معنى الاجتهاد

الاجتهاد

معنى الاجتهاد

الاجتهاد في اللغة: مشتق من مادة: (ج هـ د) بمعنى: بذل الجهد (بضم الجيم) (وهو الطاقة) أو تحمل الجهد (بفتح الجيم) وهو المشقة.
وصيغة “الافتعال” تدل على المبالغة في الفعل، ولهذا كانت صيغة “اكتسب” أدل على المبالغة من صيغة “كسب”.
فالاجتهاد في اللغة: استفراغ الوسع في أي فعل كان، ولا يستعمل إلا فيما فيه كلفة، وجهد، فيقال: اجتهد في حمل حجر الرحا، ولا يقال: اجتهد في حمل خردلة.
وأما في اصطلاح الأصوليين، فقد عبروا عنه بعبارات متفاوتة، لعل أقربها ما نقله الإمام الشوكاني في كتابه “إرشاد الفحول” في تعريفه بقوله: “بذل الوسع في نبل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط”.
وبعض الأصوليين لم يكتف بكلمة “بذل الوسع” وجعل بدلها كلمة “استفراغ الوسع” بل زاد الإمام الآمدي على ذلك فقال في تعريفه: “هو استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد عليه” فجعل الإحساس بالعجز عن المزيد جزءا من الحد والتعريف، أما الإمام الغزالي فجعل ذلك جزءا من تعريف “الاجتهاد التام”.
هذا مع أن العبارة الأولى كافية، إذ ليس على المكلف إلا بذل وسعه، كما قال تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) [البقرة: 286] وإنما قالوا ذلك ليسدوا الطريق على المتسرعين والمقصرين الذين يخطفون الأحكام خطفا، دون أن يجهدوا أنفسهم في مراجعة الأدلة، والتعمق في فهمها، والاستنباط منها، والنظر فيما يعارضها.
ونص الإمام الشافعي رضي الله عنه على أن المجتهد لا يقول في المسألة: لا أعلم، حتى يجهد نفسه في النظر فيها، ولم يقف. (أي على علم بحكمها) كما أنه لا يقول: أعلم، ويذكر ما علمه، حتى يجهد نفسه ويعلم.
ومما يدل على هذا المعنى ما جاء في حديث إرسال معاذ إلى اليمن ـ وسيأتي بعد ـ إنه قال في قضائه فيما لم يجده في كتاب ولا سنة: اجتهد برأيي ولا آلو. أي لا أقصر.
قال الشوكاني في شرح التعريف:
أ. فقولنا: بذل الوسع: يخرج ما يحصل مع التقصير، فإن معنى بذل الوسع، أن يحس من نفسه العجز عن مزيد طلب.
ب. ويخرج بـ “الشرعي” اللغوي والعقلي والحسي، فلا يسمى من بذل وسعه في تحصيلها “مجتهدا” اصطلاحا.
ج. وكذلك بذل الوسع في تحصيل الحكم العلمي “الاعتقادي” فإنه لا يسمى اجتهادا عند الفقهاء، وإن كان يسمى اجتهادا عند المتكلمين.
د. ويخرج “بطريق الاستنباط” نيل الأحكام من النصوص ظاهرا، أو حفظ المسائل أو استعلامها من المفتي، أو بالكشف عنها في كتب العلم، فإن ذلك ـ وإن كان يصدق عليه الاجتهاد اللغوي ـ لا يصدق عليه الاجتهاد الاصطلاحي.
وقد زاد بعض الأصوليين في هذا الحد لفظ “الفقيه” فقال: بذل الفقيه الوسع..الخ قال الشوكاني: ولا بد من ذلك، فإن بذل غير الفقيه وسعه لا يسمى اجتهادا اصطلاحا. ومن لم يذكر هذا القيد فهو ملاحظ عنده، إذ لا يستطيع نيل الحكم بطريق الاستنباط إلا الفقيه، والمراد بالفقيه هنا: المتهيئ للفقه الممارس له، وعبروا عنه بقولهم: من أتقن مبادئ الفقه بحيث يقدر على استخراجه من القول إلى الفعل، وليس المراد: من يحفظ الفروع الفقهية فقط، على ما شاع الآن، لأن بذل وسعه ليس باجتهاد اصطلاحا.
وهذا قيد مهم، فإن كثيرا من المشتغلين بالعلوم الإسلامية الأخرى كعلم الكلام أو التصوف أو السيرة أو التاريخ، ونحوها وبعض الخطباء والوعاظ البلغاء يقحمون أنفسهم في ميدان الاجتهاد، ويفتون برأيهم في أعوص المسائل، وهم بعيدون عن ساحة الفقه، والغوص في بحاره، وكل ميسر لما خلق له، كما أن مجرد حفظ فروع الفقه ومسائله في مذهب أو أكثر لا يجعل من صاحبه فقيها قادرا على الاجتهاد والاستنباط، وسيأتي مزيد بحث لهذا في شروط المجتهد.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق