7. معرفة الناس والحياة

الاعجاز العلمي في القرآن والسنه

7. معرفة الناس والحياة
وهنا شرط لم يذكره الأصوليون في شروط الاجتهاد، وهو معرفة المجتهد بالناس والحياة من حوله، وذلك أنه لا يجتهد في فراغ، بل في وقائع تنزل بالأفراد والمجتمعات من حوله، وهؤلاء تؤثر في أفكارهم وسلوكهم تيارات وعوامل مختلفة: نفسية وثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية، فلابد للمجتهد أن يكون على حظ من المعرفة بأحوال عصره وظروف مجتمعه، ومشكلاته وتياراته الفكرية والسياسية والدينية، وعلاقاته بالمجتمعات الأخرى ومدى تأثره بها، وتأثيره فيها.
ولقد نقل ابن القيم عن الإمام أحمد، أنه قال: “لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال: أولها أن يكون له نية، فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور، والثانية: أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة، والثالثة: أن يكون قويا على ما هو فيه ومعرفته، والرابعة: الكفاية (أي من العيش) وإلا مضغه الناس، والخامسة: معرفة الناس”.
وقال ابن القيم في شرح الخصلة الخامسة “معرفة الناس”: هذا أصل عظيم يحتاج إليه المفتي والحاكم، فإن لم يكن فقيها فيه، فقيها في الأمر والنهي، ثم يطبق أحدهما على الآخر، وإلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح، وتصور له الظالم بصورة المظلوم وعكسه، والمحق بصورة المبطل وعكسه، وراج عليه المكر والخداع والاحتيال.. بل ينبغي له أن يكون فقيها في معرفة مكر الناس وخداعهم واحتيالهم وعوائدهم وعرفياتهم فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان، والمكان، والعوائد والأحوال، وذلك كله من دين الله.
وهذا في الواقع ليس شرطا لبلوغ مرتبة الاجتهاد، بل ليكون الاجتهاد صحيحا واقعا في محله.
وأكثر من ذلك أن نقول: أن على المجتهد أن يكون ملما بثقافة عصره، حتى لا يعيش منعزلا عن المجتمع الذي يعيش فيه ويجتهد له، ويتعامل مع أهله.
ومن ثقافة عصرنا اليوم: أن يعرف قدرا من علوم النفس والتربية والاجتماع والاقتصاد والتاريخ والسياسة والقوانين الدولية ونحوها من الدراسات الإنسانية، التي تكشف له الواقع الذي يعايشه ويعامله.
بل لابد له كذلك من قدر من المعارف “العلمية” مثل “الأحياء” و”الطبيعة” و”الكيمياء” و”الرياضيات”، ونحوها، فهي تشكل أرضية ثقافية لازمة لكل إنسان معاصر.
وكثير من قضايا العصر، وثيقة الصلة بهذه العلوم، بحيث لا يستطيع أن يفتى فيها من يجهلها، فالحكم على الشيء، فرع عن تصوره، ولو بوجه ما.
وكيف يستطيع الفقيه المسلم أن يفتي في قضايا الإجهاض، أو شتل الجنين، أو التحكم في جنسه، وغير ذلك ن القضايا الجديدة إذا لم يكن لديه قدر من المعرفة بما كشفه العلم الحديث عن الحيوانات المنوية الذكرية، والبويضة الأنثوية وطريقة تلاقي البويضة بالحيوان المنوي وتكون الخلية الواحدة منهما.. وقضية “الجينات” وعوامل الوراثة..الخ هذه القضايا العلمية التي قد ينكرها بعض المشايخ الذين لم يدرسوا هذه العلوم الكونية.
ون هنا أدخل الأزهر هذه العلوم في معاهده ومناهجه من عهد بعيد، لأنها ضرورية لفهم الدين والكون والحياة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وهي امتداد لما كان عليه علماء المسلمين في عصور الازدهار، وأي معهد ديني يستبعد هذه العلوم الكونية من مناهجه لا يمكن أن يعد رجالا قادرين على الاجتهاد في قضايا عصرهم.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق