ليس بالحب وحده.. تنجح العلاقة بين الأم وابنتها المراهقة

الأسرة والمجتمع

هل يكفي—فقط—أن تحب الأم ابنتها وتخاف عليها ثم تترك الأمور تسير قانعة بهذا الشعور القلبي وحده ؟ أو يجب أن يكون الحب والخوف مفتاحين لسلوك واع وعلاقة إيجابية بين الطرفين؟
وماذا يقول التربويون وعلماء النفس وأساتذة الفقه عن مرحلة المراهقة ودور الأم فيها وبم ينصحونها ومم يحذرونها؟
صراحة ومكاشفة
تري د. مديحة الصفتي—أستاذة علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية—أن الفتاة في جميع مراحل حياتها تتأثر بوالدتها إذ إنها تحاكيها في كل شيء وتعتبرها مرجعيتها في جميع شؤونها وخصوصياتها هذا بصفة عامة أما مرحلة المراهقة تحديد ا فهي مرحلة حرجة تمر فيها الفتاة بأغيار وبالتالي فإن علاقتها بأمها يجب أن تكون دائمًا حذرة ومتوازنة أي تكون أسس التعامل فيها صحيحة بمعني أن تدرك الأم خطورة المرحلة التي تمر بها ابنتها وتراقبها بدون أن تشعرها بذلك وإن وجدت خطأ فيمكن معالجته بطريقة الإيحاء غير المباشر أو بضرب المثل والقدوة حتي لا تجنح الفتاة وينبغي أن تعتمد الأم منهج الصراحة والمكاشفة مع ابنتها.
وفي هذا الإطار—كما تقول أستاذة علم الاجتماع—ينبغي أن يكون لدي الأم وعي كاف بدورها كأم وقراءة واعية ومدققة لفترة المراهقة وما يصاحبها من تغيرات فالأم يجب أن تقيم علاقة صداقة مع ابنتها تكون الأم فيها المثل الأعلي والقدوة الحسنة ومن ثم تصبح حكيمة في التعامل مع ابنتها فتكون رقيقة ولينة في الأوقات التي تقتضي ذلك وتكون حازمة وشديدة في أوقات أخري ويمكن للأم أن تحكي لابنتها سيرة بعض النماذج التي تعالج مشكلة ابنتها إن وجدت بطريقة غير مباشرة.
وتفرق د. فاطمة موسي—أستاذة الطب النفسي بكلية طب القصر العيني—جامعة القاهرة—بين الخصائص الجسمية الظاهرية للمراهقة والتي تتسم بالنضج والخصائص النفسية العقلية لها التي لم يكتمل نضجها بعد حيث تتسم سلوكياتها بالاندفاع ومحاولة إثبات الذات والخجل من التغيرات التي حدثت في شكلها وتقلد أمها في جميع سلوكياتها وهناك تذبذب وتردد في عواطفها فعواطفها لم تنضج بعد فهي تغضب بسرعة وتصفو بسرعة وتميل لتكوين صداقات مع الجنس الآخر ويبدأ ما يسمي بقصص الحب ومن هنا تحدث المشاكل فالأم يجب أن تكون قريبة من ابنتها لكي تطلعها علي كل ما يحدث لها ومن ثم تستطيع أن تقوم بدور الناصح والأم يجب أن تتسم بالنصح والتفهم وسعة الأفق وتستوعب أي سلوك يصدر من ابنتها فلو أخطأت الابنة فلا داعي للعقاب الشديد المباشر حتي لا تنفر منها.
وتحذر د. فاطمة الأم من انشغالها عن الأبناء والطباع الحادة التي تخلو من العاطفة والتفرقة بين الأبناء أو الغيرة المرضية بين الأم وابنتها والعنف مع الأبناء أو كثرة الخلافات الزوجية أمامهم لأن كل ذلك يحول دون تكوين علاقة صداقة وحب وتفاهم بينهما.
ولكي تكسب الأم ود ابنتها تقول د. فاطمة: يجب أن يكون هناك تقارب بينهما وتبادل للرأي والمشورة فتقدم الأم لابنتها الخبرات التي تعدها أمًا للمستقبل ويجب أن تتعرف الأم علي صديقات ابنتها وأسرهن وتعطي للابنة قدرًا من حرية الاختيار وإذا حدث خلاف تتناقش معها بود وتقنعها بأسلوب منطقي وتشركها معها في الأعمال المنزلية وتشاركها في هوايتها.
امتصاص الغضب
وقد ينتج عن حالة عدم التوافق النفسي مع الأم—كما تري د. فاطمة—بعض الآثار التي تتمثل في البحث عن أم بديلة قد لا تحسن الابنة اختيارها وقد تصاب بإحباطات كثيرة تؤدي إلي الاكتئاب نتيجة للحرمان العاطفي.
كما يمكن أن تنحرف المراهقة أخلاقيًا ويصبح لديها دوافع عدوانية تجاه نفسها والآخرين وقد يترتب—أيضًا—علي عدم التوافق إصابة الفتاة بأمراض نفسية جسمانية مثل: الربو والأمراض الجلدية والتوتر المستمر.
وإذا تفاقمت هذه الحالة من عدم الانسجام قد تهرب البنت من المنزل وتتعاطي المخدرات وتصبح شخصية غير سوية في المجتمع.
ويبدأ د. فكري عبد العزيز—استشاري الطب النفسي—بتعريف فترة المراهقة ليوضح أنها الفترة التي يحدث فيها التغير البيولوجي والهرموني والجسماني الذي يصاحب الفتي أو الفتاة فيحدث نوع من التغيير أو التحول من دون حدوث نمو للقدرات العقلية ويصاحب هذه المرحلة اندفاع في السلوك والتصرف في محاولة لإثبات الذات من خلال المظهر والتقليد والمحاكاة وبالتالي قد يحدث نوع من التباعد والحوار غير السوي بين الأم وابنتها.
وعن دور الأم في هذه المرحلة يري د. عبد العزيز أنه منوط بالأم التوجيه السوي وامتصاص الغضب بدون أذي نفسي وتشجيع طاقات الفتاة وإمكاناتها ومساعدتها علي تحقيق ذاتها من خلال الإبداع والثقافة والدوافع الإنسانية الطيبة ومنحها الأمان النفسي والاجتماعي إضافة إلي ضرورة أن يكون لديها إحساس ووعي وإدراك بخطورة هذه المرحلة التي ينبغي توجيه قدرات الفتيات فيها نحو أشياء مفيدة لاستخراج القدرات الكامنة داخل الفتاة في ظل تقارب نفسي واجتماعي وصحي.
تقصير واضح
يتهم الدكتور أحمد المجدوب—الخبير بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية—الأم المعاصرة بأنها تقصر تقصيرًا واضحًا وفاضحًا تجاه ابنتها المراهقة فالمرأة المعاصرة متعلمة ولكنه تعليم غير متخصص فهي لا تتلقي أي تعليم أو ثقافة خاصة بالزواج أو المنزل أو تدريب يؤهلها لكي تصبح أمًا وزوجة.
إنها تفتقر إلي المعلومات الخاصة بأنوثتها وكونها امرأة ، لذلك فهي تتخبط في تعاملها مع أبنائها ولا تعلم أي شيء عن كيفية التعامل مع الابنة في مرحلة المراهقة بما فيها من تقلبات وتغيرات.
فالمرأة المعاصرة اعتبرت التعليم سلاحًا تناوئ به الرجل وترفع به راية الندية التي أدت إلي وجود صراع بين الرجل والمرأة داخل الأسرة وهذا الصراع أدي إلي ضعف سلطة الاثنين أمام الأولاد وإلي تفكك الأسرة.
ويضيف د. المجدوب: لقد عايشت بالفعل حالة إحدي المراهقات جاءتني تقول: أنا أكره أمي بالرغم من أنها تحضر لي كل ما أريد ، لأني أعلم أنها لا تحبني ولكن تشتري لي لتقوم بتعويضي عن غيابها وانشغالها ، لأن كل ما يهمها هو مستقبلها الوظيفي وطموحها وتنافسها مع زميلاتها.
وعندما فوجئت بالدورة الشهرية لأول مرة لم أجدها بجانبي لتطمئني وتفعل كما تفعل كل أم في هذا الموقف ولأنك رجل لا تدرك مدي عمق هذه التجربة في نفسي.
واستطردت الفتاة عندما ظهرت علي مظاهر الأنوثة حاولت أن أحدثها ولكنها لم تعطني فرصة لم أجد إلا أن أنعزل وأبكي ، معي بنات منحرفات في المدرسة أردن أن يجذبنني إلي طريقهن ولم أجدها بجانبي وعندما أجد أمًا تحتضن ابنتها أو تربت علي شعرها أغير وأتاضيق وأرجع ناقمة علي أمي.
ويعلق د. المجدوب: هذا النموذج للأسف شائع الآن أما في الماضي فقد كانت الأم بجوار ابنتها لا يشغلها عنها تطلعات مادية وطموحات وظيفية ، أذكر الأم وهي توجه البنات في مثل هذه الحالات بالمحافظة علي النظافة وعدم الإهمال في الصحة أو الإتيان بحركات عنيفة أو أعمال منزلية كثيرة في فترة الدورة كذلك عدم معرفة أحد من الشبان بما تعاني منه البنت من آلام فالأمر سر تعرفه الأم فقط ولذلك تصنع المشروبات الساخنة وتدفئ البنت وتحنو عليها وهنا تنضج البنت بشكل سوي ولا تنعكس عليها آثار نفسية فيما بعد.
أما الآن وكما نسمع فإن أطباء النساء يقولون: هناك حالات مرضية بين المتعلمات يندي لها الجبين وتدعو للإشفاق وتفوق الحمل عند بعضهن ، لأن البنت لم تلق العناية اللازمة من الأم ولم تجد النصيحة السليمة ولا الاهتمام.
افتقاد الثقافة التربوية
وتتفق الدكتورة هناء أبو شهبة—أستاذة علم النفس بكلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر—مع الدكتور المجدوب في أهمية وجود الأم بصورة مكثفة في حياة الابنة المراهقة فتقول: إن المراهقة فترة حرجة في حياة كل إنسان ويجب علي الأم أن تحتوي ابنتها وتقترب منها وتصبح صديقة ودودة لها حتي تحميها من تيارات الفساد ، الصداقة تحمي البنت وتحمي الأم من أن تفقد ابنتها.
وإذا بحثنا عن أسباب فتور العلاقة بين الأم وابنتها فأحيانًا نجد أن الأم نفسها كانت ابنة مهملة ولذلك تهمل ابنتها لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
وأحيانًا يحدث العكس الأم التي كانت مهملة وهي فتاة إذا كان بناؤها النفسي سليمًا فنجدها تعطي حنانًا بكثرة وتعوض في بناتها ما افتقدته وهي صغيرة.
ويمكن أن يكون السبب الأكبر هو افتقاد الثقافة التربوية فنجد الأم متعلمة تعليمًا عاليًا ولا تعرف أي شيء عن أصول التربية والتعامل مع الأبناء.
فالتعليم لا يعطي للمرأة ما يؤهلها لذلك والأم لم تعد تجد عند ابنتها وقتًا لتنقل ما لديها من خبرات ومعارف ، لأن البنت مشغولة بالتعليم والمذاكرة حتي تتزوج وبعد فترة تصبح أمًا لا تعلم شيئًا عن أصول التربية ولا إدارة المنزل ومن ثم لا تعلم شيئًا عن فترة المراهقة وخطورتها.
إن فترة المراهقة فترة حرجة يشعر فيها المراهق بالحزن والكآبة والرغبة في التمرد والتغيير فإذا كانت الأم متفهمة وقريبة من ابنتها مرت هذه المرحلة بسلام وإن كانت بعيدة عن ابنتها وقاسية ستتحول العلاقة بينهما إلي حرب وصراع وقد تفقد كل منهما الأخري إلا أن المرأة العاملة عادة تكون متعلمة وخروجها لمجال العمل يكسبها خبرات وآراء وتجارب واتجاهات مما يوسع أفقها ويفيدها في تربية أولادها والاهتمام بهم خاصة من ناحية التربية الدينية والقيمية.
وقد يرجع ذلك إلي أن عددًا من رباب البيوت ينفقن وقتهن في الحديث في التليفونات أو أمام برامج التليفزيون التي تتميز عادة بالسذاجة والسطحية أو بشراء شرائط الفيديو مما يجعلهن كالحاضر الغائب في البيت





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق