالح التي اعتبرتها بعض الاجتهادات المعاصرة المتعجلة، وتركت من أجلها النصوص، يجدها عند التحقيق مصالح وهمية لا حقيقية.

مصلحة إباحة الربا
ومن ذلك المصلحة التي أراد بعضهم يوما أن يحللوا بها الربا، وهو من الموبقات السبع، والذي أذن القرآن مرتكبه بحرب من الله ورسوله.
فقد زعموا أن الاقتصاد عصب الحياة، والبنوك عصب الاقتصاد، والفوائد الربوية عصب البنوك، وهذا يوجب علينا أن نجتهد في تسويغ الفوائد بطريقة أو بأخرى، وهذا ما سقط فيه بعض الناس على اختلاف طرائقهم.
فمنهم من لجأ إلى النصوص يقسرها قسرا على ما يريد من تفسير، متعسفا في الفهم والتأويل بغير حجة ولا بينة، كالذين استبدلوا بقوله تعالى: (لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة) [سورة آل عمران:130]، بأن الربا القليل الذي لا يبلغ أن يكون أضعافا مضاعفة لا يدخل دائرة التحريم.
وقد رد على هؤلاء شيخنا العلامة المرحوم الدكتور/ محمد عبدالله دراز في بحثه عن “الربا” الذي قدمه لمؤتمر باريس سنة 1951م.
ومنهم من قال: إن الربا الذي حرمه القرآن الكريم، وتوعد عليه بأشد الوعيد إنما هو ربا الجاهلية، وهو مخالف لربا هذا العصر.
والصواب هنا ما قاله العلامة الشيخ أبو زهرة رحمه الله: “إن ربا القرآن هو كل زيادة في الدين في نظير الأجل”. وهذا هو الربا الذي لا يشك فيه، كما قال الإمام أحمد، لأنه حرام بصريح نص القرآن: (وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) [سورة البقرة:279].
ومنهم من فرق بين ربا الاستهلاك وربا الإنتاج، فالمحرم في نظرهم هو الفائدة التي تؤخذ على دين كان للاستهلاك في الحاجات الشخصية كالمأكل والملبس، وليس ما أخذ للاستغلال والإنتاج ونحو ذلك.
والحق أن النصوص المحرمة عامة تشمل النوعين جميعا، ولم تفرق بينهما، وربا الجاهلية الذي عرفه أهل مكة كان أكثره للاستغلال، كربا العباس وغيره، على أن يشتركا في الربح والخسارة.
والحكمة أيضا واضحة، كما ذكر المرحوم الشيخ أبو زهرة، وهي: أن تحريم الربا تنظيم اقتصادي لرأس المال المنتفع به ليعمل الناس جميعا، ومن لم يستطع العمل قدم المال لمن يعمل.
ومنهم من لجأ إلى الضرورة بدعوى أن الحياة المعاصرة لا تستغني عن الفوائد، فقد غدت ضرورة اقتصادية، والضرورات تبيح المحظورات.
وهذا ما اتجه إليه شيخنا شلتوت رحمه الله حيث ذكر في “الفتاوى”: “أن ضرورة الأفراد وضرورة الأمة كثيرا ما تدعو إلى الاقتراض بالربح. وأن الإثم مرفوع في هذه الحالة عن المفترض”.
ومن فضل الله أن هذه التبريرات المختلفة التي ظهرت في وقت أصيب المسلمون فيه بالهزيمة النفسية أمام طغيان النظام الرأسمالي الغربي، وسيطرته على معظم العالم، لم تلبث أن ظهر عوارها، وانكشف وهنها وتفاهتها في مواجهة النقد العلمي الموضوعي، الذي قام به رجال مسلمون منصفون، كثير منهم من رجال الاقتصاد الوضعي ذاته.
من هؤلاء أبو الأعلى المودودي في كتابه عن “الربا” والدكتور محمد عبدالله العربي والشيخ الدكتور محمد عبدالله دارز، والدكتور محمود أبو السعود، والدكتور عيسى عبده إبراهيم، والشيخ محمد أبو زهرة، والدكتور أحمد النجار، والدكتور محمد نجاة الله الصديقي وغيرهم.
وقد أظهرت الدراسات الاقتصادية المحض أن الربا لا يحمل في طيه أية مصلحة للبشر مادية أو معنوية، بل وراءه الفساد والشر على مختلف الأصعدة: اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا.
وفوق ذلك كله أثبتت الدراسات الجادة أن في الإمكان إقامة بنوك بلا فوائد ثم شهد الواقع بجهود المخلصين بقيام بنوك إسلامية وشركات استثمارية إسلامية، تعمل على تطهير حياة المسلمين من الربا.
ولا ريب أن البشر إذا تركوا لتقدير مصالحهم وحدهم، دون اهتداء بوحي الله فلا غرو أن يضلوا الطريق، ويضخموا بعض المصالح على حساب أخرى أعظم منها وأبقى، أو يقدروا بعض المصالح غافلين عما تعقبه من مفاسد تفوقها، وتعفى على أثرها. بل كثيرا ما اعتبروا بعض المفاسد الكبيرة مصالح، لأن فيها تحقيق شهوة عارضة لهم أو إشباع لذة عاجلة في حياتهم.
وقد رأينا في عصرنا من أباحوا الزنى، وحمته قوانينهم وتقاليدهم، ورأينا من أباحوا الشذوذ الجنسي، وأجازوا للرجل أن يتزوج الرجل، وللمرأة أن تتزوج المرأة وبارك ذلك بعض آباء الكنائس من النصارى الغربيين!!
ورأينا من أباحوا الخمر والمسكرات، وحموا صناعتها وتجارتها، برغم ما يعلمون من أضرارها المادية والمعنوية على الفرد والأسرة والمجتمع.

نقل صلاة الجمعة إلى يوم الأحد للمصلحة المزعومة
ومن أعجب ما رأيته في هذا المقام هو تقدير المصالح الدينية بمحض الرأي القاصر وإن عارضت النصوص الصريحة المحكمة.
وأوضح مثال لذلك ما كتبه أحد المشتركين في “ملتقى الفكر الإسلامي” السابع عشر بالجزائر، حيث اقترح نقل صلاة الجمعة للمقيمين في أمريكا إلى يوم الأحد! ليجتمع على الصلاة عدد أكبر.
وها أنذا أنقل كلامه بنصه:
“وقعت لي حادثة غريبة أرى من الواجب أن أرويها: ذلك بأنه زارني في بيروت منذ بضع سنين، وفد من إخواني مسلمي أمريكا الشمالية، وهم من أصل عربي، وذكروا أن أكثرية المدينة التي يسكنونها أصبحت إسلامية ولذلك لم يعد من معنى لبقاء الكنيسة الموجودة فيها فطرحها أهلها بالمزاد العلني لبيعها، فاشتراها رجل من المسلمين ميسور وزوجته، وجعلوا الكنيسة مسجدا جامعا، وهم غير محتاجين إلى أحد، وإنما هم محتاجون للرأي الشرعي، قالوا: لقد جهزنا المسجد الجامع بكل حاجاته، وعينا إماما وخطيبا للجمعة والعيدين غير أن صلاة الجمعة لا يكاد يحضرها أحد، لانشغال الناس بأعمالهم، ولو جعلناها يوم الأحد لغص الجامع، على رحبه بالمصلين.
أليس هذا الوضع الغريب جديرا بأن يرجع فيه إلى رأي الإمام نجم الدين الطوفي، الذي عالج موضوعا هاما هو “رعاية المصلحة”؟
وإن لم نعتمد رأي الطوفي، أليس مهما أن نجتهد في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: “لا ضرر ولا ضرار”؟
ويبدو أن الكاتب لا يعرف أن الطوفي ـ على ما في رأيه من شطط جعله موضع استنكار كل العلماء ـ قد استثنى العبادات والمقدرات، فلم يجعل لاعتبار المصلحة سبيلا، إليهما وجعل المعتمد فيهما على النص.
أما صاحبنا فلم يستثن شيئا، وقد ناقشناه في “الملتقى”، وقلنا له: ماذا تسمي هذه الصلاة المقترحة: صلاة الجمعة أم صلاة الأحد؟ وماذا تصنع بالسورة التي سماها القرآن “سورة الجمعة” أتغير اسمها، وتجعله “سورة الأحد”؟ وماذا تصنع مع الآية الكريمة في تلك السورة: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) أتضع بدل “يوم الجمعة” في الآية “يوم الأحد” أم تعتبر هذه الآية منسوخة أم ماذا ترى؟!!
الواقع أن الاجتهاد لو ترك بهذه الصورة، سيمضي بلا خطام ولا زمام، وسيخبط منتحلوه خبط العشواء، تارة إلى اليمين، وتارة إلى اليسار.
وكثيرا ما ينتهون ـ وهم ينتحلون دعوى المصلحة ـ إلى آراء ليس فيها أية مصلحة دينية ولا دنيوية وليس فيها إلا الضرر والضرار.

إلغاء الرخص المشروعة لعدم الحاجة إليها فيما زعموا
وأنقل هنا أيضا ما ذكره الكاتب السابق حول بعض الرخص الشرعية التي خفف الله بها عن المسافر، مثل قصر الصلاة الرباعية، ومثل الجمع بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء، يقول في البحث ذاته، وفي الموضع نفسه:
“كذلك نرى أن السفر في هذه الأيام، هو غير السفر قبل أربعة عشر قرنا، وربما قيل أن الأسباب التي أدت إلى وضع أحكام لصلاة المسافر لم يعد لها من وجود. فإذا طبقنا الأحكام الأصولية التي وضعها الأئمة السابقون أداروها على السبب أو العلة فهي تدور مع أسبابها وجودا وعدما.
وهذا صحيح، فالحكم يدور على السبب أو العلة وليس على الحكمة، والعلة وصف ظاهر منضبط، يمكن تحديده وتعريفه لكل مكلف، أما الحكمة فهي لا تنضبط.
وإذا نظرنا إلى أمر كالسفر، وجدنا الحكمة في شرعية الرخص فيه هي المشقة وهذه لو رتبت عليها الأحكام لوجدنا في الناس من يحتمل أعظم المشقات ويجهد نفسه غاية الجهد، ولا يستعمل الرخصة، على حين نجد آخرين لأدنى جهد يدعى أنه وجد المشقة.
لهذا نظر الأئمة إلى النصوص الواردة فوجدوها تدير الأحكام على العلل والأسباب الظاهرة.
فالسبب أو العلة في رخص السفر هو السفر ذاته، وليس ما يترتب عليه من مشقة هي الحكمة الباعثة على شرع الرخصة.
ونظير هذا في عصرنا وضع نهاية صغرى للنجاح في امتحان الطلاب، فهي علة أو سبب للنجاح، والحكمة هي استيعاب الحد الأدنى من المقرر الدراسي فهما وهضما، ولكنا لا نستطيع الوصول إلى هذه الحكمة، لأنها لا تنضبط، فقام مقامها السبب أو العلة وهو الدرجات، ولهذا يرسب من لم يحصلها وإن كان في الواقع فاهما مستوعبا.
ومثل ذلك إشارة المرور حين تعطي الضوء الأحمر، فهذه علة أو سبب لتوقف السيارات عن السير في اتجاه الإشارة، والحكمة هي منع التصادم. ولكن لا يعمل بهذه الحكمة، بحيث يجوز السير ـ والإشارة حمراء ـ إذا لم تكن هناك سيارات، بل يجب عليه التوقف، حتى تعطيه الإشارة الضوء الأخضر، فهذا اتباع للسبب والعلة لا الحكمة.
وبهذا نجد توافق الأحكام الشرعية مع الأحكام الوضعية في رعاية العلل الظاهرة المنضبطة، حتى لا تضطرب الأحكام.

تحريم الزواج بأكثر من واحدة
وإذا كان في الاجتهادات المعاصرة ـ التي اجترأت على النصوص ـ ما حاول أن يحل الحرام، ويبدل الشعائر، فإن منها ما حاول أن يحرم الحلال المشروع، الذي استقر عليه الإجماع الفقهي والعملي جميعا.
وأقرب مثال يذكر في هذا المقام: ما دعا إليه بعضهم من منع الزواج بأكثر من واحدة، لما يترتب على التعدد ـ في زعمه ـ من مفاسد أسرية ومضار اجتماعية وأخذ بذلك بعض البلاد الإسلامية المقلدة للغرب.
واحتج هؤلاء بأن من حق ولي الأمر أن يمنع بعض المباحات جلبا لمصلحة أو درءا لمفسدة.
بل أن بعضهم حاول في جرأة وقحة أن يحتج بالقرآن على دعواه هذه، فقالوا: إن القرآن اشترط لمن يتزوج بأكثر من واحدة أن يثق من نفسه بالعدل بين الزوجتين أو الزوجات، فمن خاف ألا يعدل وجب أن يقتصر على واحدة، وذلك قوله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) [سورة النساء:3].
هذا هو شرط القرآن للتعدد: العدل. ولكن القرآن ـ في زعمهم ـ جاء في نفس السور بآية بينت أن العدل المشروط غير ممكن وغير مستطاع، وهي قوله سبحانه: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم، فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة) [سورة النساء:129]. وبهذا نفت هذه الآية اللاحقة ما أثبتته الآية السابقة!
والحق أن هذه الاستدلالات كلها باطلة ولا تقف أمام النقد العلمي السليم وسنعرض لها واحدا واحدا.

الشريعة لا تبيح ما فيه مفسدة راجحة
1. أما القول بأن التعدد قد جر وراءه مفاسد ومضار أسرية واجتماعية فهو قول يتضمن مغالطة مكشوفة.
ونقول ابتداء لهؤلاء المغالطين:
إن شريعة الإسلام لا يمكن أن تحل للناس شيئا يضرهم، كما لا تحرم عليهم شيئا ينفعهم، بل الثابت بالنص والاستقراء أنها لا تحل إلا الطيب النافع، ولا تحرم إلا الخبيث الضار. وهذا ما عبر عنه القرآن بأبلغ العبارات وأجمعها في وصف الرسول صلى الله عليه وسلم كما بشرت به كتب أهل الكتاب، فهو (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) [سورة الأعراف:157].
فكل ما أباحته الشريعة فلابد أن تكون منفعته خالصة أو راجحة وكل ما حرمته الشريعة فلابد أن تكون مضرته خالصة أو راجحة، وهذا واضح فيما ذكره القرآن عن الخمر والميسر: (قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما) [سورة البقرة:219].
وهذا هو ما راعته الشريعة في تعدد الزوجات فقد وازنت بين المصالح والمفاسد، والمنافع والمضار، ثم أذنت به لمن يحتاج إليه، ويقدر عليه بشرط أن يكون واثقا من نفسه برعاية العدل، غير خائف عليها من الجور والميل (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة).
فإذا كان من مصلحة الزوجة الأولى أن تبقى وحدها متربعة على عرش الزوجية لا ينازعها أحد، ورأت أنها ستتضرر بمزاحمة زوجة أخرى لها، فإن من مصلحة الزوج أن يتزوج بأخرى تحصنه من الحرام، أو تنجب له ذرية يتطلع إليها، أو غير ذلك. وإن من مصلحة الزوجة الثانية كذلك أن يكون لها نصف زوج تحيا في ظله، وتعيش في كنفه وكفالته، بدل أن تعيش عانسا أو أرملة أو مطلقة محرومة طوال الحياة.
وإن من مصلحة المجتمع أن يصون رجاله، ويستر على بناته، بزواج حلال يتحمل فيه كل من الرجل والمرأة مسئوليته فيه عن نفسه وصاحبه وما قد يرزقهما الله من ذرية، بدل ذلك التعدد الذي عرفه الغرب الذي أنكر على المسلمين تعدد الحليلات، وأباح هو تعدد الخليلات، وهو تعدد غير أخلاقي وغير إنساني، يستمتع فيه كلاهما بصاحبه دون أن يتحمل أية تبعة، ولو جاء من هذه الصلة الخبيثة ولد، فهو نبات شيطاني لا أب له يضمه إليه، ولا أسرة تحنو عليه، ولا نسب يعتز به.
فأي المضار أولى أن تجتنب؟
على أن الزوجة الأولى قد حفظت لها الشريعة حقها في المساواة بينها وبين ضرتها، في النفقة والسكنى والكسوة والمبيت، وهذا هو العدل الذي شرط للتعدد.
صحيح أن بعض الأزواج لا يراعون العدل الذي فرضه الله عليهم، ولكن سوء التطبيق لا يعني إلغاء المبدأ من أساسه، وإلا لألغيت الشريعة ـ بل الشرائع ـ كلها. ولكن توضع الضوابط اللازمة.

حق ولي الأمر في منع المباحات
2. وأما ما ادعاه هؤلاء من أن حق ولي الأمر منع بعض المباحات فنقول لهم:
إن الذي أعطاه الشرع لولي الأمر هو حق تقييد بعض المباحات لمصلحة راجحة في بعض الأوقات أو بعض الأحوال، أو لبعض الناس، لا أن يمنعها منعا عاما مطلقا مؤبدا. لأن المنع المطلق المؤبد أشبه بالتحريم الذي هو من حق الله تعالى، وهو الذي أنكره القرآن على أهل الكتاب الذين (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) [سورة التوبة:31].
وقد جاء الحديث مفسرا للآية “إنهم أحلوا لهم وحرموا عليهم فاتبعوهم”.
إن تقييد المباح مثل منع ذبح اللحم في بعض الأيام تقليلا للاستهلاك منه، كما حدث في عصر عمر رضي الله عنه، ومثل منع زراعة محصول معين بأكثر من مقدار محدد كالقطن في مصر، حتى لا يجوز التوسع في زراعته على الحبوب والمحاصيل الغذائية التي يقوم عليها قوت الناس.
ومثل منع كبار ضباط الجيش أو رجال السلك الدبلوماسي من الزواج بأجنبيات، خشية تسرب أسرار الدولة، عن طريق النساء إلى جهات معادية.
ومثل ذلك منع زواج الكتابيات إذا خيف أن يحيف ذلك على البنات المسلمات، وذلك في مجتمعات الأقليات الإسلامية الصغيرة والجاليات الإسلامية المحدودة العدد.
أما أن نجيء إلى شيء أحله الله تعالى وأذن فيه بصريح كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، واستقر عليه عمل الأمة مثل الطلاق أو تعدد الزوجات، فنمنعه منعا عاما مطلقا مؤبدا، فهذا شيء غير مجرد تقييد المباح الذي ضربنا أمثلته.
معنى (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء)
وأما الاستدلال بالقرآن الكريم فهو استدلال مرفوض، وتحريف للكلم عن موضعه وهو يحمل في طيه اتهاما للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه رضي الله عنهم بأنهم لم يفهموا القرآن، أو فهموه وخالفوه متعمدين.
والآية التي استدلوا بها هي نفسها ترد عليهم، لو تدبروها، فالله تعالى أذن في تعدد الزوجات بشرط الثقة بالعدل، ثم بين العدل المطلوب في نفس السورة حين قال: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم، فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة) [سورة النساء:129].
فهذه الآية تبين أن العدل المطلق الكامل بين النساء غير مستطاع بمقتضى طبيعة البشر، لأن العدل الكامل يقتضي المساواة بينهن في كل شيء حتى في ميل القلب، وشهوة الجنس، وهذا ليس في يد الإنسان، فهو يحب واحدة أكثر من أخرى، ويميل إلى هذه أكثر من تلك، والقلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء.
ومن ثم كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول بعد أن يقسم بين نسائه في الأمور الظاهرة من النفقة والكسوة والمبيت: “اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فما تملك ولا أملك” يعني أمر القلب.
فأمر القلب هذا هو الذي لا يستطاع العدل فيه، وهو في موضع العفو من الله تعالى، فإن الله جل شأنه لا يؤاخذ الإنسان فيما لا قدرة له عليه، ولا طاقة له به.
ولهذا قالت الآية الكريمة، بعد قوله: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم) (فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة) ومفهوم الآية أن بعض الميل مغتفر وهو الميل العاطفي.
والعجب العجاب أن تأخذ بعض البلاد العربية الإسلامية بتحريم تعدد الزوجات في حين أن تشريعاتها لا تحرم الزنى، الذي قال الله فيه: (إنه كان فاحشة وساء سبيلا) [سورة الإسراء:32] إلا في حالات معينة مثل الإكراه، أو الخيانة الزوجية إذا لم يتنازل الزوج.
وقد سمعت من شيخنا الإمام الأكبر الشيخ عبد الحليم محمود رحمه الله: أن رجلا مسلما في بلد عربي أفريقي يمنع التعدد، تزوج سرا بامرأة ثانية على زوجته الأولى وعقد عليها عقدا عرفيا شرعيا مستوفي الشروط، ولكنه غير موثق، لأن قانون البلد الوضعي يرفض توثيقه ولا يعترف به، بل يعتبره جريمة، وكان الرجل يتردد على المرأة من حين لآخر، فراقبته شرطة المباحث، وعرفت أنها زوجته، وأنه بذلك ارتكب مخالفة القانون.
وفي ليلة ما، ترصدت له وقبضت عليه عند المرأة، وساقته إلى التحقيق بتهمة الزواج بامرأة ثانية!
وكان الرجل ذكيا، فقال للذين يحققون معه: من قال لكم أنها زوجتي؟ إنها ليست زوجة، ولكنها عشيقة، اتخذتها خدنا لها، وأتردد عليها ما بين فترة وأخرى!
وهنا دهش المحققون وقالوا للرجل بكل أدب: نأسف غاية الأسف، لسوء الفهم الذي حدث. كنا نحسبها زوجة، ولم نكن نعلم أنها رفيقة!
وخلوا سبيل الرجل، لأن مرافقة امرأة في الحرام، واتخاذها خدنا يزانيها يدخل في إطار الحرية الشخصية التي يحميها القانون!
فانظروا إلى هذا الاجتهاد الأعوج الذي يحرم ما أحل الله، على حين يقف مكتوف اليدين أمام قانون في بلده يحل ما حرم الله.

التسوية بين البنت والابن في الميراث بدعوى المصلحة
وأصرح من كل ما ذكرناه في معارضة النصوص القطعية في ثبوتها، القطعية في دلالتها، بدعوى المصلحة! ما كتبه رئيس عربي أفريقي، داعيا إلى اجتهاد يجيز مساواة المرأة بالرجل في الميراث، مناقضا صريحا قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) [سورة النساء:11] وما أجمع عليه المسلمون من عهد النبوة إلى اليوم، وأصبح معلوما من الدين بالضرورة.
يقول بصريح العبارة:
“أريد أن ألفت نظركم إلى نقص سأبذل كل ما في وسعي لتداركه، قبل أن تصل مهمتي إلى نهايتها، وأريد أن أشير بهذا إلى موضوع المساواة بين الرجل والمرأة، وهي مساواة متوفرة في المدرسة وفي العمل وفي النشاط الفلاحي، وحتى في الشرطة ولكنها لم تتوفر في الإرث، حيث بقي للذكر مثل حظ الأنثيين، إن هذا المبدأ يجد ما يبرره عندما يكون الرجل قواما على المرأة، وقد كانت المرأة بالفعل في مستوى اجتماعي لا يسمح بإقرار المساواة بينها وبين الرجل، فقد كانت البنت تدفن حية وتعامل باحتقار، وها هي اليوم تقتحم ميدان العمل، وقد تضطلع بشئون أشقائها الأصغر منها سنا، فهلا يكون من المنطق أن نتوخى طريق الاجتهاد في تحليلنا لهذه المسألة، وأن ننظر في إمكان تطوير الأحكام الشرعية بحسب ما يقتضيه تطور المجتمع؟
وقد سبق لنا أن حجرنا تعدد الزوجات بالاجتهاد في مفهوم الآية الكريمة وباعتبار أن الإسلام يجيز للإمام تعطيل العمل المباح إذا دعت إلى ذلك مصلحة الأمة، ومن حق الحكام بوصفهم أمراء المؤمنين أن يطوروا الأحكام بحسب تطور الشعب، وتطور مفهوم العدل، ونمط الحياة”!

كلام مرفوض من ألفه إلى يائه
وهذا الكلام ـ إن سميناه اجتهادا تجوزا ـ باطل مرفوض من ألفه إلى يائه. لاعتبارات ثلاثة:
1. مرفوض، لأنه صادر من غير أهله.
2. مرفوض، لأنه اجتهاد في غير محله.
3. ومرفوض، لأنه مبني على أسس من الاستدلال باطلة، وما بني على الباطل فهو باطل.
أما الاعتبار الأول، فلأن الاجتهاد المشروع، هو استفراغ الوسع من الفقيه في استنباط الأحكام من أدلتها التفصيلية.
لابد إذن للمجتهد أن يكون فقيها، أو على الأقل متهيئا للفقه ممارسا له لأن لكل علم أهله، ولكل فن رجاله، وخبراؤه.
ولابد أن يتوافر له الحد الأدنى من الشروط الواجبة للمجتهد وهي العلم بالكتاب والسنة ومواضع الإجماع، واللغة العربية، ومقاصد الشريعة وأصول الفقه، وغيرها، حتى يكون اجتهاده على بينة، فلا يجتهد رأيه في أمر حكم فيه النص الصريح، أو الإجماع اليقيني، إلى جانب الورع والتقوى حتى يخشى الله في كل ما يقوله، وحتى يكون أهلا لأن يوفق إلى الصواب وحتى يقبل قوله عند الناس.
وأما الاعتبار الثاني، فلأن محل الاجتهاد هو المسائل الظنية الدليل أو المسائل المسكوت عنها بالكلية، أما المسائل التي عرف حكمها بنصوص قطعية الثبوت، قطعية الدلالة، فلا مجال للاجتهاد فيها، وإنما تؤخذ بالتسليم والانقياد لحكم الله ورسوله، بمقتضى عقد الإيمان (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) [سورة الأحزاب:36].
وميراث البنت من تركة أبيها على النصف من ميراث أخيها، أمر حكم به القرآن حكما بينا قاطعا، (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) [سورة النساء:11].
وما كان الله تعالى ليحابي الرجال على حساب النساء، فهو رب الجميع ولكنه فاوت بينهما، لتفاوت أعبائهما المالية، فالبنت نفقتها على وليها قبل الزواج، وعلى زوجها بعد الزواج، مهما تكن موسرة، وهي حين تتزوج تأخذ صداقا، والرجل حين يتزوج يعطي صداقا، فمالها في ازدياد، ومال أخيها في نقصان، فالمساواة بينهما في الميراث تكون حيفا على الذكور، فما شرعه الله هو العدل الذي لا ريب فيه.
وأما الاعتبار الثالث، فإنه قد استدل لما يريده من إلغاء الحكم القرآني في الميراث بإلغاء حكم قرآني آخر في العلاقات الزوجية، فهو يفترض أن التفاوت في نصيب كل من الرجل والمرأة في الميراث كانت نتيجة لقوامية الرجال على النساء، وهذه قد زالت فيجب أن يزول ما يترتب عليها.
ولو سلمنا أن تفاوت الميراث أثر من آثار قوامة الرجل على المرأة، فلا نسلم أبدا أن هذا الحكم موقوت، وأنه زال أو يمكن أن يزول، لأنه حكم قطعي في شريعة الإسلام، نطق به القرآن والسنة، وحسبنا قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) [سورة النساء: 34]، وقوله: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف، وللرجال عليهن درجة) [سورة البقرة:228] هي درجة القوامة والمسئولية عن الأسرة وقال صلى الله عليه وسلم: “الرجل راع في أهل بيته، وهو مسئول عن رعيته” [متفق عليه].
وهذا الحكم ليس تعسفا ولا اعتباطا، وإنما هو العدل الذي اقتضته فطرة الله التي فطر الرجال والنساء عليها، فالمرأة بفطرتها تحب أن تكون في حماية رجل، يرعاها ويصونها وينفق عليها.
وهذا الحكم باق ما بقي القرآن والإسلام، وبرغم تعلم المرأة المعاصرة وعملها، فإنها لا تزال تتزوج فتقبض مهرا، ولازال الزوج هو المطالب بالإنفاق عليها، ولو امتنع لألزمه القضاء الشرعي بالإنفاق حتما.
أما إطلاق القول بتطوير الأحكام الشرعية بتطور المجتمع، وتطور مفهوم العدل، ونمط الحياة، فلا يقول بهذا الإطلاق مسلم، ولو كان رئيس دولة أو أمير المؤمنين كما سمى نفسه! فأمير المؤمنين أو الخليفة أو السلطان ـ سمه ما شئت ـ مهمته تطبيق الأحكام الشرعية، لا تغييرها وتطويرها! وهو حين يبايع ويبايع تكون بيعته على اتباع كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو متبع لا مبتدع، ومنفذ لا مشرع.
والأحكام الشرعية ـ كما ذكر العلامة ابن القيم ـ نوعان:
نوع ثابت دائم لا يقبل التغيير ولا التطوير ولا يدخل دائرة الاجتهاد وهو ما ثبت بدليل قطعي لا شبهة فيه، كمعظم أحكام المواريث التي نص عليها القرآن.
ونوع آخر يقبل الاجتهاد والتجديد، وهو ما روعي في شرعيته الزمان والمكان والعرف والحال كبعض أنواع العقوبات التعزيرية، وبعض الأحكام المبنية على العرف والعادة وأحوال الناس في ذلك العصر، فإذا تغيرت تغير الحكم المؤسس عليها، لأن المعلول يدور على علته وجودا وعدما.
ومن الخطأ والخطر أن نخلط أحد النوعين بالآخر، فنطور مالا يقبل التطوير، كالأحكام القطعية في ثبوتها ودلالتها، أو نجمد ما من شأنه أن يتطور ويتجدد.
ولو كانت كل أحكام الشرع قابلة للتطوير كما يريد عبيد التطور، لأصبح الشرع عجينة لينة يشكلها من يشاء كما يشاء، ولم يعد الشرع هو الحاكم الذي يرجع الناس إليه، ويقولون عند الاختلاف على حكمه، بل يصبح هو تابعا لأهواء الناس وتصوراتهم، تستقيم إذا استقامت، ويعوج إذا اعوجت وبهذا يصبح الدين تابعا لا متبوعا، ومحكوما لا حاكما، (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن) [سورة المؤمنون:71].
وقد خاطب الله تعالى رسوله الكريم محذرا من اتباع أهواء الناس ولو في بعض جزئيات الأحكام، آمرا له بالحكم بما أنزل الله إليه، غير مبال بجهالات الجاهلين، وانحرافات الفاسقين، فقال سبحانه: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم، واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك، فإن تولوا فاعلم إنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم، وإن كثيرا من الناس لفاسقون، أفحكم الجاهلية يبغون؟ ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) [سورة المائدة:49،50].
إن إحياء الاجتهاد فريضة وضرورة، ولكن تركه بهذه الصورة لكل من هب ودب، يؤدي إلى البلبلة والفوضى. فلابد من معالم وضوابط، تحدد له المسار، وتجنبه العثار، وهذا ما نحاوله في الصفحات التالية.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق