3. العلم بالعربية

الاجتهاد

3. العلم بالعربية
ولابد للمجتهد أن يكون عالما بالعربية، بمعنى أن يعرف اللغة وعلومها معرفة تيسر له فهم خطاب العرب، وذلك أن القرآن الكريم قد نزل بلسان عربي مبين والسنة قد نطق بها رسول عربي، وهذا يخص السنة القولية، والسنة الفعلية والتقريرية قد نقلها أصحابه، وهم عرب من أهل الفصاحة والبيان.
فكان لابد أن يعرف من اللغة والنحو ـ كما قال الإمام الغزالي ـ القدر الذي يفهم به خطاب العرب وعادتهم في الاستعمال، إلى حد يميز به بين صريح الكلام وظاهره ومجمله، وحقيقته ومجازه، وعامه وخاصه، ومحكمه ومتشابهه، ومطلقه ومقيده، ونصه وفحواه، ولحنه ومفهومه.
قال الغزالي: والتخفيف فيه أنه لا يشترط أن يبلغ درجة الخليل والمبرد وأن يعرف جميع اللغة، وأن يتعمق في النحو، بل القدر الذي يتعلق بالكتاب والسنة ويستولي به على مواقع الخطاب، ودرك حقائق المقاصد منه.
لابد للمجتهد إذن من معرفة معاني المفردات ودلالاتها، حتى يكون استنباط الحكم منها صحيحا وكثيرا ما يؤدي الاختلاف في تفسير معاني الكلمات سببا في اختلاف الفقهاء في الأحكام المأخوذة منها.
فقوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) [البقرة:228] تقتضي من المجتهد أن يبذل جهده لتحديد معنى (القرء) في الآية، أهو الحيض أم الطهر؟
والنصوص التي وردت في الرضاعة والإرضاع في القرآن مثل قوله تعالى: (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة) [سورة النساء:23] وكذلك ما ورد من ذلك في الحديث: “يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب” “إنما الرضاعة من المجاعة” الخ، لا يعرف الحكم المستنبط منها إلا بتحديد معنى الرضاعة والرضاع والإرضاع أهو مجرد وصول اللبن إلى الجوف، ولو عن طريق الوجور في الحلق أو السقوط في الأنف، أم هو امتصاص اللبن من الثدي بطريق الفم والالتقام؟
والتفريق في مصارف الزكاة بين (لام) الجر و(في) في آية التوبة (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل) [التوبة:61] لابد أن يكون لمعنى وهدف.
ومثل ذلك قوله تعالى: (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) [المائدة:6]، علام تدل (الباء) في (برؤوسكم)؟ أهي زائدة والمطلوب مسح الرأس كله؟ أم هي للإلصاق فيكون المطلوب جزءا من الرأس وهو ما قدره الحنفية بالربع؟ أم هي للتبعيض فيكفي شعرات للمسح؟
ولابد للمجتهد من معرفة دلالات الجمل، ما كان منها على سبيل الحقيقة وما كان على سبيل المجاز أو الكناية، ودلالات التقديم والتأخير والحذف والحصر، وغيرها مما يشمله علم المعاني والبيان.
فقوله تعالى: (أو لامستم النساء) يحتمل أن يراد به الحقيقة، كما هو مذهب الشافعي، وهو مجرد لمس البشرة للبشرة، وأن يكون كناية عن الجماع، كما قال ابن عباس: “إن اللمس والملامسة والمس في القرآن كناية عن الجماع” وهو ما تدل عليه الاستعمالات القرآنية بالفعل.
وكذلك لابد للمجتهد من إتقان علم النحو والصرف، حتى يفهم في ضوئه قراءة مثل قراءة: (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين)، بخفض (أرجلكم) بطريق المجاورة كما هو معروف.
وفي قوله سبحانه: (ويسألونك عن المحيض، قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن، فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله) [البقرة:222] يتحدد الحكم بتحديد معنى (المحيض) هل هو مصدر ميمي بمعنى (الحيض) أو اسم مكان بمعنى (موضوع الحيض) ولكل من المعنيين أثره.
وكذلك الفرق بين (يطهرن) بالتخفيف وبين (يطهرن) بالتشديد كما يتضح ذلك بالرجوع إلى التفاسير المعنية بآيات الأحكام.
وذكر الشوكاني في هذا الشرط للمجتهد: أن يكون عالما بلسان العرب بحيث يمكنه تفسير ما ورد في الكتاب والسنة من الغريب ونحوه، قال ولا يشترط أن يكون حافظا لها عن ظهر قلب، بل المعتبر أن يكون متمكنا من استخراجها من مؤلفات الأئمة المشتغلين بذلك، وقد قربوها أحسن تقريب، وهذبوها أبلغ تهذيب، ورتبوها على حروف المعجم ترتيبا لا يصعب الكشف عنه، ولا يبعد الاطلاع عليه، وإنما يتمكن من معرفة معانيها وخواص تركيبها، وما اشتملت عليه من لطائف المزايا، من كان عالما بعلم النحو والصرف والمعاني والبيان، حتى يثبت له في كل فن من هذه ملكة يستحضر بها كل ما يحتاج إليه عند وروده عليه، فإنه عند ذلك ينظر في الدليل نظرا صحيحا، ويستخرج منه الأحكام استخراجا قويا. ومن جعل المقدار المحتاج إليه من هذه الفنون هو معرفة مختصراتها أو كتاب متوسط من المؤلفات الموضوعة فيها فقد أبعد، بل الاستكثار من الممارسة لها، والتوسع في الاطلاع على مطولاتها، مما يزيد المجتهد قوة في البحث، وبصرا في الاستخراج، وبصيرة في حصول مطلوبه، والحاصل أنه لابد أن تثبت له الملكة القوية في هذه العلوم، وإنما تثبت هذه الملكة بطول الممارسة، وكثرة الملازمة لشيوخ هذا الفن. قال الإمام الشافعي: “يجب على كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما يبلغه جهده في أداء فرضه” قال الماوردي: “ومعرفة لسان العرب فرض على كل مسلم من مجتهد وغيره”.
وهذا يدلنا على مدى الارتباط العضوي بين الإسلام والعربية، فالعربية هي لسان الإسلام، ووعاء ثقافته، ولا سبيل إلى فهم الإسلام فهما صحيحا بغير تذوق العربية وإتقانها، ومن ثم أوجب الشافعي على كل مسلم تعلم ما يمكنه من ذلك ما استطاع، وفقا للإمكانات المتاحة لمثله في بيئته وثقافته، فكيف بمن يريد بلوغ مرتبة الاجتهاد في فقه الشريعة وأحكامها؟!
ومقتضى كلام الشوكاني أنه يشترط للمجتهد في الأحكام أن يبلغ درجة الاجتهاد في العربية وعلومها، وهو ما صرح به الشاطبي، على حين اكتفى الآخرون بتحصيل بعض المختصرات!
قال العلامة محمد الخضر حسين:
“وقد يقع في خاطرك أن شرط الاجتهاد في اللسان العربي يجعل رتبة الاجتهاد في الشريعة بمنزلة المتعذر، فإنه يقتضي أن يسلك الفقيه في البحث عن معاني الألفاظ وأحكامها ووجوه بلاغتها الطرق التي سلكها أئمة تلك العلوم، ولا يكفيه أن يأخذ من القاموس أن النكاح مثلا يطلق على الوطء والعقد، ومن كتاب سيبويه أن الخفض يكون بالجوار ومن دلائل الإعجاز أن تقديم المعمول أو تعريف المسند يفيد القصر، حتى يتتبع كلام العرب نفسه، ويقف على صحة إطلاق النكاح على الوطء والعقد، ويظفر بشواهد كثيرة يحقق بها قاعدة الخفض بالجوار، وشواهد أخرى يعلم بها أن تقديم المعمول أو تعريف الطرفين يفيد الحصر، وتكليفه بأن يبلغ في علوم اللغة هذه الغاية يشبه التكليف بما لا تسعه الطاقة.
وجواب هذا: أن المجتهد في الشريعة لابد له من أن يرسخ في علوم اللغة رسوخ البالغين درجة الاجتهاد، وله أن يرجع في أحكام الألفاظ ومعانيها إلى رواية الثقة وما يقوله الأئمة، وإذا وقع نزاع في معنى أو حكم توقف عليه فهم نص شرعي تعين عليه حينئذ بذل الوسع في معرفة الحق بين ذلك الاختلاف، ولا يسوغ له أن يعمل على أحد المذاهب النحوية أو البيانية في تقرير حكم إلا أن يستبين له رجحانه بدليل.
والذي أؤكده أن المهم هنا أن يحس المجتهد من نفسه أنه أصبح قادرا على تذوق كلام العرب وفهمه، والغوص على معانيه، بمثل ما كان عليه العربي الأول بسليقته وسلامة فطرته، قبل أن يستعجم الناس، ويفسد اللسان والذوق، وإن لم يبلغ درجة الاجتهاد في اللغة وعلومها. فهذا قد يصعب، فالتخفيف الذي ذكره الإمام الغزالي مقبول بهذا التفسير الذي فسره شيخنا الأكبر محمد الخضر حسين رحمه الله.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق