5. العلم بأصول الفقه

الاجتهاد

5. العلم بأصول الفقه
ومما لابد للمجتهد من معرفته: علم أصول الفقه، وهو علم ابتكره فقهاء الإسلام لإرساء قواعد الاستنباط فيما فيه نص، وضبط الاستدلال فيما لا نص فيه، وهو من مفاخر التراث الإسلامي، ودراسة هذا العلم والتعمق في فهمه ألزم ما يكون للمجتهد وذلك لما تعطيه دراسة “أصول الفقه” لمن يتصدى للاجتهاد من قدرة على الاستدلال، وتمكن من الاستنباط بشروطه، فالبحوث الضافية الموسعة عن الأدلة: المتفق عليه “الكتاب والسنة والإجماع والقياس” والمختلف فيه “شرع من قبلنا، والاستحسان، والمصلحة المرسلة، والعرف والاستصحاب..الخ”، وشروط الاستدلال بهذه الأدلة، وعن المباحث اللغوية من دلالات الأمر والنهي، والعام والخاص، والمطلق والمقيد والمنطوق والمفهوم، والظاهر والمؤول، والنص والإشارة والفحوى، وغيرها.. كل ذلك يجعل المجتهد يقف على أرض صلبة.
قال العلامة الشوكاني: الشرط الرابع أن يكون عالما بأصول الفقه، لاشتماله على ما تمس الحاجة إليه، وعليه أن يطول الباع فيه، ويطلع على مختصراته ومطولاته بما تبلغ به طاقته، فإن هذا العلم هو عماد فسطاط الاجتهاد، وأساسه الذي تقوم عليه أركان بنائه، وعليه أيضا أن ينظر في كل مسألة من مسائله نظرا يوصله إلى ما هو الحق فيها، فإنه إذا فعل ذاك تمكن من رد الفروع إلى أصولها بأيسر عمل.. وإذا قصر في هذا الفن صعب عليه الرد، وخبط فيه وخلط.
قال الفخر الرازي في المحصول وما أحسن ما قال: إن أهم العلوم للمجتهد علم أصول الفقه. انتهى.
وقال الغزالي: “إن أعظم علوم الاجتهاد يشتمل على ثلاثة فنون: الحديث واللغة وأصول الفقه.
معرفة القياس
ويدخل في العلم بأصول الفقه: العلم بالقياس وقوانينه وضوابطه وشرائطه المعتبرة، وما يدخل فيه القياس وما لا يدخل، ومعرفة أوصاف العلة التي يبنى عليها القياس، ويلتحق الفرع بالأصل، لأن القياس ـ كما قال الأسنوي ـ قاعدة الاجتهاد والموصل إلى الأحكام التي لا حصر لها.
ولهذا جعله بعضهم شرطا مستقلا، بل بعضهم جعل الاجتهاد والقياس بمعنى واحد، والصواب أن الاجتهاد أعم من القياس، فهو يشمل الاجتهاد بطريق الاستنباط من النص، والاجتهاد بطريق القياس على المنصوص، والاجتهاد عن طريق الاستصلاح أو الاستحسان ونحوها من الأدلة فيما لا نص فيه.
ولا داعي لجعل معرفة القياس شرطا مستقلا، بعد اشتراط التمكن من علم أصول الفقه، فهو ـ كما قال الشوكاني ـ باب من أبوابه، وشعبة من شعبه.
وهذا القيد ـ معرفة القياس ـ لا يشترطه بالطبع من ينكر القياس ولا يعمل به مثل الظاهرية، فهل يعتبر اجتهادهم حينئذ أم لا؟ وهل يعدون في أهل الإجماع أم لا؟
عزى إلى الجمهور أنهم قالوا: إن نفاة القياس لا يبلغون درجة الاجتهاد.
ومن أهل العلم من لم يتمسك بهذا الشرط في حق من لم يقل بالقياس، وعد الظاهري مجتهدا إذا تحققت فيه الشروط الأخرى، ومن ذا ينكر أن أبا سليمان داود بن علي أو أبا محمد علي بن حزم قد بلغا درجة الاجتهاد المطلق؟!
وينبني على هذا أن يكون خلافهم معتدا به، فلا إجماع فيما خالفوا فيه من الأحكام، وهذا ما ذكره الأستاذ أبو منصور البغدادي: أنه الصحيح من مذهب الشافعية، وقال ابن الصلاح: أنه الذي استقر عليه الأمر.
وقال الشوكاني: “قال القاضي أبو بكر والأستاذ أبو إسحاق: أنه لا يعتد بخلاف من أنكر القياس”، ونسبه الأستاذ إلى الجمهور، وتابعهم إمام الحرمين والغزالي. قالوا: لأن من أنكر لا يعرف طريق الاجتهاد، وإنما هو متمسك بالظواهر، فهو كالعامي الذي لا معرفة له.
قال الشوكاني: ولا يخفاك إن هذا التعليل يفيد خروج من عرف القياس وأنكر العمل به، كما كان من كثير من الأئمة، فإنهم أنكروه عن علم به لا عن جهل.
قال النووي في باب السواك من شرح مسلم: “مخالفة داود لا تقدح في انعقاد الإجماع، على المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون”.
وقال صاحب “المفهم”: “جل الفقهاء والأصوليين: أنه لا يعتد بخلافهم بل هم من جملة العوام، وأن من اعتد بهم فإنما ذلك لأن مذهبه أنه يعتبر خلاف العوام في انعقاد الإجماع. والحق خلافه.
وقال القاضي عبد الوهاب في “الملخص” يعتبر كما يعتبر خلاف من ينفي المراسيل ويمنع العموم ومن حمل الأمر على الوجوب لأن مدار الفقه على هذه الطرق.
وقال الجويني: “المحققون لا يقيمون لخلاف الظاهرية وزنا، لأن معظم الشريعة صادرة عن الاجتهاد وألا تفي النصوص بعشر معشارها”. ويجاب عنه بأن من عرف نصوص الشريعة حق معرفتها، وتدبر آيات الكتاب العزيز، وتوسع في الاطلاع على السنة المطهرة، علم بأن نصوص الشريعة جمع جم، ولا عيب لهم إلا ترك العمل بالآراء الفاسدة التي لم يدل عليها كتاب ولا سنة ولا قياس مقبول. وتلك شكاة ظاهرة عنك عارها، نعم قد جمدوا في مسائل كان ينبغي لهم ترك الجمود عليها، ولكنها بالنسبة إلى ما وقع في مذاهب غيرهم من العمل بما لا دليل عليه ألبته قليلة جدا.
هذا ولا يقال: إن فقهاء الصحابة والتابعين لم يكونوا يعرفون أصول الفقه ولا القياس الذي تتحدثون عنه، فلماذا تشددون على الناس اليوم، وتلزمونهم بما لم يلتزمه السلف؟
ونقول: “إن الصحابة كانوا يعرفون هذه الأشياء بنور البصيرة والفطرة، كما كانوا يعرفون النحو بالسليقة، ولكن ما كانوا يعرفونه بالبصيرة والسليقة قد نما ونظم وقنن، فوجب علينا أن نتعلمه حتى نصل إلى ما كانوا عليه بطريق منظم، وكما لا يستغنى اليوم عن علم النحو، لا يستغنى كذلك على أصول الفقه.
وقد رأينا عجبا ممن يقحمون أنفسهم في ميدان الاجتهاد والفتوى، وهم لم يتقنوا علم “الأصول” بل أحيانا دون أن يقرءوا كتابا واحدا فيه! فكثيرا ما يستدلون بالمطلق وينسون المقيد، ويحتجون بالعام، ويهملون الخاص، ويأخذون بالنص ويغفلون القياس، أو يقيسون على غير أصل، أو يقيسون مع عدم وجود علة مشتركة، أو مع وجود فارق معتبر بين الفرع المقيس والأصل المقيس عليه.
ولأضرب مثلا بما كتبه بعضهم في بعض الصحف اليومية في القاهرة: إنه لا ربا بين الحكومة والشعب، قياسا على أنه “لا ربا بين الوالد وولده”، وهذا الحكم الذي اعتبروه “أصلا” ليس فيه نص ولا إجماع، بل هو قول لبعض المذاهب، فكيف يعتبر أصلا مقررا يقاس عليه غيره؟ وإنما القياس على ما فيه نص ثابت، أو إجماع يقيني.
على أننا لو سلمنا بهذا الحكم، “أن لا ربا بين الوالد وولده” لا نسلم بأن الحكومة مع الشعب كالوالد مع ولده، فقد جاء الحديث صريحا بالنسبة للوالد وولده، إذ قال: “أنت ومالك لأبيك”.
فهل نفتي بأن الشعب وأموله للحكومة، ونجرئ الحكام على أموال الناس وحرماتهم وأملاكهم الخاصة، ونقول لهم: أنتم وأموالكم للحكومة؟!
وترى أحدهم يقول: “العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب” وهذا صحيح على ما فيه من خلاف، ولكنه لا يدري ما هو العام؟ وما هو الخاص؟ وما هي ألفاظ العموم”؟
كما قال بعضهم في قوله تعالى في نساء النبي: (وقرن في بيوتكن) (وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب) هذا لجميع النساء، والعبرة بعموم اللفظ! وأين عموم اللفظ هنا؟ وإنما هو خطاب خاص مسبوق بقوله: (يا نساء النبي) مؤكد بقوله: (لستن كأحد من النساء) وذكر من الأحكام القدرية والتكليفية ما هو من خصوصياتهن مثل مضاعفة العذاب لمن عصت منهن (يضاعف لهن العذاب ضعفين) ومضاعفة الثواب لمن أحسنت منهن (نؤتها أجرها مرتين) وتحريم نكاحهن بعده صلى الله عليه وسلم.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق