الإحــرام

الحج والعمرة

الإحــرام:
1-تعريفه:
قال ابن منظور: “الإحرام: مصدر أحرم الرجل يحرم إحراماً، إذا أهل بالحج أو العمرة، وباشر أسبابهما، وشروطهما من خلع المخيط، وأن يتجنب الأشياء التي منعه الشرع منها كالطيب والنكاح والصيد وغير ذلك، والأصل فيه المنع، فكأن المحرم ممتنع من هذه الأشياء”.
وقال الشربيني: “الإحرام الدخول في حج أو عمرة، أو فيهما أو فيما يصلح لهما، ولأحدهما، وهو المطلق، ويطلق أيضاً على نية الدخول فيما ذكر”.
وقال ابن عثيمين: “فأما الإحرام فهو نية الدخول في النسك والتلبس به”.
2- النية شرط في الإحرام:
قال ابن عثيمين: “نية الدخول في النسك شرط, فلا بد أن ينوي الدخول في النسك، فلو لبّى بدون نية الدخول فإنه لا يحرم بمجرد التلبية، ولو لبس ثياب الإحرام بدون نية الدخول فإنه لا يكون محرماً، ولا بمجرد التلبية، ودليل هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم:((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى))متفق عليه”.
3- مستحبات الإحرام:
أ/ الغسل:
عن زيد بن ثابت رضي الله عنه: (أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل) أخرجه الترمذي، وحسّنه الألباني.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (نفست أسماء بمحمد بن أبي بكر بالشجرة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يأمرها أن تغتسل، وتهل) رواه مسلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “يستحب الاغتسال قبل الإحرام للرجل والمرأة سواء كانت طاهراً أو حائضاً”.
وقال الإمام الشافعي: “وما تركت الاغتسال قط، ولقد كنت أغتسل له مريضاً في السفر، وإني أخاف ضرر الماء، وما صحبت أحداً أقتدي به فرأيته تركه، ولا رأيت منهم أحداً عدا به، أن رآه اختياراً”.
ب/ التنظف:
قال ابن قدامة: “ويستحب التنظف بإزالة الشعث، وقطع الرائحة، ونتف الإبط، وقص الشارب، وقلم الأظفار، وحلق العانة؛ لأنه أمر يسن له الاغتسال والطيب، فَسُنّ له هذا كالجمعة، ولأن الإحرام يمنع قطع الشعر وقَلْم الأظفار فاستحب فعله قبله، لئلا يحتاج إليه في إحرامه، فلا يتمكن منه”.
قال ابن باز: “ولأن النبي صلى الله عليه وسلم شرع للمسلمين تعاهد هذه الأشياء كل وقت، كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وقلم الأظفار، ونتف الآباط))متفق عليه، وأما اللحية فيحرم حلقها أو أخذ شيء منها في جميع الأوقات، بل يجب إعفاؤها وتوفيرها لما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((خالفوا المشركين، وفّروا اللحى وأحفوا الشوارب))متفق عليه”.
ج/ التطيب:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأطيب ما يجد، حتى أجد وَبِيض الطيبفي رأسه ولحيته).
قال ابن قدامة: “يستحب لمن أراد الإحرام أن يتطيب في بدنه خاصة، ولا فرق بين ما يبقى عَيْنه كالمسك والغالية، أو أثرة كالعود والبخور وماء الورد”.
وقال ابن عثيمين: “أما تطييب الثوب فإنه يكره ـ أي ثوب الإحرام ـ لا يطيب، لا بالبخور، ولا بالدهن، وإذا طيبه: قال بعض العلماء: إنه يجوز أن يلبسه إذا طيبه قبل أن يعقد الإحرام لكن يكره، وقال بعض العلماء: لا يجوز لبسه إذا طيبه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((لا تلبسوا ثوباً مسّه الزعفران ولا الورس))فنهى أن نلبس الثوب المطيب، وهذا هو الصحيح، وإذا تطيب في بدنه ثم سال الطيب من الموضع الذي وضعه فيه فهل يؤثر؟
الجواب: لا يؤثر؛ لأن انتقال الطيب هنا بنفسه، وليس هو الذي نقله ولأن ظاهر حال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنهم لا يبالون إذا سال الطيب لأنهم وضعوه في حال يجوز لهم وضعه”.
د/ لبس إزار ورداء أبيضين نظيفين ونعلين بعد التجرد من المخيط:
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:((وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين))أخرجه ابن خزيمة وصححه الألباني.
قال ابن قدامة: “ويستحب أن يكونا نظيفين، إما جديدين، وإما غسيلين؛ لأنا أحببناه له التنظف في بدنه، فكذلك في ثيابه، كشاهد الجمعة، والأولى أن يكونا أبيضين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:((خير ثيابكم البياض، فالبسوها وكفنوا فيها موتاكم))أخرجه أحمد، وصحح ابن حبّان”.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: “ويستحب أن يحرم في ثوبين نظيفين، فإن كانا أبيضين فهما أفضل، ويجوز أن يحرم في جميع أجناس الثياب المباحة من القطن والكتان والصوف... ويجوز أن يحرم في الأبيض وغيره من الألوان الجائزة، وإن كان ملوناً”.
وقال ابن باز: “وأما المرأة فيجوز لها أن تحرم فيما شاءت من أسود أو أخضر أو غيرهما مع الحذر من التشبه بالرجال في لباسهم، وأما تخصيص بعض العامة إحرام المرأة في الأخضر أو الأسود دون غيرهما، فلا أصل له”.
هـ/ الإحرام عقيب الصلاة:
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركع بذي الحليفة ركعتين، ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد الحليفة أهل بهؤلاء الكلمات).
قال الماوردي: “يستحب أن يحرم عقيب صلاة”.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: “يستحب أن يحرم عقيب صلاة، إما فرض وإما تطوع إن كان وقت تطوع في أحد القولين، وفي الآخر إن كان يصلي فرضاً أحرم عقيبه وإلا فليس بالإحرام صلاة تخصه، وهذا أرجح”.
وقال الألباني: “وليس للإحرام صلاة تخصه، لكن إن أدركته الصلاة قبل إحرامه فصلى ثم أحرم عقب صلاته كان له أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث أحرم بعد صلاة الظهر”.
و/ التلفظ بالنسك والإهلال به:
1. صفته:
قال ابن باز: “ثم بعد الفراغ من الغسل والتنظيف ولبس ثياب الإحرام ينوي بقلبه الدخول في النسك الذي يريده من حج أو عمرة... ويشرع له التلفظ بما نوى، فإن كانت نيته العمرة قال: لبيك عمرة، أو اللهم لبيك عمرة، وإن كانت نيته الحج قال: لبيك حجاً، أو اللهم لبيك حجاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك”.
وهل يستحب أن يقول:((اللهم إني أريد نسك كذا فيسره لي))؟.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “الصواب المقطوع به أنه لا يستحب شيء من ذلك، ولا كان يتكلم صلى الله عليه وسلم قبل التلبية بشيء من ألفاظ النية لا هو ولا أصحابه، بل لما أمر ضباعة بنت الزبير قالت: فكيف أقول؟ قال: قولي:((اللهم محلي حيث حبستني))، لكن المقصود أنه أمرها بالاشتراط في التلبية ولم بأمرها أن تقول قبل التلبية شيئاً، وكان صلى الله عليه وسلم يقول:((لبيك عمرة وحجاً))فهذا هو الذي شرع النبي صلى الله عليه وسلم التكلم به في ابتداء الحج والعمرة”.
تنبيــه:
قال ابن باز: “ولا يشرع له التلفظ بما نوى إلا في الإحرام خاصة؛ لوروده عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما الصلاة والطواف وغيرهما فينبغي له أن لا يتلفظ في شيء منها بالنية، فلا يقول: نويت أن أصلي كذا وكذا، ولا نويت أن أطوف كذا، بل التلفظ بذلك من البدع المحدثة، والجهر بذلك أقبح وأشد إثماً، ولو كان التلفظ بالنية مشروعاً لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم وأوضحه للأمة بفعله أو قوله، ولسبق إليه السلف الصالح، فلما لم ينقل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه رضي الله عنهم علم أنه بدعة”.
2. الاشتراط عند الحاجة:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل النبي صلى الله عليه وسلم على ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، فقالت: يا رسول الله، إني أريد الحج، وأنا شاكية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:((حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني))رواه مسلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “وإن اشترط على ربه خوفاً من العارض فقال: وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني كان حسناً فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ابنة عمه ضباعة أن تشترط لما كانت شاكية، ولم يكن يأمر بذلك كل من حج”.
فإن قيل ما فائدة الاشتراط؟
قال ابن عثيمين: “فائدته أنه إذا وجد المانع حل من إحرامه مجّاناً، أي بلا هدي؛ لأن من أحصر عن إتمام النسك فإنه يلزمه هدي، لقوله تعالى:{فإن أحصرتم في استيسر من الهدي}.
3. وقته:
عن سعيد بن جبير قال: قلت لعبد الله بن عباس: (يا أبا العباس، عجباً لاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوجب! فقال: إني لأعلم الناس بذلك، إنها إنما كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة واحدة فمن هنالك اختلفوا، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجاً، فلما صلّى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه أوجب في مجلسه فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام فحفظوا عنه، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل، وأدرك ذلك منه أقوام، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالاً فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل، فقالوا: إنما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استقلت به ناقته، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما علا على شرف البيداء أهل، وأدرك ذلك منه أقوام فقالوا: إنما أهلّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين علا على شرف البيداء، وايم الله، لقد أوجب في مصلاّه، وأهل حين استقلت به ناقته، وأهل حين علا على شرف البيداء)أخرجه أحمد وصححه الحاكم.
قال الترمذي: “وهو الذي يستحبه أهل العلم: أن يحرم الرجل دبر الصلاة”.
وقال ابن تيمية في الحديث السابق: “وهذه رواية مفسرة فيها زيادة علم وإطلاع على ما خفي في غيرها فيجب التقيد بها واتباعها، وليس هذا مخالفاً لما تقدم عنه أنه أهل حين استوت به على البيداء؛ لأن تلك الرواية بعض هذه”.
ثم قال: “فإن إحرامه جالساً مستقبل القبلة أقرب إلى اجتماع همه وحضور قلبه، وهو بعد الصلاة أقرب إلى الخشوع منه عند الركوب فإحرامه حال الخشوع أولى”.
وقال ابن عثيمين: “فإذا فرغ من الصلاة أحرم”.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق