الخلق .. تربية أم وراثة ؟

الأسرة والمجتمع

التربية في جوهرها عملية أخلاقية وفي ذلك يقول جون ديوي في كتابه(( تجديد في الفلسفة )) ، إن علمية التربية والعملية الأخلاقية شيء واحد ما دامت الثانية لا تخرج عن أنها انتقال الخبرة باستمرار من أمر سيء إلى أحسن منه وأفضل .

ويقول في كتابه (( المبادئ الأخلاقية في التربية )) إن النمو الأخلاقي هو الغاية القصوى من العمل المدرسي كله ، وقبل جون ديوي ذهب (( جون لوك )) إلى أن هدف التربية هو غرس الفضيلة في النفوس، ويقول هربرت سبنسر في كتابه (( التربية )) : لم يهمل ولاة الأمور شيئاً إهمالهم إنعام الفكرة في تأديب أطفالهم وتعويدهم ما حسن من الخصال وطاب من الحلال ولعلهم ظنوا الأمر هينا والخطب سهلاً، فحسبوا أنهم قادرون بلا فحص ولا بحث أن يودعوا طبائع صبيانهم ما شاءوا من المناقب، ولم يعلموا أن علم تهذيب النفوس علم صعب المأخذ وعر الملتمس ، وحق لمغفله أن يخيب في تأديبه غلامه.

وهو بذلك يوضح أن التربية الأخلاقية ليست عملية سهلة وإنما هي عملية صعبة شاقة تقتضي منا الفكر والنظر .
والسؤال الذي يطرح نفسه : هل يتكون الخلق بالتربية أم ينقل بالوراثة ؟ ذلك أن بعض الآباء يظن وليس كل الظن إثماً أن الخلق ينتقل إلى الأطفال بالوراثة من الوالدين والأجداد ، وبالتالي لا يحاولون التأثير في أطفالهم لأنهم مؤمنون مسبقاً أنه لا يحصل شيء من ذلك. ولقد كتب مكارنكو في كتابه للآباء والأمهات معتمداً على تجربته الخاصة قائلاً إنه لم يعرف في حياته حالة واحدة ظهر فيها الخلق القديم من تلقاء نفسه، ومثل ذلك لا يوجد خلق دميم عند الطفل إذا عاش وتربى في ظروف طبيعية ، ومع ذلك لا يجوز الإنكار كلياً دور الأصول البيولوجية ، والخلق لا يورث بل يورث تركيب معينة من صفات العمليات العصبية الرئيسية ، كالقوة والاتزان ، وكذلك فإن الجهاز العصبي للإنسان ليس شيئاً خامداً ، بل هو قادر تحت تأثير ظروف الحياة على التغيير وإعادة تنظيم نفسه ، ويمكن للإنسان أن يناضل ضد صفاته السلبية الموروثة ـ التربية الذاتية .

وفي كتابه الحكم الخلقي للطفل حكى بياجيه قصتين عن الأطفال ، تصف كلتاهما النمو الخلقي ، حيث ارتكب الطفل الخطأ بعفوية في إحدى القصتين ، وتعمد الخطأ في الثانية ، وسئل الصغار( 5 ـ 6 ) سنوات بعد سماع القصتين ، أي الطفلين أكثر إجراما من الآخر ؟ وكان القرار صعباً ، لأن التهديد الناجم عن الخطأ العفوي كان أشد من التهديد الناجم عن الخطأ المتعمد … إليكم قصتي بياجيه.
جلس الطفل ( ح) في غرفته ، ثم دعي للغداء ، فذهب إلى غرفة الطعام ، ولم يعرف ( ح) بوجود صينية خلف الباب تحمل خمسة عشر كوباً زجاجياً فصدمها وتحطمت الأكواب الخمسة عشر .

رغب الطفل ( هـ ) حينما كانت أمه خارج البيت في تناول بعض المربى من الخزانة ، صعد الطفل على كرسي ومد ذراعيه ، وكان وعاء المربى بعيداً عن متناوله فسقط الوعاء بسبب محاولة سحبه وتحطم. سأل بياجيه الأطفال تكرار القصتين بعد قراءتهما وذلك للتأكد من فهمهم لهما ثم أضاف سائلاً : هل يتساوى الطفلان في اللوم ؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك فأيهما يلام أكثر من الآخر؟
فلام الصغار بين العمرين ( 5-6) سنوات الطفل الذي أحدث الضرر الكبير ودعوا إلى معاقبته بشدة أكثر من الآخر ، إلا أن أغلب أبناء السابعة والثامنة لاموا الطفل الذي تعمد الخطأ ، فقالوا أن على الطفل الذي فعل شيئاً لا يحق له عمله أن يعاقب أكثر من الآخر الذي ارتكب خطـأ عن غير عمد .

وخلص بياجيه إلى القول بأن للصغار مفهوماً بدائياً عن السلوك الخلقي بحيث إنهم يجعلون العقوبة موازية للأثر السيئ ، وذلك خلافاً للأطفال الكبار الذين يتصف مفهومهم الخلقي بضرب من الموازنة العقلانية، فيحكمون على الجرم في إطار تعمده وتلقائيته. وعند دراسة مفهوم العدالة عند الأطفال. لاحظ بياجيه أن الصغار ــ ( 5 -6) سنوات ــ يميلون إلى الاعتقاد بأن الشخص الذي يحل به الأذى خلال مساهمته بعمل محرم، إنما يعاقب فعلاً وبصورة تلقائية، أما الأطفال الكبار فكانوا يعون أن الممكن للمشارك في عمل محرم أن يتهرب من العقاب، ولقد أثبتت الدراسات بالفعل أن تبني الطفل لقيم ومعايير الوالدين يعتمد على مقدار الدفء والحب اللذين يحاط بهما الطفل في علاقته بوالديه، فالطفل الذي يتمتع بعلاقة عاطفية دافئة مع الوالدين يكون حريصا على الاحتفاظ بهذه العلاقة ويخشى من فقدانها .

وتشير الدراسات إلى أنه يمكن للظروف التالية أن تساعد على نمو سوي للضمير عند الطفل وهي : أن يكون لدى الوالدين نفسيهما ضمير ومعايير خلقية ناضجة معقولة ، وأن يكون تبني الطفل للمعايير الوالدية قائماً على أساس عملية توحد إيجابية حباً لا خوفاً .

ولقد اهتم الإسلام بالأخلاق الحميدة واعتبرها الأساس الذي تستند إليه كل معاملات الإنسان مع خالقه سبحانه وتعالى ومع نفسه ومع الآخرين، وامتدح رب العزة سبحانه وتعالى نبيه الكريم صلوات الله وسلامه عليه ووصفه بقوله تعالى: ( وإنك لعلى خلق عظيم ) [ القلم : 4] . وهناك نقطة مهمة في نظر الإسلام إلى الأخلاق هي قابليتها للتغيير والتعديل ، وهذا على عكس الرأي الذي يرى أن الأخلاق ثابتة من حيث إنها مقتضى المزاج والطبع، وأن الخلق صورة الباطن. وقد انتقد الغزالي هذا الرأي وذهب إلى القول بقابلية الأخلاق والسلوك للتعديل ، وقد جاء الإسلام بكل خلق حسن وحث المسلمين على التحلي بها ، ولقد قال أكثم بن صيفي وهو من حكماء العرب وذلك في دعوته لقومه إلى الإسلام ” إن الذي ويدعو إليه محمد لو لم يكن دينا لكان في أخلاق الناس حسنا”.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل : “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق “





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق