4. العلم بمواضع الإجماع

الاجتهاد

4. العلم بمواضع الإجماع
ويأتي بعد ذلك العلم بمواضع الإجماع، حتى لا يفتى بخلاف الإجماع، كما يلزمه معرفة النصوص، حتى لا يفتى بخلافها.
قال الغزالي: “والتخفيف في هذا الأصل: أن لا يلزمه أن يحفظ جميع مواقع الإجماع والخلاف، بل كل مسألة يفتى فيها، فينبغي أن يعلم أن فتواه ليس (كذا) مخالفا للإجماع، إما بأن يعلم أنه موافق مذهب من مذاهب العلماء، أيهم كان، أو يعلم أن هذه واقعة متولدة في العصر لم يكن لأهل الإجماع فيها خوض، فهذا القدر فيه كفاية”.
وعلى هذا، لا تحتاج المسائل الجديدة التي هي من مستحدثات عصرنا، مثل “نقل الدم” أو “زرع الأعضاء” المنقولة من الحي إلى الحي، أو من جثة ميت، ووصية بعض الناس بالانتفاع بجزء من بدنه، أو بجثته كلها لخدمة الغير أو الإنعاش الطبي المكثف لمريض فقد وعيه وإحساسه العصبي، أو ما يسمونه “شتل الجنين” أو “الرحم الظئر” أو “بنوك الأجنة المجمدة” أو “التحكم في جنس الجنين” أو استخدام الأشعة أو الذرة في السلم أو الحرب، ونحو ذلك مما لم يعرفه الأولون، ولم يخطر ببالهم، لا تحتاج هذه القضايا إلى البحث عن معرفة رأي أهل الإجماع فيها.. إذ ليس لهم فيها رأي.
والمهم هنا أن يثبت الإجماع بيقين لا شك فيه، فإذا استيقن المجتهد الإجماع في مسألة، فليوفر على نفسه عناء الاجتهاد، فقد فرغت منها الأمة التي أبى الله أن يجمعها على ضلالة.
وهذه المواضع الإجماعية في فقهها هي التي تجسم الوحدة الفكرية والسلوكية للأمة وتحفظها من عوامل التشتت والتمزق.
فإذا أجمعت الأمة على حل حلي الذهب للنساء، ولم يختلفوا إلا في زكاتها فلا مجال لمخالفة هذا الإجماع الذي نقله غير واحد وأقرته جميع المذاهب المتبوعة، واستقر عليه الفقه المتصل بعمل الأمة خلال أربعة عشر قرنا، في أقطار الإسلام كافة.
ومن هنا يكون اجتهاد الشيخ الألباني الذي خرج به في رسالته في “الزفاف” وأعلن به تحريم “الذهب المحلق” على النساء، اجتهادا مرفوضا، لأنه خالف الإجماع المتيقن.
ومثل ذلك: اجتهاد بعض الباحثين المعاصرين في إباحة زواج المسلمة بالكتابي قياسا على زواج المسلم بالكتابية.
وهو اجتهاد مرفوض كذلك، لإجماع المسلمين في كل العصور ومن جميع المذاهب على تحريمه، واستقرار عمل الأمة عليه طوال قرون، بالإضافة إلى عموم قوله تعالى في سورة الممتحنة: (فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار، لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن).
تنبيهات مهمة حول الإجماع
وأحب أن أنبه هنا إلى عدة أمور:
1. إن هذا الشرط إنما يشترطه من يقول بحجية الإجماع، ويرى أنه دليل شرعي كما نبه على ذلك الشوكاني فأما من يقول بعدم إمكانه، أو بعدم وقوعه أو بعدم العلم به، أو بعدم حجيته، فلا موضع لهذا الشرط عنده.
2. إنه قلما يلتبس على من بلغ رتبة الاجتهاد ما وقع عليه الإجماع من مسائل الفقه، كما قال الشوكاني، وقد جمعتهما بعض الكتب المختصرة مثل “مراتب الإجماع” لابن حزم، و”الإجماع” لابن المنذر.
3. إن كثيرا مما ادعى فيه الإجماع من مسائل الفقه قد ثبت فيه الخلاف، وقد لمست هذا بنفسي، وأنا أبحث في “فقه الزكاة” في عدد من المسائل، وهذا ما جعل الإمام أحمد يقول كلمته المشهورة: “من ادعى الإجماع فقد كذب، وما يدريه، لعل الناس اختلفوا وهو لا يدري”.
ومن ذلك: اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية ومدرسته في مسائل “الطلاق الثلاث” والحلف بالطلاق، أي الطلاق الذي يراد به الحمل على شيء أو المنع منه وغير ذلك مما أخذت به قوانين الأسرة في كثير من البلاد الإسلامية، وتبناه الجم الغفير من علماء العصر، إنقاذا للأسرة المسلمة من التفكك والانهيار الذي هددها قرونا، ساد فيها الاتجاه القائل بالتوسع في إيقاع الطلاق حتى ادعى فيه الإجماع.. ومثل ذلك “قانون الوصية الواجبة” الذي أخذ به بناء على مذهب بعض السلف في العمل بآية البقرة، وإنها محكمة غير منسوخة: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين) [البقرة:180].
4. أن من الإجماع ما يقبل الإبطال بإجماع جديد. وذلك فيما بنى الإجماع فيه على عرف تبدل، أو مصلحة زمنية تغيرت، لأن المصلحة المذكورة هي علة الحكم، والمعلول يدور مع علته وجودا وعدما.
صحيح أن الجمهور منعوا ذلك، لأن كون الإجماع حجة يقتضي امتناع حصول إجماع آخر مخالف له، وجوزه أبو عبدالله البصري، وقال: إنه لا يقتضي ذلك، لإمكان تصور كونه حجة إلى غاية، هي حصول إجماع آخر، قال الصفي الهندي: ومأخذ أبي عبدالله قوي، وقال الرازي: وهو الأولى. وكذلك ذكر العلامة البزدوي: أن الإجماع الاجتهادي يجوز أن ينسخ بمثله. وينبغي حمل كلام الجمهور في عدم الجواز على الإجماع النقلي، أي المبني على دليل نقلي من كتاب أو سنة، فإن الإجماع الثاني لا يتصور إلا بحدوث دليل جديد من كتاب أو سنة، وهو غير ممكن بعد انقطاع الوحي.
5. أن بعض مواضع الإجماع النقلي ذاته قابلة للاجتهاد إذا كان النص مبنيا على رعاية عرف معين أو مصلحة معينة، فتبدل العرف أو تغيرت المصلحة.
مثال ذلك: إجماعهم على أن للزكاة نصابين متفاوتين: أحدهما من الذهب والآخر من الفضة، بناء على ما صح من أحاديث، وما ورد من آثار، بأن للفضة نصابا هو مائتا درهم، وللذهب نصابا هو عشرون دينارا، أو عشرون مثقالا.
وذلك أن هذا الإجماع مبني على عرف قائم في عصر النبوة، وهو وجود عملتين متداولتين في المجتمع، إحداهما من الدراهم الفضية القادمة من فارس والأخرى من الدنانير الذهبية الواردة من دولة الروم، وكان الدينار حينئذ يصرف بعشرة دراهم، فقدر النصاب بمبلغين متساويين في القيمة وقتها.
ولكن الوضع تغير، وخاصة في عصرنا، فأصبحت قيمة النصاب إذا قدر بالفضة دون نصاب الذهب بمراحل. فاقتضى الاجتهاد الصحيح توحيد النصاب، واعتباره بالذهب، لأنه وحدة التقدير التي احتفظت بثباتها النسبي على مر العصور.
وقد أدخل بعض الباحثين هنا ـ مع شرط العلم بمواضع الإجماع ـ العلم بمواضع الخلاف، لما لها من أهمية في تكوين ملكة الفقه والاطلاع على مداركه، ومسالك الاستنباط فيه.
ورأيي أن هذا يدخل في شرط آخر مختلف فيه، وهو معرفة فروع الفقه وهل هي لازمة أو لا؟ وسنعرض لذلك فيما بعد.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق