من مزالق الاجتهاد المعاصر

الاجتهاد

من مزالق الاجتهاد المعاصر

الغفلة عن النصوص

القياس في غير موضعه

سوء فهم النصوص أو تحريفها عن موضعها

الغفلة عن واقع العصر

الإعراض عن الإجماع المتيقن

الغلو في اعتبار المصلحة ولو على حساب النص

للاجتهاد المعاصر ـ سواء كان اجتهادا حقيقيا أم دعوى اجتهاد ـ مزالق يتعرض فيها للخطأ إذا صدر من أهله في محله بشرطه، أو للانحراف إذا صدر من غير أهله، أو غلب فيه الهوى، أو لم يستفرغ الفقيه وسعه في معرفة الحكم الشرعي.
أولا: الغفلة عن النصوص
وأول هذه المزالق: الغفلة عن النصوص التي يجب اتباعها من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
هذا مع أن أول ما يجب على المجتهد أن يرجع إليه هو النص من القرآن إن وجد، ثم من السنة المبينة للقرآن، فإن لم يجد فيهما طلبته اجتهد رأيه لا يألو.
وهذا الترتيب هو الذي جاء في حديث معاذ المشهور، وهو ما جرت عليه سنة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وهو ما نبه عليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في كتابه إلى شريح وغيره: “أن اقض بكتاب الله، فإن لم تجد فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم تجد فاقض بما قضى به الصالحون وإلا فاجتهد رأيك”.
أما الاجتهاد بالرأي قبل البحث عن النص فهو خطأ.
والخطأ الأكبر منه أن تدع النص المعصوم وتجري وراء الرأي الذي لا عصمة له.
ولهذا قالوا: لا اجتهاد مع النص، يعنون النص الثابت الصريح الدلالة على الحكم، وأسباب ترك النص الصحيح الصريح متعددة.
منها: الجهل بثبوت النص، وهذا قلما يحدث مع القرآن الكريم لظهوره لكل مسلم يشتغل بطلب العلم، فكيف بمن يدعي الاجتهاد؟ وإنما يحدث هذا مع السنة المطهرة، لقلة المعنيين بها، وجرأة كثير ـ ممن ينسبون أنفسهم إلى الفقه والاجتهاد ـ عليها. كما سيتبين ذلك بعد.
ومنها: الغفلة والذهول عن النص ـ مع ثبوته وظهوره والقطع به ـ نتيجة سوء فهم، أو غلبة هوى، أو تحكم عصبية أو دعوى مصلحة، أو غير ذلك مما شاهدناه ولمسناه في دعاوى الاجتهاد في عصرنا.
جواز استلحاق اللقطاء
ولعل أقرب مثال يحضرني الآن ما أفتت به المحكمة الشرعية العليا في “البحرين” الشقيقة في شأن “اللقطاء” حيث أجازت بصريح العبارة لكل أحد أن يستلحق اللقيط ويضمه إلى نسبه، ويصبح بذلك ابنا له، تترتب له وعليه كل حقوق البنوة وواجباتها.
ونذكر هنا نص الفتوى كما نشرته جريدة “أخبار الخليج” وقد جاءت هذه الفتوى في صورة جواب على وزير العدل البحريني بشأن اقتراح قدمته إحدى الصحفيات بعمل شهادة ميلاد للطفل اللقيط ـ عدا الشهادات الأصلية المعتمدة لدى الجهات الرسمية ـ يتعامل بها في المجتمع على أنه ابن المحتضن وإن لم يكن له حق في الميراث..الخ.
فأرسلت المحكمة إلى الوزير هذا الجواب:
جوابا على كتابكم رقم 10/169/83 المؤرخ في 23 رمضان 1403هـ، الموافق 3 يوليو 1983م المرفق بطيه صورة من الرسالة الواردة إلى سعادتكم من السيدة/ س ي م المتضمنة اقتراحها فيما يختص بالطفل اللقيط وطلبكم منا دراسة الاقتراح المذكور وإفادتكم برأينا حوله.
نفيد سعادتكم أننا درسنا الاقتراح المذكور ومع تقديرنا وشكرنا لصاحبة الاقتراح على غيرتها وحرصها على حفظ كرامة الطفل اللقيط، نود أن نطمئنها إلى أن الشرع الإسلامي الحنيف لم يترك أي أمر من الأمور إلا وأوجد له حكما عادلا ومن ذلك الطفل اللقيط أو ولد السفاح أو مجهول النسب، فقد حرص الشرع على حفظ كرامته ومصلحته وعمل على دمجه في المجتمع الإسلامي، وذهب في هذا المضمار إلى أبعد مما تتصوره صاحبة الاقتراح حيث لم يكتف بالضم وإنما الاستلحاق وأعطى لكل أحد الحق في أن يستلحق الطفل اللقيط أو ولد السفاح أو مجهول النسب ويعتبره ولدا له يحمل اسمه ولقبه ونسبه بالاستلحقا ويكون لكل منهما على الآخر جميع ما يترتب على ذلك من ولاية وحضانة ووراثة وهذا ما هو عليه العمل فعلا كما هو وارد من بعد بالتقارير المرفقة للأطفال وأما ما ذكرته صاحبة الاقتراح من أن يكون للطفل اللقيط اسمان اسم أصلي واسم رسمي فنعتقد أن ذلك مما يسيء إلى الطفل ويشعره بالنقص وتصيبه المعرة من ذلك بعد ما يكبر ويعرف الحقيقة هذا ما وجب بيانه حول هذا الموضوع.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.
قضاة محكمة الاستئناف العليا الشرعية.
ولا يكتفي قضاة محكمة الاستئناف العليا بالرسالة وإنما يرفقون بها ما يؤكد أنهم سبق أن أجازوا لبعض الأشخاص استلحاق بعض مجهولي النسب بأنسابهم.
وحيث يذكر نص إحدى القضايا أن أحد الأشخاص لديه فتاة مجهولة النسب وهي في حضانته وكفالته وأنه يريد استلحاقها بنسبه ويكون له عليها جميع حقوق الأبوة كما يكون لها هي جميع حقوق البنوة وحيث أنه يسوغ شرعا استلحاق مجهول النسب واعتباره ولدا للمستلحق فقد أجاز له قضاة محكمة الاستئناف العليا ذلك.
والواقع أن رد قضاة محكمة الاستئناف واضح وهو يعني حل المشكلة تماما.
مقتضى هذه الفتوى: أن “التبني” مباح، وإن سمي “الاستلحاق” فمدار الحكم على المسميات لا على الأسماء.
ويعجب المرء كيف تصدر الفتوى بهذه الصورة، وبهذا التعميم، وهي مخالفة لنصوص القرآن الحاسمة القاطعة، التي حرمت “التبني” وأبطلته، وأجمع على ذلك المسلمون من جميع المذاهب، وفي جميع الأزمان، إجماعا مستقرا متصلا بعمل الأمة طوال أربعة عشرا قرنا؟!
وحسبنا أن نقرأ أوائل سورة الأحزاب، وفيها قول الله تعالى: (وما جعل أدعياءكم أبناءكم، ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله، فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم) [سورة الأحزاب: 4-5].
ويبدو أن أصحاب هذه الفتوى لم يقصدوا معارضة القرآن، ولا السنة، ولا الثابت بإجماع الأمة، ولكنهم أساءوا فهم ما جاء عن الفقهاء في الاستلحاق أو الإقرار بالنسب وما ذكروا له من شروط معروفة في الفقه.
فقد فهموا ما ذكره الفقهاء أن لكل أحد أن يستلحق أو يقر بنسب من يشاء والفقهاء إنما أرادوا الإقرار بنسب حقيقي وبنوة حقيقية مبني على نكاح سري أو نكاح فيه خلاف، أو وطء بشبهة، أو غير ذلك، بل أجاز جماعة من السلف استلحاق ولده من الزنى إذا لم يكن فراش، ورجحه ابن تيمية.
أما إذا لم تكن هناك بنوة من حلال ولا من شبهة ولا من حرام، وإنما هو مجرد تبن، فهذا هو الحرام الصرف الذي لم يقل به فقيه قط.
ولهذا نصوا على أن الاستلحاق أو الإقرار بالبنوة أو النسب ـ إذا كان مبنيا على الكذب ـ حرام، بل من الكبائر، ويكاد يؤدي إلى الكفر.
وتكثر مزالق الاجتهاد المعاصر في الغفلة في كثير من الأحوال عن السنة النبوية خاصة، والاعتساف في تأويلها، بل الجرأة عليها في بعض الأحيان، وخصوصا من غير المتخصصين في الدراسات الإسلامية.
وسبب ذلك فيما أراه ـ أن الفقه المذهبي الذي غلب على الحياة الإسلامية قرونا طويلة ولاسيما القرون الأخيرة، جعل أكبر همه أقوال مشايخ المذهب في الدرجة الأولى وتصحيحات علمائه، وترجيحاتهم، دون توجيه مثل هذا الاهتمام إلى المصدرين الأساسيين: القرآن والسنة، ولكن القرآن قد يسر الله حفظه، فلا يكاد يوجد عالم مسلم لا يحفظه عن ظهر قلب، بخلاف السنة، فإنها لسعتها وتنوعها، لم تحظ بمثل ذلك. مما جعل كثيرا من الفقهاء يستدلون بأحاديث واهية أو منكرة، بل موضوعة أحيانا لا أصل لها واشتهر قولهم: هذا من أحاديث الفقهاء! يعنون: أنه ليس له سند يعرف.
وهذا ما جعل بعض كبار العلماء المشتغلين بالحديث يتجهون إلى تخريج الأحاديث التي توجد معلقة في كتب الفقه. كما فعل ذلك الإمام أبو الفرج بن الجوزي (ت597هـ) في كتابه “التحقيق في تخريج التعاليق” وقد نقحه ابن عبد الهادي تلميذ ابن تيمية (ت744هـ) في كتابه “تنقيح التحقيق” وكلاهما حنبلي المذهب.
والحافظ جمال الدين الزيلعي الحنفي (ت762هـ) خرج أحاديث أشهر كتاب عن الحنفية هو “الهداية” للمرغيناني (ت593هـ) وسماه “نصب الراية لأحاديث الهداية” وقد اختصره الحافظ ابن حجر (ت854هـ) وأضاف إليه بعض الفوائد في كتاب سماه “الدراية في أحاديث الهداية”.
كما خرج ابن حجر نفسه أحاديث كتاب “فتح العزيز في شرح الوجيز” للإمام الرافعي (ت623هـ) في فقه الشافعية، وسماه “تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير).
والمقصود أن كتب الفقه المذهبي وحدها ـ وبخاصة كتب العصور الأخيرة ـ لا تصل الدارس بالسنة النبوية، ولا ترده إلى أصول الأدلة فيها، وهذا ما جعلني أنادي بوجوب الوصل بين الحديث والفقه، حتى يبقى المحدثون في واد، والفقهاء في واد، وكل مستمسك بما عنده، لا يبصر ما عند الآخر، ولا يسمع له.
وهذا ما حدث لكثير ممن تعرض للفقه فتوى أو كتابة ممن لا يتقنون الحديث رواية ودراية فنفوا ما يجب أن يثبت، أو أثبتوا ما يجب أن ينفى، وهو ما حذر منه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ قال: “إياكم والرأي، فإن أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يعوها، وتفلتت منهم أن يحفظوها، فقالوا في الدين برأيهم”. وفي بعض الروايات: فضلوا وأضلوا والمراد بالرأي هنا: مالا يعتمد على أصل شرعي معتبر، أو ما يتبع فيه الهوى ويخالف النصوص.
من ذلك ما أفتى به بعض المفتين من إجازة “وصل الشعر” لغير ضرورة ولا حاجة معتبرة، فيما سمي في عصرنا “الباروكة” مع ما ورد من أحاديث صحيحة متفق عليها في لعن الواصلة، والمستوصلة، وتسميته “زورا” والتشديد فيه، كما هو واضح في الصحيحين، مع أن الوصل هناك لم يبلغ أن يكون شعرا كاملا، كما هو الشأن اليوم.
ومن ذلك ما ذكروه في إباحة التصوير كله، حتى المجسم منه “التماثيل” استنادا إلى أن التصوير إنما حرم لقرب العهد بالوثنية وما كان فيها من صور تعبد من دون الله أما اليوم، فقد تحررت العقول، ولم يعد ثمت مجال لأن يعبد إنسان القرن العشرين صورة أو تمثالا!
وهذا التأويل مردود كله، فالنصوص التي حرمت التصوير قد نصت على علته، وهي مضاهاة خلق الله، وليس مشابهة الوثنية، وقد رد على مثل هؤلاء الإمام ابن دقيق العيد منذ ثمانية قرون!
أما تحرر العقول في القرن العشرين، فليذهب صاحب هذا الكلام إلى الهند وبلاد كثيرة في آسيا وإفريقيا ليرى أن الوثنية لازالت معششة حتى في رؤوس كبار المتعلمين!
ومن ذلك ما ذهب إليه الدكتور عبد الحميد متولي أستاذ القانون الدستوري من اشتراط انفرد به، ولم يسبقه إليه أحد، ولم يوافقه عليه أحد أيضا فيما أعلم، وهو أن يكون الحديث الذي يعمل به في المجال الدستوري متواترا أو مشهورا.
ومن ذلك ما صرح به شيخنا العلامة الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله في ندوة التشريع الإسلامي في ليبيا من إنكار عقوبة الرجم في زنى المحصن.

ثانيا: سوء فهم النصوص أو تحريفها عن موضعها
وقد لا يكون المزلق في الاجتهاد من الجهل بالنصوص أو الغفلة عنها. وإنما يأتي من سوء فهمهما، وسوء تأويلها. كأن يخصصها وهي عامة، أو يقيدها وهي مطلقة، أو بالعكس، بأن يحملها على العموم وهي مخصوصة، أو على الإطلاق وهي مقيدة.
أو ينظر إليها معزولة عن سباقها وسياقها، أو عما ورد في موضوعها من نصوص أخرى تحدد مدلولها، وتبين المراد منها، أو عما يؤيدها من إجماع يقيني لم يخرقه أحد على توالي العصور.
وربما دفع إلى ذلك التسرع والتعجل والخطف للنصوص، قبل الدراسة اللازمة والتأمل الكافي، والموازنة المطلوبة، واستفراغ الوسع في البحث والطلب، حتى يحس من نفسه بالعجز عن المزيد، كما يعبر الأصوليون في تعريف الاجتهاد.
وربما كان الدافع هو اتباع هوى النفس، أو هوى الغير، سواء كان هذا الغير يتمثل في الحكام الذين ترجى منفعتهم أو تخشى سطوتهم، أم في الجماهير التي يلتمس بعض الناس رضاها وثناءها.
وقد قال الله تعالى لداود عليه السلام من قبل: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) [سورة ص:26].
وقال لخاتم رسله من بعد: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون، إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا) [سورة الجاثية:17،18].
وهو خطاب للأمة كلها إلى يوم القيامة.
وقد يكون الدافع إلى ذلك هو التأثر بالواقع القائم، ومحاولة تبريره، بوعي أو بغير وعي، وخصوصا لدى المفتونين بالحضارة الغربية وبكل ما يفد منها، وهو أيضا ضرب من اتباع الهوى المضل.
وقد لا يقف الأمر عند حد سوء الفهم، بل يصل إلى حد التحريف الجائر لكلام الله تعالى، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وإخراجه عن المراد به تماما. وهو الذي أنكره القرآن الكريم على أهل الكتاب من قبل، حين بدلوا كلام الله، وحرفوا الكلم عن مواضعه، فليس المراد بتحريفهم المذموم التحريف اللفظي فقط، بحذف عبارة أو تبديلها بأخرى، بل يشمل التحريف المعنوي، بلى الكلام عن مقصوده، وتفسيره بما لا يراد منه حال، وقد يفسر بضد المراد منه.
وهذا اللون من التحريف لا يأتي من قبل من هو أهل للاجتهاد من أهل العلم، وإنما يأتي دائما من الدخلاء على فقه الشريعة، المتطفلين على علومها الأصيلة، الذين لم تتوافر فيهم أدنى شروط الاجتهاد، ولا يعرف أحدهم ما يجوز الاجتهاد فيه وما لا يجوز، وربما لا يحسن أن يقيم لسانه بقراءة صفحة من كتاب الله تعالى، أو من صحيح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإدخال هذا الضرب من التحريف والتزييف في الحديث عن الاجتهاد إنما هو بقصد التحذير منه، ولفت الأنظار إلى زيفه وبطلانه، لأنهم قد يخدعون بعض البسطاء بأنهم مجتهدون عصريون، ليسوا جامدين ولا مقلدين، كغيرهم! يقصدون أهل الاختصاص من علماء الشريعة.
والحقيقة أن عملهم هذا ليس من الاجتهاد الشرعي في شيء، وإن سموه اجتهادا بزعمهم.
وأكتفي هنا بنموذج واحد ذكره الدكتور/ محمد حسين الذهبي رحمه الله في كتابه “التفسير والمفسرون” لأصحاب الاتجاه الإلحادي في التفسير، لكاتب من هؤلاء، ننقله فيما يلي:
“قرأت في السياسة الأسبوعية الغراء مقالا بهذا العنوان، حوى أفكارا أثارت في نفسي من الرأي ما كنت أريد أن أرجئه إلى حين، فإن النفوس لم تتهيأ بعد لفتح باب الاجتهاد، حتى إذا ظهر المجتهد في هذا العصر برأي جديد، كتلك الآراء التي كان يذهب إليها الأئمة المجتهدون في عصور الاجتهاد، قابلها الناس بمثل ما كانت تقابل به تلك الآراء من الهدوء والسكون، وإن بدا عليها ما بدا من الغرابة والشذوذ، لأن الناس في تلك العصور كانوا يألفون الاجتهاد، وكانوا يألفون شذوذه وخطأه، إلفهم لصوابه وتوفيقه، أما في هذا العصر، فإن الناس قد بعد بهم العهد بالاجتهاد، حتى صار كل جديد يظهر فيه شاذا في نظرهم، وإن كان في الواقع صوابا، وما أسرعهم في ذلك إلى التشنيع والطعن في الدين، والمحاربة في الرزق، فلا يجد من يرى شيئا من ذلك إلا أن يكتمه أو يظهره بين أخصائه، ممن يأمن شرهم ولا يخاف كيدهم، وتضيع بهذا على الأمة آراء نافعة في دينها ودنياها، ولكني سأقدم على ما كنت أريد إخفاءه من ذلك إلى حين، وسأجتهد، ما أمكنني في أن لا أدع لأحد مجالا في ذلك التشنيع الذي يقف عقبة في سبيل كل جديد”.
ثم أشاد بما كتبه صاحب المقال المشار إليه، ثم قال: “ولكن يبقى بعد هذا في تلك الحدود ذلك الأمر، الذي سنثيره فيها، ليبحث في هدوء وسكون، فقد نصل فيه إلى تذليل تلك العقبة التي تقوم في سبيل الأخذ بالتشريع الإسلامي من ناحية تلك الحدود بوجه آخر جديد.. ويكون هذا بإعادة النظر في النصوص التي وردت فيها تلك الحدود، لبحثها من جديد بعد هذه الأحداث الطارئة، وسأقتصر في ذلك ـ الآن ـ على ذكر ما ورد في تلك الحدود من النصوص القرآنية، وذلك قوله تعالى في حد السرقة: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله، والله عزيز حكيم فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه، إن الله غفور رحيم) وقوله تعالى في حد الزنى: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين).
فهل لنا أن نجتهد في الأمر الوارد في حد السرقة وهو قوله تعالى: (فاقطعوا) والأمر الوارد في حد الزنى وهو قوله تعالى: (فاجلدوا) فنجعل كلا منهما للإباحة لا للوجوب، ويكون الأمر فيهما مثل الأمر في قوله تعالى: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) فلا يكون قطع يد السارق حدا مفروضا، لا يجوز العدول عنه في جميع حالات السرقة، بل يكون القطع في السرقة هو أقصى عقوبة فيها، ويجوز عنه في بعض الحالات إلى عقوبات أخرى رادعة، ويكون شأنه في ذلك شأن كل المباحات التي تخضع لتصرفات ولي الأمر، وتقبل التأثر بظروف كل زمان ومكان.
وهكذا الأمر في حد الزنى.
وهل لنا أن نذلل عقبة من العقبات التي تقوم في سبيل الأخذ بالتشريع الإسلامي، مع أننا في هذه الحالة لا نكون قد أبطلنا نصا، ولا ألغينا حدا، وإنما وسعنا الأمر توسيعا يليق بما امتازت به الشريعة الإسلامية من المرونة والصلاحية لكل زمان ومكان، وبما عرف عنها من إيثار التيسير على التعسير، والتخفيف على التشديد.
هذا الاجتهاد المزعوم مردود على صاحبه، لأنه اجتهاد فيما لا مجال للاجتهاد فيه لأنه أمر قطعي ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، ومعلوم من الدين بالضرورة.
وكيف يكون الأمر للإباحة، وهو يقول: (جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم) وكيف رفض النبي صلى الله عليه وسلم أي شفاعة في حدود الله من أحب الناس إليه أسامة بن زيد، وقال له: “أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟!” وكيف قال قولته المعروفة: “وآيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”؟!!
وكيف يكون الأمر في قوله تعالى في حد الزنى: (فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) للإباحة لا للوجوب وهو يعقب على الأمر بقوله: (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) أيكون كل هذا التحريض والتحذير والتهييج في شأن أمر مباح يجوز فعله ويجوز تركه؟
إن أي إنسان له معرفة باللسان العربي، ولديه أدنى تذوق له، لا يرتاب أدنى ريبة في أن الأوامر في هذه الآية وفي آية السرقة للوجوب، والوجوب المؤكد بلا جدال. (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم).
إن الأولى من هذا الاعتساف والتحريف ـ الذي يسميه الكاتب اجتهادا ـ أن يقال: إن الحد لا يقام إلا إذا تكاملت الجريمة، واستوفت كل أركانها وشروطها، وانتفت كل الشبهات والموانع.
فلا حد على جاهل لم يعلمه المجتمع الحد الأدنى مما يجب معرفته من الحلال والحرام.
ولا حد على سارق لم يوفر له المجتمع تمام الكفاية له ولمن يعول.
ولا حد إذا وجدت شبهة معتبرة، فالحدود تدرأ بالشبهات.
ومن تاب بعد الجريمة، وبدت عليه إمارات التوبة، فمن حق الإمام أو القاضي أن يسقط عنه الحد، كما هو رأي ابن تيمية وابن القيم.

ثالثا: الإعراض عن الإجماع المتيقن
ومن مزالق الاجتهاد المعاصر: تجاوز ما أجمعت عليه الأمة في عصور الاجتهاد غفلة عن هذا الإجماع وجهلا به، أو إعراضا متعمدا عنه، مع أن الأصوليين جميعا جعلوا من شروط المجتهد المتفق عليها: العلم بمواضع الإجماع، حتى لا يجهد المجتهد نفسه في أمر فرغت منه الأمة، وهي لا تجتمع على ضلالة.
وقد بينا في حديثنا عن هذا الشرط من شروط المجتهد ما المقصود بالإجماع الذي لا يجوز خرقه ولا تعديه.
ونؤكد هنا أننا لا نريد مجرد دعوى الإجماع، فكم من مسائل ادعى فيها الإجماع وقد ثبت فيها الخلاف، كما تدل على ذلك الوقائع الكثيرة.
وإنما الذي نقصد إليه هنا: هو الإجماع المتيقن الذي استقر عليه الفقه والعمل جميعا، واتفقت عليه مذاهب فقهاء الأمة في عصورها كلها، وهذا لا يكون عادة إلا في إجماع له سند من النصوص، فالنص هو الحجة والمعتمد، ولكن الإجماع المستمر على العمل به أعطاه قوة أي قوة، ونقله من الظنية إلى القطعية.
وإنما قيدت الإجماع بالمتيقن، خشية من دعاوى الإجماع الكثيرة فيما ثبت الخلاف فيه، كما يشهد بذلك كل من له اطلاع على المصادر الجامعة لمذاهب العلماء.
ومن ذلك ما قيل من جواز زواج المسلمة في عصرنا بالكتابي، كما جاز زواج المسلم بالكتابية، هذا مع أن الفرق بينهما واضح جلي، فالمسلم يعترف بأصل دين الكتابية فهو يحترمها ويرعى حقها ولا يصادر عقيدتها، أما الكتابي فهو لا يعترف بدين المسلمة ولا بكتابها ولا برسولها، فكيف تعيش في ظل رجل لا يرى لها أي حق باعتبارها مسلمة؟
والقول بأن القرآن إنما حرم (المشركات) والكتابيات غير المشركات، ينقضه قول القرآن: (فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار، لا هن حل لهم، ولا هم يحلون لهن) [سورة الممتحنة:10]. فهنا رتب الحكم على الكفر لا على الشرك حيث قال: (فلا ترجعوهن إلى الكفار) وإذا كانت العبرة بعموم اللفظ فلفظ “الكفار” هنا يشمل الكتابي كما يشمل الوثني، فكل من لم يؤمن برسالة محمد صلى الله عليه وسلم فهو ـ بالنسبة لأحكام الدنيا ـ كافر بلا نزاع.
ومن ذلك ما ذهب إليه الأستاذان الفاضلان: الدكتور/ شوقي إسماعيل شحاتة، والدكتور/محمد شوقي الفنجري، من وجوب الزكاة في أموال النفط “البترول” مما تملكه الحكومات الإسلامية، في بلاد الخليج وغيرها، وهو بمقدار الخمس، بناء على أنه ركاز، وفي الركاز الخمس كما هو مذهب أبي حنيفة، وأبي عبيدة وغيرهما.
أما أن النفط ونحوه من المعادن ركاز، وأن في الركاز الخمس، فهو ما رجحته ودللت عليه، في كتابي “فقه الزكاة”.
ولكن وجوب الخمس فيه إنما يتجه إذا كان يملكه أفراد أو شركات، فهنا يؤخذ منه الخمس ويصرف مصارف الزكاة على ما رجحناه.
أما إذا كان ملك الدولة، فشأنه شأن كل أموال الدولة، وهذه لا زكاة فيها بالإجماع، وسر ذلك يعود إلى عدة أمور:
أولا: أن الزكاة فرع الملك ولهذا أضيفت الأموال إلى مالكيها في مثل قوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة) وقوله صلى الله عليه وسلم: “أدوا زكاة أموالكم”.
ومال الدولة ليس ملك رئيس الدولة ولا وزير المالية، ولا غيرهما حتى يطالب بتزكيته ويطهر نفسه بإخراج حق الله فيه.
ثانيا: أن من أخرج الزكاة من ماله ـ ربع العشر أو نصف العشر أو العشر أو الخمس ـ طاب له الاستمتاع بالباقي ولا حرج عليه، إلا أن يطوع أو تأتي حاجة عامة أو خاصة. وهنا في مال النفط لا يكفي أن تخرج الحكومة مقدار الزكاة منه، وإن قدرناه بالخمس على ما هو المختار عندنا، إذ لابد من صرفه كله في مصالح المسلمين ومنها مصالح الفقراء والمساكين وغيرها من الفئات المحتاجة، بل هي في مقدمة المصالح المنصوص عليها في مصارف الفيء (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) [سورة الحشر:7].
ثالثا: إن الدولة هي المأمورة بأخذ الزكاة (خذ من أموالهم) فكيف تأخذ من نفسها وتصبح آخذا ومأخوذ منه في وقت واحد؟
أنا أعرف أن الدوافع إلى هذا القول دوافع خيرة، وهي محاولة التغلب على أوضاع التجزئة الحالية التي تعانيها الأمة الإسلامية، بحيث تجعل بعض الدول أو الدويلات الصغيرة الحجم القليلة السكان، التي من الله عليها بالنفط في أرضها، تملك المليارات من الدراهم أو الدنانير أو الريالات، تغص بها خزائن البنوك الأجنبية، على حين ترى بلادا إسلامية أخرى، كثيفة السكان، قليلة الموارد، تهددها المجاعات، وينشب فيها الفقر أنيابه، ويغدو أبناؤها من ضحايا الجوع فرائس سهلة لدعاة التنصير والشيوعية، على نحو ما قال بعض السلف: “إذا ذهب الفقر إلى بلد قال له الكفر خذني معك”!
فأراد هؤلاء الأخوة الباحثون في الاقتصاد الإسلامي أن يحتالوا على هذه الأوضاع القائمة التي لا يقرها الإسلام، فذهبوا إلى وجوب الزكاة في النفط باعتباره “ركازا”. وفي الركاز الخمس، ومادامت هذه زكاة فإنها ترد على فقراء الإقليم ومصالحه أولا، وفق المنهج الإسلامي في التوزيع المحلي، وما زاد عن حاجة الإقليم يوزع على الأقاليم الإسلامية الأخرى: الأقرب فالأقرب، أو الأحوج فالأحوج.
ولو كانت الخلافة الإسلامية قائمة، والبلاد الإسلامية موحدة، تحت رايتها كما كان الأمر من قبل، ما قالوا هذا القول، ولا ظهر هذا الاجتهاد أصلا ولا كانت هناك حاجة إليه.
ورأيي أن القول بوجوب تزكية “النفط” لا يحل مشكلة التجزئة الإسلامية القائمة، ولا يترتب عليه بالضرورة حل مشكلات البلاد الفقيرة من العالم الإسلامي.
حتى لو فرضنا أن الدول النفطية أخذت بهذا القول: أن في النفط الذي تملكه الدولة حقا، وأنه الخمس لا ربع العشر، وأنه يصرف مصرف الزكاة لا مصرف الفيء، فمن يضمن ألا تنفق حصيلة هذا على فقراء الإقليم ومصالحه الاجتماعية والعسكرية وخصوصا إذا قيل: إن تسليح الجيوش والإنفاق عليها من “سبيل الله” وهو أحد مصارف الزكاة؟ وعندئذ لا يبقى للمسلمين الآخرين شيء أو يبقى لهم الفتات.
وأولى من هذا في رأيي أن تعلن الحقائق الإسلامية الأساسية الواضحة وهي أن المسلمين ـ مهما اختلفت أوطانهم ـ أمة واحدة، يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، يكفل غنيهم فقيرهم، ويأخذ قويهم بيد ضعيفهم وهم متضامنون في العسر واليسر، متعاونون على البر والتقوى. ولا يجوز أن يعاني بلد إسلامي الفقر والمرض والجوع، وهناك بلد أو بلاد إسلامية أخرى تنفق على الكماليات آلاف الملايين، ولديها من الاحتياطي مئات البلايين!
كما لا يجوز أن يتحمل بلد إسلامي محدود الموارد عبء الجهاد ونفقاته الطائلة ضد أعدائه وأعداء الإسلام، على حين تقف الدول الإسلامية الغنية موقف المتفرج، دون أن تؤدى فريضة الجهاد بالمال، كما توجبه أخوة الإسلام.
وما قاله الفقهاء من ملكية النفط ونحوه من الموارد “للإمام” فالإمام لا يعني حاكم الدول الإقليمية، وإنما يعني السلطة الشرعية للدولية الإسلامية الموحدة تحت راية العقيدة الواحدة، والشريعة الواحدة، وهذا يعني أن هذا المال ليس ملكا لمجموعة معينة من الناس دون سواهم، بل هو ملك للأمة المسلمة وللمسلمين حيثما كانت مواقعهم في دار الإسلام.

رابعا: القياس في غير موضعه
ومن مزالق الاجتهاد المعاصر: القياس الفاسد، كأن يقيس النص القطعي على الظني في جواز الاجتهاد فيه، أو يقيس الأمور التعبدية المحضة على أمور العادات والمعاملات في النظر إلى حكمها ومقاصدها، واستنباط علل لها بالعقل ترتب عليها الأحكام.
والخطأ في القياس باب من أبواب الشر من قديم. حتى قيل: إن انحراف إبليس وعصيانه لله واستكباره عن امتثال الأمر، كان بسبب قياس فاسد، حين قال عن آدم: (أنا خير منه، خلقتني من نار، وخلقته من طين) [سورة الأعراف:12].
وأكلة الربا من اليهود وأشباههم أرادوا أن يستدلوا على إباحة الربا بقياسه على البيع كما حكى الله عنهم: (ذلك بأنهم قالوا: إنما البيع مثل الربا، وأحل الله البيع وحرم الربا) [البقرة:275].
ونحن لا ننكر القياس، كما فعلت المدرسة الظاهرية، بل نرى مع جمهور الأمة من السلف والخلف: أنه مصدر خصب من مصادر الأحكام، ودليل على إثراء الشريعة وخلودها وقدرتها على مواجهة التطور في كل زمان ومكان وحال.
المهم في القياس أن يكون مستندا إلى نص ثابت في قرآن أو سنة، اتضحت علته، ولم يجد فارقا بين الأصل المقيس عليه والفرع المقيس.
فلا اعتبار مثلا لقياس على غير أصل منصوص عليه.
أو على نص غير ثابت.
أو على نص ثابت ولكن لم تتضح علته.
أو اتضحت علته، ولكن وجد فارق معتبر بين الأصل والفرع.
فالذين يقيسون على حديث ضعيف، أو صحيح، ولكن لم تتضح العلة فيه، أو يقيسون مع وجود الفارق، أو يقيسون على أقول الفقهاء.. كل هؤلاء لا يقبل قياسهم.
وقد رأينا من يجيز للحكومة أن تستقرض من الشعب بفوائد الربوية، مستدلا بالقياس على أنه “لا ربا بين الوالد وولده” فكذلك لا ربا بين الحاكم والشعب!
والحق ـ كما قلنا في موضع آخر ـ أن هذا الحكم: “لا ربا بين الوالد وولده” لم يثبت بنص ولا بإجماع، إنما هو أمر قال به بعض الفقهاء وخالفه الأكثرون، فكيف نقيس على غير أصل؟
على أننا لو سلمنا بثبوت هذا الحكم ـ وهو غير مسلم ـ لم يسلم لنا القياس أيضا، لوجود الفارق الواضح بين الوالد وولده من ناحية، وبين الحكومة والرعية من ناحية أخرى، وذلك لأن هناك نصا مثبوتا في شأن الوالد وولده يقول: “أنت ومالك لأبيك” ولا يوجد مثل هذا في الجانب الآخر، فلم يأت نص يقول: “أنت ومالك للحكومة”!
وفتح باب الأقيسة من هذا النوع إنما هو فتح لباب الفوضى، حتى رأينا حاكما يريد أن يسوي بين الابن والبنت في الميراث قياسا على اجتهاده في منع تعدد الزوجات. أي أنه جعل اجتهاده ـ المرفوض ـ أصلا يقاس عليه مالا يجوز أن يدخل دائرة القياس ولا دائرة الاجتهاد أصلا، لأنه من باب المعلوم من الدين بالضرورة.

خامسا: الغفلة عن واقع العصر
وكما أن من مزالق الاجتهاد في عصرنا عند بعض الناس: انسياقهم وراء الواقع القائم، واستسلامهم لتيارات العصر، وإن كانت دخيلة على المسلمين ومناقضة للإسلام ـ ومحاولتهم تبرير هذا الواقع بإعطائه سندا من الشرع اعتسافا وقسرا ـ فإن في مقابل هؤلاء قوما يريدون أن يجتهدوا في غفلة عن واقع هذا العصر، وما يمور به من تيارات، وثقافات، وما تتمخض عنه أيامه ولياليه من مطالب ومشكلات.
إما لأنهم حبسوا أنفسهم في سجن التقليد لمذهب معين لا يخرجون عن أقوال علمائه: فضيقوا على أنفسهم فيما وسع الله عليهم، وألزموا أنفسهم بما لم يلزمهم به الله ورسوله، وخالفوا أئمة المذاهب أنفسهم، الذين نهوا عن تقليدهم.
وإما لأنهم عاشوا في الماضي وحده، دون معاناة للحاضر، ولا استشفاف للمستقبل، فهم داخل القفص الذهبي “قفص التراث” محبوسون طوعا واختيارا ناسين يتكلم بلسان غير لسانهم، فكيف يفهمون عنه، ويفهم عنهم؟ فهم في واد، وعصرهم في واد آخر. وكيف يحكمون لهذا العصر أو عليه، والحكم على الشيء فرع عن تصوره، كما يقول علماء المنطق؟!
أو لأنهم يعيشون في دوائرهم الخاصة مع من يشبههم من أهل الدين والورع، غافلين عما تحفل به الحياة من غرائب، وما تلده الليالي من عجائب وما يفرضه التطور السريع من أوضاع، تدخل إلى حياة الناس جهرة، أو تتسلل إليهم خفية، منها المستقيم ومنها الأعوج، وفيها الصواب والخطأ، والخير والشر وكلها تتطلب اجتهادا يبين حلالها من حرامها، وحقها من باطلها.
وأيا كانت الأسباب فإن الغفلة عن روح العصر وثقافته وواقعه، والعزلة عما يدور فيه، ينتهي بالمجتهد في وقائع هذا العصر إلى الخطأ والزلل. وهو ينتهي غالبا بالتشديد والعسير على عباد الله حيث يسر الله عليهم.
كالذين حرموا ذبح “المجزر الآلي” وأوجبوا أن يكون الذبح باليد والسكين المعتادة ولابد.
وقد يليق هذا بمجتمع بسيط قليل العدد، قليل الاستهلاك للإنتاج الحيواني، أما في المجتمعات الكبيرة، وحيثما يكون الإنتاج الحيواني بمئات ألوف الرءوس، ويراد ذبحها للاستهلاك المحلي أو التصدير الخارجي، فالأمر يحتاج إلى هذه المذابح الآلية، التي تقوم فيها “الماكينة” مقام الإنسان فتوفر جهده ووقته.
وإذا كان المحذور هنا هو عدم التسمية عند كل ذبيحة، فيمكن تسجيل شريط يعلن التسمية طوال مدة الذبح.
وقد يجوز الاكتفاء بالتسمية عند بدء كل مدة نشغل فيها الآلة، كما نسمي عند إرسال الكلب أو الصقر أو السهم عند الصيد.
على أن مذهب الشافعي لا يجعل التسمية شرطا لصحة الذبح.
ومثل آخر: الذين اجتهدوا في قضية “أطفال الأنابيب” ومنعوها منعا باتا، خشية اختلاط الأنساب، وسدا للذرائع.
وأقول هنا ما سبق أن قلته في مناسبة أخرى: إن المبالغة في سد الذرائع، قد تحرم الناس من خيرات كثيرة، ومصالح كبيرة، كما أن المبالغة في فتحها قد تؤدي إلى شر مستطير، وفساد كبير.
والواجب على أهل الاجتهاد هنا: ألا يبيحوا بإطلاق، ولا يمنعوا بإطلاق.
فالمنع إطلاق فيه تحريم ما لم يحرمه الله ورسوله، وتضييق على المكلفين في أمر لهم فيه سعة.
والإباحة بإطلاق توقع فيما حرمه الله ورسوله، وتجر إلى مفاسد جمة.
فلابد من التفصيل، بإباحة بعض الأساليب والصور بقيود وشروط، ومنع البعض الآخر.
وهذا ما انتهت إليه ندوة “الإنجاب في ضوء الإسلام” التي انعقدت في الكويت بين الفقهاء والأطباء، وكان قرار الأغلبية في هذا الأمر: أنه جائز شرعا إذا تم بين الزوجين، أي كان الحيوان المنوي من الزوج والبويضة من الزوجة، أثناء قيام الزوجية فلا يجوز أن يتم ذلك بعد موت الزوج، أو طلاق الزوجة، وبشرط أن تراعى الضمانات الدقيقة الكافية لمنع اختلاط نطف الرجال أو بويضات النساء، فتختلط بذلك الأنساب.
واتفق الجميع على أن ذلك يكون حراما إذا كان في الأمر طرف ثالث، سواء كان منيا من غير الزوج، أم بويضة من غير الزوجة، أم جنينا من غيرهما، أم رحما من امرأة أخرى تقوم بالحمل عن صاحبة البويضة.
ونحو هؤلاء الذين اجتهدوا في تحريم التصوير الفوتوغرافي الذي اشتدت الحاجة إليه، وعمت البلوى به، وأصبح من الضرورات الاجتماعية في بعض الأحوال، كصور البطاقات الشخصية، وجوازات السفر، والشهادات الدراسية، وملفات الخدمة، كما أصبح أمرا لازما للصحافة المعاصرة، ولم تعد تقرأ صحيفة تقدم أخبارها واستطلاعاتها كلاما بلا صور تؤيده وتبعث فيه الحياة.
وأكثر من ذلك “التلفاز” الجهاز الخطير الذي بات أقوى المؤثرات في حياة الناس، وتوجيه أفكارهم وميولهم وأذواقهم، ونقل العالم إليهم وهم في عقر بيوتهم.
هل يتصور أن نحرم المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية من هذه الأداة الجبارة لأنها تقوم على التصوير، في حين يستخدمه أعداؤنا بقوة وجدارة، لما له من تأثير ساحر يجمع بين الصوت والصورة؟
ومن هذا النوع من الاجتهادات التي أغفلت واقع العصر: ما لا يزال بعض العلماء يرددونه من إباحة التدخين، بناء على قاعدة أن الأصل في الأشياء الإباحة، وما قاله بعض العلماء أول ظهور التدخين منذ قرون.
ولا ريب أن هؤلاء لم يتبين لهم ما تبين لنا في هذا العصر من أضرار التدخين التي أجمعت عليها الهيئات العلمية والطبية في العالم، وألفت فيها كتب، وعقدت لها ندوات ومؤتمرات، حتى أن شركات تصنيع “الدخان” وتعبئته غدت ملزمة بأن تكتب على علب “السجائر” أنها ضارة بالصحة.
إن المجتهد الحقيقي هو الذي يمثل الأصالة، ويمثل المعاصرة معا. فلا ينقطع عن أمسه، ولا ينعزل عن يومه، ولا يغفل عن غده.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق