إنّ موضوع بحثنا هذا هو للردّ علي موضوع يُستعمل لإثارة شـُبهة تمسّ القرآن الكريم في جانب من الجوانب ، بل أكثر من جانب ، وهي في رأيي من أكبر الشبهات التي وجدتُ صعوبةً في فكّ طلاسمها وشفرتها ، فهيَ من جهة تطعن في نظرة القرآن الكريم الكونيه والفلكيه والجغرافيه وهو ماسنراه ،ومن جانبٍ آخر تطعن في تاريخيّه القصّة القرآنيّه التي ذكرت قصة العين الحمئة في سورة الكهف ،

ويستعمل الطاعِنونَ في ذلك نصوصاً منحولة تحكي قصص الإسكندر المقدوني ، والذي تمَّ الترويج لشخصيّته علي أنـّهُ هو شخصيّة ذو القرنين ، وهوَ ماتبنّتهُ بعض التفاسير الإسلاميّه التُراثيّه ، ويدّعي المروجون لهذه الشبهة أو الشبهات أنَّ هذه النصوص التي تتحدّث عن مغامرات الإسكندر هي أقدم من النصّ القرآني ، وأنَّ هذه النصوص والقصص كانت مُشاعة في العالم القديم بعدّة لغات منها السريانيه واليونانيه وغيرها ، ويقولونَ أنَّ القرآن اقتبس القصّة كلها بمحتوياتها وسردها دونَ تمحيص أو معَ بعض التعديلات البسيطة التي أتت عن قصد أو دونَ قصد من النبيّ . صلى الله عليه وسلم

وعلي جانبٍ آخر فإنَّ هذه الشبهات تطعن في منطقيّة القصة القرآنية، لأنَّ في قصة ذي القرنين التي أتت فيها قصة العين الحمئة والشمس التي تغرب فيها - وهو أحد المطاعن - في نفس القصه ورد الحديث عن يأجوج ومأجوج ، وهي القصة التي أضافت لها بعض الأثار هالات أسطوريّة لم تحتويها القصة القرآنيّه إطلاقاً ..وهي أساطير لازالت عالِقه في أذهان عوام المُسلمين ..

* * *

في هذا البحث الذي سنحاول اختزاله ،سنقتفي معالم القصة القـُرآنيّة ، وسنفتش في الجغرافيا والتاريخ والآثار والنصوص القديمه لكي نـُظهِر أصالة النصّ القرآني ونـُظهِر إعجازه ومنطقيّته التي ستفرض نفسها علينا وعلي كل باحث عن الحقيقه في نهاية المطاف ..

وقد اخترتُ لعنوان البحث اسم العين الحمِئة، إلاّ أنـَّنا في بحثنا هذا سنتحدّث عن كل عناصر القصة القرآنيّة التي وردَت في سورة الكهف، سنتحدّث عن ذي القرنين ونُحدد شخصيّتهُ الحقيقيّه بدون أدني ذرّة من الشكّ، وسنعرف أينَ هو مطلع الشمس الذي تحدّثت عنهُ القصة القرآنيّه، وسنعرف أيضاً ماهو مغرب الشمس وماهيَ العين الحمئة ، وسنعرف من هُم يأجوجَ ومأجوج، وأشياء أُخري كثيرة سنـُصادفها ..

وإنـّي أرجو أن يتوافر في بحثي هذا الإمتاع الكافي إن لم يتوافر عنصر القبول - وهو فرضٌ بعيد لكل مُتلمّس وطالب للحقائق دون مكابرة ..

فلنبدأ علي بركة الله ...

================

* ذو القرنين :

(وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا) ( الكهف 83 )

بالآية أعلاه يبدأ القرآن ويستفتح قصتنا التي نتحدث عنها ، ويبدو في الآية أنَّ كلمة “يسألونك” هي مُفتاح الآية ، وتقف هذه الكلمة شاهدة علي كثيرٍ مِنَ الدلالات، فمعني الكلمة أنَّ هُناكَ سائل أو أكثر من سائِل ، فمَن السائِل ؟

تقول لنا بعض المرويّات أنَّ اليهود في المدينه كانوا هم السائلين للرسول عن هذه الأشياء ، أو بمعني أصحّ ، كانوا هُم الواقفين خلف توجيه هذا السؤال عن ذي القرنين إلي الرسول صلى الله عليه وسلم

( عن ابن عباس: أن المشركين بمكة سألوا النبي ثلاثة أسئلة بإغراء من أحبار اليهود في يثرب. فقالوا: سلوه عن أهل الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح ) (1)

لماذا سألوهُ إذن ؟

نعرف من القصة أنـّهُم سألوهُ ليختبروا صدقهُ في إدّعائهِ النبوّة ، فالموقف يُفسرها علي هذه الجهة ..

لكن لماذا هذه الشخصيّه بالتحديد ” ذو القرنين ” ؟ ولماذا لم تكُن أيّ شخصيّه أُخري ؟ وهل يوجد فعلاً شخصيّة عُرِفَت بهذا الاسم ؟ أم هو مجرّد لقب ؟ وهل لهذه الشخصيّه أثر في حياة اليهود ؟

كل هذه أسئله لابُدّ أن تطرح نفسها علي أيّ شخص يقف مُتأملاً في هذه النصوص التي بين أيدينا بعقلانيّة وتؤدّه .

وكانَ أوّل مايجب التفكير فيه ، هو البحث في النصوص اليهوديّة عن هذه الشخصيّة، وأثناء البحث وجدنا هذا النصّ في سفر دانيال من كُتـُب التناخ ” العهد القديم ” ، وهذا هو النصّ :

( اما الكبش الذي رأيته ذا القرنين فهو ملوك مادي وفارس. ) دانيال 8 : 20

وللاختصار ، يظهر هذا النصّ في رؤيا طويله يرويها النبيّ دانيال ، حيثُ يري فيها كبشاً لهُ قرنين عظيمين ، ثم يأتي ملاك الوحي فيُفسِّر لهُ رؤياه ويقول لهُ أنَّ هذا الكبش تأويلهُ ملوك مادي وفارِس ويُفسِّر لهُ باقي الرؤيا ..

لكن ملوك مادي وفارِس كثيرون ، فمَن هي هذه الشخصيّه بالتحديد التي سألَ عنها اليهود الرسول عليهِ السلام ؟

يروي القــُمُّص تادرُس يعقوب مالطي في تفسيره لسفر دانيال :

( يقول مارسيلينوس : Marcellinus إنه إذ كان ملك الفرس على رأس جيشه كان يرتدي رأس كبش على رأسه عوض التاج )

( يقول القديس هيبوليتس الروماني: يعني بهذا الكبش الذي ينطح غربًا وشمالاً وجنوبًا داريوس ملك الفرس ، الذي غلب كل الأمم ، إذ قيل لم يقف حيوان قدامه ) ( 2 )





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق