موقف الاجتهاد المعاصر من التراث الفقهي

الاجتهاد

موقف الاجتهاد المعاصر من التراث الفقهي
على أن الاجتهاد لا ينحصر في دائرة المسائل الجديدة، بل له مهمة أخرى مع التراث الفقهي، لإعادة النظر فيه على ضوء ظروف العصر وحاجات الناس، لاختيار أرجح الآراء، وأليقها بتحقيق مقاصد الشرع ومصالح الخلق، بناء على قاعدة تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والإنسان.
فليس صحيحا أن الأول لم يترك للآخر شيئا، بل الصحيح ما قاله أهل التحقيق: كم ترك الأول للآخر! بل كم فاق الأواخر الأوائل!
ولا تقتصر إعادة النظر هذه على أحكام “الرأي” أو “النظر” وهي التي أنتجها الاجتهاد فيما لا نص فيه. بناء على أعراف أو مصالح زمنية لم يعد لها الآن وجود أو تأثير، بل يمكن أن يشمل بعض الأحكام التي أثبتتها نصوص ظنية الثبوت كأحاديث الآحاد. أو ظنية الدلالة، وأكثر نصوص القرآن والسنة كذلك. فقد يبدو للمجتهد اليوم فيها فهم لم يبد للسابقين، وقد يظهر له رأي ظهر لبعض السلف أو الخلف، ثم هجر ومات. لعدم الحاجة إليه حينذاك، أو لأنه سبق زمنه، أو لعدم شهرة قائله، أو لمخالفته للمألوف الذي استقر عليه الأمر زمنا طويلا أو لقوة المعارضين له، وتمكنهم اجتماعيا أو سياسيا، أو لغير ذلك من الأسباب.
وينبغي أن يكون الاجتهاد في عصرنا اجتهادا جماعيا في صورة مجمع علمي يضم الكفايات الفقهية العالية، ويصدر أحكامه في شجاعة وحرية بعيدا عن كل المؤثرات والضغوط الاجتماعية والسياسية، ومع هذا لا غنى عن الاجتهاد الفردي، فهو الذي ينير الطريق أمام الاجتهاد الجماعي، بما يقدم من دراسات عميقة، وبحوث أصيلة مخدومة، بل إن عملية الاجتهاد في حد ذاتها عملية فردية قبل كل شيء.
إن الاجتهاد الذي ننشده وندعو إليه ـ بقيوده وشروطه الشرعية ـ يمثل حاجة، بل ضرورة لحياتنا الإسلامية، وعلاج مشكلاتنا المعاصرة وإلا أصيبت حياتنا بالجمود والعفن، أو بحثت لأدوائها ـ في الغالب ـ عن علاج من غير صيدلية الإسلام، فإن جمودنا ووقوفنا في موضعنا، لا يوقف الأفلاك عن الحركة، ولا الأرض عن الدوران!

تيسير الاجتهاد لعلماء اليوم
إذا عرفنا أن الاجتهاد ضرورة إسلامية في هذا العصر، وأنه من فروض الكفايات المحتمة على أمتنا، فهل يتيسر لنا إذا أردناه؟ وهل يسهل على العالم في عصرنا أن يحصل شروط الاجتهاد التاريخية المعروفة؟
وأحب أن أذكر هنا: أن هذه الشروط التي اشترطها الأصوليون للمجتهد في استنباط الأحكام من أدلتها التفصيلية ـ ليس تحصيلها متعذرا ولا متعسرا، كما يوهم بعض الناس، الذين يريدون أن يضيقوا ما وسع الله، ويغلقوا بابا فتحه رحمة بعباده، وهو الاجتهاد.
وهذا ما نبه عليه المحققون من علماء العصر.
يقول العلامة السيد رشيد رضا رحمه الله في تفسير المنار بعد نقله بعض كلام الأصوليين عن شروط الاجتهاد:
“ليس تحصيل هذا الاجتهاد الذي ذكروه بالأمر العسير، ولا بالذي يحتاج فيه إلى اشتغال أشق من اشتغال الذين يحصلون درجات العلوم العالية عند علماء هذا العصر في الأمم الحية، كالحقوق والطب والفلسفة، ومع ذلك نرى جماهير علماء التقليد منعوه، فلا تتوجه نفوس الطلاب إلى تحصيله”.
وقال العلامة الحجوي الفاسي في كتابه “الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي” ـ بعد أن نقل عن ابن عبد السلام قوله: ومواد الاجتهاد في زماننا أيسر منه في زمن المتقدمين لو أراد الله الهداية. ومثله عن ابن عرفة، كما نقله الأبي في شرح مسلم ـ قال: واعلم أن الاجتهاد اليوم في القرن الرابع عشر أيسر مما كان في زمن الأبي وابن عرفة ومن قبلهما، بسبب أهل الفضل الذين اعتنوا بالمطابع، وطبعوا الكتب المعينة على الاجتهاد. وأن ظهور الطباعة نقل العلم من طور إلى طور. وقد كان المتقدمون يعانون مشاق عظيمة في كتب الكتب، ويحتاجون لمادة مالية وزمن طويل. أما بعد ظهور الطباعة عندنا في أواسط القرن الماضي (الثالث عشر الهجري) فقد تيسر ما كان عسيرا.. إلا أنها وجدت الأمة في التأخر، والفقه في الاضمحلال، والهمم في جمود، فكأننا لم نستفد منها شيئا! فإذا قسنا ما استنفدناه منها، ودرجة الرقي التي حصلت لفقهائنا، بالنسبة لما حصل في زمن المأمون العباسي من النشاط العلمي بسبب ظهور الكاغد (الورق) حكمنا بأننا لم نتقدم خطوة تعتبر، وتناسب ما تقدمه غيرنا من الأمم. ورغما عن ذلك فقد وجدت كتب كانت أعز من بعض الأنوق، وانتشرت ولاسيما كتب الحديث.
وقال العلامة الأستاذ أحمد إبراهيم بك أستاذ الشريعة في كلية الحقوق في كتابه في “علم أصول الفقه”:
“وليعلم أن بين أيدينا الآن كنوزا ثمينة من المصنفات القيمة في التفسير وموسوعات السنة وشروح الحديث مما لم يكن ميسورا وجوده كله مجموعا عند سلفنا الصالح الذين كان يرحل أحدهم إلى البلاد النائية لطلب الحديث الواحد أو الحديثين، كذلك وضعت معاجم قيمة لغريب الكتاب ولغريب السنة، وكتب جمعت آيات الأحكام، وأخرى لأحاديث الأحكام مع تفسير وشرح بالاختصار تارة وبالتطويل أخرى، حتى إنه ليستطيع أن يجلس أحدنا الآن على مكتبه وأمامه من كل ما أسلفنا نسخ متعددة من كل نوع منها. وبالجملة فالاجتهاد ميسور الآن لتكامل عدته تكاملا أكثر مما كان عليه الحال من قبل لمن شمله الله تعالى بهدايته وتوفيقه فجعل عمله خالصا لله ومحضه للنفع العام”.
وقال الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر الأسبق في كتابه “بحوث في التشريع الإسلامي” الذي كتبه ردا على المضيقين والمتشددين من علماء الأزهر، الذين رفضوا أي اجتهاد في قوانين الأحوال الشخصية:
“وليس مما يلائم سمعة المعاهد الدينية في مصر أن يقال عنها أن ما يدرس فيها من علوم اللغة والمنطق والكلام والأصول لا يكفي لفهم خطاب العرب ولا لمعرفة الأدلة وشروطها. وإذا صح هذا فيالضيعة الأعمار والأموال التي تنفق في سبيلها!”.
ليس الاجتهاد ممكنا عقلا فقط، بل هو ممكن عادة. وطرقه أيسر مما كانت في الأزمنة الماضية أيام كان يرحل المحدث إلى قطر آخر لرواية حديث، وأيام كان يرحل الرواة لرواية بيت من الشعر، أو كلمة من كلم اللغة، وقد توافرت مواد البحث في كل فرع من فروع العلوم: في التفسير والحديث والفقه، واللغة والنحو، والمنطق، وجمع الحديث كله، وميز صحيحه من فاسده، وفرغ الناس من تدوين سير الرواة، وأصبحت كتب هذه الفنون تضعها مكاتب الأفراد والحكومات في كل قطر من الأقطار الإسلامية، وهذا لم يكن ميسورا لأحد في العصور الأولى، ومذاهب الفقهاء جميعهم مدونة، وأدلتها معروفة.
والواقع أنه في أكثر المسائل التي عرضت للبحث، وأفتى الفقهاء فيها، لم يبق للمجتهد إلا اختيار رأي من آرائهم فيها، أما الحوادث التي تجد فيها التي تحتاج إلى آراء محدثة، وأن حفظ آيات الأحكام جميعها وأحاديث الأحكام جميعها وفهمها فهما صحيحا، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وحفظ مواقع الإجماع، لا يحتاج إلى المجهود الذي يبذل لفهم مرامي كتاب من كتب الأزهر المعقدة.
إن الزمن لم يغير خلقة الإنسان، والعقول لم تضمر، والطبيعة باقية في الإنسان كما كانت في العصور الماضية، وهاهم علماء الأمم يحدوهم الأمل إلى بلوغ أقصى ما يتصوره العقل البشري ويصلون إليه بجدهم واجتهادهم، وقد كان أسلافهم في عماية وجهل، وكان أسلافنا في نور العلم وضياء المدنية، لم يقل أحد منهم بقصور العزائم، ولا بتراخي الهمم عن البحث والتنقيب، بل كلما مر عليهم الزمن كلما جدوا في البحث والتنقيب، وكثرت وسائط البحث والتنقيب.
وإني مع احترامي لرأي القائلين باستحالة الاجتهاد، أخالفهم في رأيهم، وأقول: إن في علماء المعاهد الدينية في مصر من توافرت فيهم شروط الاجتهاد ويحرم عليهم التقليد.
هذا ما قاله شيوخنا وشيوخ شيوخنا في القرن الرابع عشر، ونستطيع أن نقول الآن في مطالع القرن الخامس عشر: أن كتب العلم ومصادره قد تيسرت للباحثين أكثر مما كانت في زمنهم وظهر كثير مما كان خافيا من كتب التراث، وحقق كثير مما لم يكن محققا من كتب الحديث والتفسير والفقه المذهبي والفقه المقارن والأصول وغيرها. وظهرت أدوات مساعدة مثل أجهزة النسخ والتصوير وأهم منها الخازن أو المنظم أو الحافظ العجيب “الكمبيوتر” الذي يسعى أهل العلم اليوم إلى استخدامه في جمع السنة النبوية وتصنيفها.
فلا غرو أن يوجد في علماء العصر من يبلغ درجة الاجتهاد المطلق. ولا حرج على فضل الله تعالى، وكم ترك الأول للآخر. وقد يفضل اللاحق السابق. وقديما قال الشاعر:
قل لمن لا يرى للمعاصر شيئا ويرى للأوائل التقديما!
إن هذا القديم كان حديثا وسيغدو هذا الحديث قديما!
وفي الحديث الذي رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: “مثل أمتي مثل المطر، لا يدري: أوله خير أم آخره”.
ولقد أفرزت أمتنا في العصر الحديث عباقرة وأفذاذا في العلوم والآداب والفنون المختلفة، فلماذا تعقم أن تبرز مثل هؤلاء النوابغ في مجال الفقه والاجتهاد الإسلامي؟!!
ومن ذا الذي ينكر نبوغ محمد عبده، ورشيد رضا، وعبد المجيد سليم، ومحمود شلتوت، ومحمد الخضر حسين، والطاهر بن عاشور، وفرج السنهوري، وأحمد إبراهيم، وعبدالوهاب خلاف ومحمد أبو زهرة وعلي الخفيف.. رحمهم الله جميعا، وفي المعاصرين الأحياء من لا يقل عنهم علما وفضلا، ولكن المعاصرة حجاب كما قالوا.
وإذا قلنا بتجزؤ الاجتهاد كما هو رأي الأكثرين، فالأمر أسهل وأسهل.
فهناك من العلماء من عكفوا على فقه الأسرة أو الأحوال الشخصية وتفرغوا له، وأتقنوه، ونفذوا إلى أعماق مسائله، فالاجتهاد في هذا المجال ميسور لهم بلا نزاع.
وآخرون تفرغوا لفقه المعاملات المالية أو الجانب الاقتصادي في التشريع الإسلامي، وعنوا بكل ما يتعلق به أو بجانب معين منه، فهم أقدر على الاجتهاد فيه.
وغيرهم اهتم بالفقه الجنائي أو الإداري أو الدستوري، فهم مجتهدون فيما تخصصوا فيه.
وهذا مشروط ـ بالطبع ـ بوجود المؤهلات العلمية العامة التي تمكنهم من فهم ما تخصصوا فيه، وإتقانه وهضمه.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق