2. العلم بالسنة

الاجتهاد

2. العلم بالسنة
والشرط الثاني: العلم بالسنة ـ ونعني بها: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير. ولم يشترطوا العلم بجميع ما جاء في السنة، فهي بحر زاخر، وإنما اشترطوا معرفة الأحاديث التي تتعلق بالأحكام فلا يلزمه معرفة ما يتعلق من الأحاديث بالمواعظ والقصص وأحكام الآخرة ونحوها.
قال الغزالي: “وهي ـ وإن كانت زائدة على ألوف فهي محصورة”.
وقال الشوكاني:
“واختلفوا في القدر الذي يكفي المجتهد من السنة، فقيل: خمسمائة حديث وهذا من أعجب ما يقال! فإن الأحاديث التي تؤخذ منها الأحكام الشرعية ألوف مؤلفة”.
وقال ابن العربي في “المحصول” هي ثلاثة آلاف.
وقال أبو علي الضرير لأحمد بن حنبل: كم يكفي الرجل من الحديث حتى يمكنه أن يفتي؟ يكفيه مائة ألف؟ قال: لا، قلت ثلاثمائة ألف؟ قال: لا، قلت: أربعمائة ألف؟ قال:لا، قلت: خمسمائة ألف؟ قال: أرجو.
قال الزركشي: “وكأن مراده بهذا العدد آثار الصحابة والتابعين وطرق المتون” ولهذا قال: “من لم يجمع طرق الحديث لم يحل له الحكم ولا الفتيا”.
قال بعض أصحابه: هذا محمول على الاحتياط والتغليظ في الفتيا أو يكون أراد وصف أكمل الفقهاء، فأما ما لابد منه، فقد قال أحمد رحمه الله الأصول التي يدور عليه العلم عن النبي لله ينبغي أن تكون ألفا ومائتين.
والواقع يوجب على المجتهد أن يكون واسع الاطلاع على السنة كلها وإن وجه مزيد اهتمام إلى أحاديث الأحكام، فقد توجد أحاديث بعيدة عن مجال الأحكام في الظاهر، ولكن الفقيه يستنبط منها من الأحكام ما قد يفوت غيره.
وأيا كان القدر المطلوب للمجتهد، فلا يلزم ـ كما قاله الغزالي وغيره أن يحفظه عن ظهر قلب، مثل حفاظ الحديث الذين عرفهم تاريخ العلم عندنا، وإن كان هذا أفضل وأكمل.
ويكفيه أن يعرف مواقع كل باب، فيراجعه وقت الحاجة إلى الاجتهاد أو الفتوى، وقد يساعد في هذا كتب الفهارس اللفظية والموضوعية وكتب الأطراف وغيرها.
واكتفى الغزالي أن يكون عنده أصل مصحح لجميع الأحاديث المتعلقة بالأحكام كسنن أبي داود، و”معرفة السنن” لأحمد البيهقي، أو أصل وقعت العناية فيه بجميع الأحاديث المتعلقة بالأحكام.
وتبع الغزالي على ذلك الرافعي، ونازعه النووي، وقال: “لا يصح التمثيل بسنن أبي داود، فإنها لم تستوعب الصحيح من أحاديث الأحكام ولا معظمها، وكم في صحيح البخاري ومسلم من حديث حكمي ليس في سنن أبي داود”
وكذا قال ابن دقيق العبد: التمثيل بسنن أبي داود عندنا ليس بجيد لوجهين:
الأول: أنها لا تحوي السنن المحتاج إليها.
الثاني: أن في بعضها ما لا يحتج به في الأحكام.
والوجه الثاني يحتمل أن بعض أحاديث أبي داود في غير مجال الأحكام، كما يحتمل أنها لا تبلغ مرتبة الصحة أو الحسن المحتج به في الأحكام، وكلا الأمرين ثابت ومعترف به.
ماذا يعني العلم بالسنة؟
والعلم بالسنة يعني فيما يعني عدة أمور:
أولا: علم دراية الحديث: وقد جعله الغزالي شرطا مستقلا، وحقه أن يكون داخلا في شرط معرفة السنة.
والمراد بذلك كما قال الغزالي: معرفة الرواية، وتمييز الصحيح منها عن الفاسد والمقبول عن المردود، فإن مالا ينقله العدل عن العدل فلا حجة فيه، والتحقيق فيه:أن كل حديث يفتى به مما قبلته الأمة، فلا حاجة به إلى النظر في إسناده. وإن خالفه بعض العلماء، فينبغي أن يعرف رواته وعدالتهم، فإن كانوا مشهورين عنده، كما يرويه الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر مثلا، اعتمد عليه. فهؤلاء قد تواتر عند الناس عدالتهم وأحوالهم، والعدالة إنما تعرف بالخبرة والمشاهدة، أو بتواتر الخبر فما نزل عنه فهو تقليد، وذلك بأن يقلد البخاري ومسلما في أخبار الصحيحين، وإنهما ما رووها إلا عمن عرفوا عدالته، فهذا مجرد تقليد، وإنما يزول التقليد بأن يعرف أحوال الرواة بتسامع أحوالهم وسيرهم، ثم ينظر في سيرهم أنها تقتضي العدالة أم لا، وذلك طويل، وهو في زماننا مع كثرة الوسائط عسير. والتخفيف فيه: أن يكتفي بتعديل الإمام العدل بعد أن عرفنا أن مذهبه في التعديل مذهب صحيح فإن المذاهب مختلفة فيما يعدل به ويجرح، فإن من مات قبلنا بزمان امتنعت الخبرة والمشاهدة في حقه، ولو شرط أن تتواتر سيرته فذلك لا يصادف إلا في الأئمة المشهورين، فيقلد في معرفة سيرته عدلا فيما يخبر، فيقلد في تعديله، بعد أن عرفنا صحة مذهبه في التعديل، فإن جوزنا للمفتي الاعتماد على الكتب الصحيحة التي ارتضى الأئمة رواتها قصر الطريق على المفتي، وإلا طال الأمر، وعسر الخطب في هذا الزمان، مع كثرة الوسائط، ولا يزال الأمر يزداد شدة بتعاقب الأعصار.
والخلاصة: أنه لا بد للمجتهد من العلم بأصول الحديث وعلومه، والاطلاع على علم الرجال، وشروط القبول، وأسباب الرد للحديث، ومراتب الجرح والتعديل، وغيرها مما يتضمنه علم المصطلح، ثم تطبيق ذلك على ما يستدل به من الحديث.
ثانيا: معرفة الناسخ والمنسوخ من الحديث: حتى لا يحكم بحديث قد ثبت نسخه وبطل العمل به، كالأحاديث التي رويت في جواز “نكاح المتعة” فقد ثبت نسخها بأحاديث أخرى.
قال الغزالي: “والتخفيف في ذلك، أن يعلم أن ذلك الحديث ليس من جملة المنسوخ”.
وقد ألفت كتب في ذلك، ما بين متوسع في النسخ، ومضيق فيه، ومتوسط فيه، ومن أشهرها كتاب الحازمي “الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار”.
وكما أن كثيرا مما قيل بنسخه في القرآن ليس بمنسوخ حقيقة، كذلك ما قيل بنسخه في السنة ليس بمنسوخ.
من ذلك ما ذكروه في حديث سلمة بن الأكوع في الصحيح وهو حديث: “كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي، فكلوا وأطعموا وادخروا” فقد قيل: إن النهي عن الادخار نسخ وبطل حكمه بقوله في الحديث: “وادخروا” وقيل: إنه ليس من باب النسخ، بل من باب نفي الحكم لانتفاء علته، وقد جاء في بعض روايات الحديث بيان علة النهي بقوله: “إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت” يعني الجماعة التي وفدت على المدينة من خارجها في عيد الأضحى. لهذا أنكر الإمام القرطبي في التفسير أن يكون ذلك من باب النسخ، قائلا: “بل هو حكم ارتفع لارتفاع علته، لا لأنه منسوخ، وفرق بين رفع الحكم بالنسخ، ورفعه لارتفاع علته، لا لأنه منسوخ، وفرق بين رفع الحكم بالنسخ، ورفعه لارتفاع علته، فالمرفوع بالنسخ لا يحكم به أبدا، والمرفوع بارتفاع علته يعود بعود العلة..الخ”.
وعندي: أن مثل من معرفة الناسخ والمنسوخ معرفة “مختلف الحديث” أي الأحاديث المتعارضة الظواهر، وكيف يؤولها ويوفق بينها: بتقييد مطلقها وتخصيص عامها.. إلى غير ذلك من وسائل الجمع أو الترجيح، وقد كتب في ذلك ابن قتيبة كتابه “تأويل مختلف الحديث”. والطحاوي كتابه “مشكل الآثار” وتعرض لذلك سائر الفقهاء في مواضع متناثرة، وبخاصة الإمام الشافعي فهو أول من عنى بذلك.
ومثل ذلك بل أهم منه التوفيق بين الحديث والقرآن، فالسنة إنما جاءت مبينة للقرآن لا معارضة له.
ومن هنا يلزم المجتهد أن يجمع الأحاديث الواردة والثابتة في موضوعه، ويتدبر العلاقة بينها، فيبين عامها بخاصها، ويحمل مطلقها على مقيدها، ويوضح مجملها بمفصلها، ومبهمها بمفسرها، كما يربطها بالأًصل الأول: القرآن الكريم، ولا يضرب النصوص بعضها ببعض.
ثالثا: معرفة أسباب ورود الحديث
وإذا كانت معرفة أسباب نزول القرآن لازمة لمن يريد فهم القرآن، فإن معرفة أسباب ورود الحديث ألزم لمن يريد فهم السنة، لأن القرآن بطبيعته عام لكل الأحوال والأمكنة والأزمنة، أما السنة فكثيرا ما تأتي لعلاج قضايا خاصة وأوضاع معينة، يتغير الحكم بتغيرها، مثال ذلك حديث جابر عن الشيخين: “سموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي”، فظاهره النهي عن تكنية أحد بـ “أبي القاسم” في كل مكان وزمان. ولكن روى البخاري عن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم في السوق، فقال رجل: يا أبا القاسم، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إنما دعوت هذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “سموا باسمي..الحديث”.
فهذا الحديث يدل على أن النهي مقصور على زمنه صلى الله عليه وسلم وحتى لا يحدث التباس عند الدعاء ونحوه، ولهذا تكنى كثير من العلماء والصلحاء بـ “أبى القاسم” طول العصور الإسلامية، ولم يجدوا في ذلك حرجا ولم ينكر عليهم أحد.
وإنما يعرف ذلك بالرجوع إلى مصادر الحديث الأصلية فإن المختصرات كثيرا ما تذكر الحديث مبتورا عن سببه وملابسة وروده.
وقد حاول بعض المتأخرين جمع هذا النوع في مؤلف خاص كما في كتاب “البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف” لإبراهيم بن محمد كمال الدين الشهير بابن حمزة الحسيني وقد طبع في جزأين، ولكنه لا يغني عن مراجعة المصادر الأصلية.
تنبيهات
وأود أن أنبه هنا على جملة أمور:
أولا: علق الشوكاني على الذين فرطوا في اشتراط السنة للمجتهد، واكتفوا له بخمسمائة حديث، والذين أفرطوا، فاشترطوا خمسمائة ألف حديث، أي ألف ضعف بالنسبة للقول الأول! قال: “ولا يخفاك أن كلام أهل العلم في هذا الباب بعضه من قبيل الإفراط وبعضه من قبيل التفريط، والحق الذي لا شك فيه ولا شبهة أن المجتهد لا بد أن يكون عالما بما اشتملت عليه مجاميع السنة التي صنفها أهل الفن كالأمهات الست وما يلحق بها، مشرفا على ما اشتملت عليه المسانيد والمستخرجات والكتب التي التزم مصنفوها الصحة، ولا يشترط في هذا أن تكون محفوظة له مستحضرة في ذهنه، بل يكون ممن يتمكن من استخراجها من مواضعها بالبحث عنها عند الحاجة إلى ذلك، وأن يكون ممن له تمييز بين الصحيح منها والحسن والضعيف، بحيث يعرف حال رجال الإسناد معرفة يتمكن بها من الحكم على الحديث بأحد الأوصاف المذكورة، وليس من شرط ذلك أن يكون حافظا لحال الرجال عن ظهر قلب، بل المعتبر أن يتمكن بالبحث في كتب الجرح والتعديل من معرفة حال الرجال، مع كونه ممن له معرفة تامة بما يوجب الجرح ومالا يوجبه من الأسباب، وما هو مقبول منها وما هو مردود، وما هو قادح من العلل وما هو غير قادح”.
ثانيا: أن الأحاديث التي لها تعلق بالأحكام، قد جمعت في بعض المؤلفات ما بين مختصر ومطول.
منها: كتاب “عمدة الأحكام” للحافظ المقدسي، وقد اقتصر فيه على الصحيحين وحدهما، وقد شرحه الإمام ابن دقيق العبد، في كتاب “الأحكام” وكتب الصنعاني عليه حاشية “العدة” وبلغت أحاديثه 419 حديثا.
ومنها كتاب “الأحكام” لعبد الحق الأشبيلي، ولكنه لا يزال مخطوطا، ولابن القطان تعليق واستدراك عليه.
ومنها: “الإلمام بأحاديث الأحكام” لابن دقيق العبد، وفيه جمع (1417) من الأحاديث.
ومنها: “بلوغ المرام من أدلة الأحكام” للحافظ ابن حجر العسقلاني، وقد بلغت أحاديثه 1596 (ستة وتسعين وخمسمائة وألف حديث) “ط صبيح بتعليق محمد حامد الفقي” وشرحه العلامة الصنعاني في “سبل السلامِ”.
ومنها: “منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار” لأبي بركات مجد الدين عبد السلام بن تيمية الجد. وقد بلغت أحاديثه في الطبعة التي حققها المرحوم الشيخ محمد حامد الفقي 5029 (خمسة آلاف وتسعة وعشرين حديثا) ولكنه عد كل رواية لحديث فيها تغيير كلمة أو جملة أو زيادة لفظه، حديثا ذا رقم مستقل.
وقد شرح هذا المنتقى العلامة الشوكاني في كتابه الشهير “نيل الأوطار”. وقد أصبح هو وكتاب “سبل السلام” من أهم المصادر لأحاديث الأحكام وشروحها.
ومنها: “شرح معاني الآثار” لحافظ الحنفية أبي جعفر الطحاوي.
ومنها: “السنن الكبرى” للحافظ البيهقي، وقد طبع في عشرة مجلدات كبار وهو يستدل فيه لمذهب الشافعي، وقد علق عليه ابن التركاني الحنفي، وتعقبه في بعض المواضع، وسمى تعليقه “الجوهر الفقي” وهو مطبوع معه في حاشيته.
ثالثا: من النافع هنا: مراجعة كتب التخريج لأحاديث الأحكام، مثل “نصب الراية لأحاديث الهداية” للحافظ الزيلعي الحنفي، وقد لخصه الحافظ ابن حجر في “الدراية” وأضاف إليه فوائد.
ومنها: “تلخيص الحبير، في تخريج شرح الرافعي الكبير” لابن حجر أيضا، لخص فيه تخريجات الحفاظ والنقاد قبله لما جاء في شرح الرافعي على “وجيز الغزالي” من أحاديث، وزاد عليها، وذكر في مقدمته: أنه يشمل جل ما يستدل به الفقهاء في كتبهم من الأحاديث. وقد بلغت أحاديثه 2161 حديث، في الطبعة التي علق عليها السيد محمد هاشم اليماني.
وفي عصرنا خرج الشيخ الألباني أحاديث “منار السبيل” في الفقه الحنبلي في كتاب من ثمانية أجزاء أسماه “إرواء الغليل”.
ولابن الجوزي كتاب “التحقيق في أحاديث التعليق” تكلم فيه على الأحاديث التي يذكرها الفقهاء عادة في كتبهم معلقة. وقد نقحه ابن عبد الهادي وبين أوهام ابن الجوزي، وأضاف إليه فوائد وسمى كتابه “تنقيح التحقيق”. والكتابان لا يزالان مخطوطين فيما أعلم.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق