هل نتوقع أن يكون أبناؤنا المترفون المتنعمون عدة للجهاد

الأسرة والمجتمع

ينهمك صغيري ذو الخمس سنوات في اللعب، أدعوه لتناول الإفطار، فيهز رأسه ويقول وهو يصنع من مكعباته أشكالا يتفنن فيها: “لست جائعا الآن”، وقت الغداء يختطف ملعقة أرز، ويسرع مرة أخرى إلى اللعب متجاهلا دعوتي اللحوح له لتناول الطعام .
يقرصه الجوع فيسألني باستعطاف: ماذا عندك يا أمي؟ فأتنفس الصعداء ، وأستعرض وأنا جاثية على ركبتي أمامه قائمة طويلة من أطعمة يحبها ، وحلوى يسأل عنها بالاسم ، فتلمع عيناه ، ويطرق رأسه الصغير بإصبعه، ثم يسألني عن شيء ليس عندي، فأهرول لأعده له أو لأشتريه.

يتكرر الموقف ، ويدق صغيري على وتر حبي له ، فيختار شيئا جديدا كل يوم ، ويختار أيضا طريقة جديدة لقتل “شارون” فقد انفعل الطفل بالأحداث، وبدأ يحفظ أناشيد الأقصى، ويسأل ويستفسر، وأنا أجيب وأتجاوب، وأتأمله يشد قامته، ويضم حاجبيه، ويكتسي وجهه بالجدية، وهو يحكي عن مخططه لقتل اليهود.

ينشغل مرة أخرى باللعب ، وأنصرف أنا إلى أعمال البيت ، لتخترق صرخته أذني ، أهرع إليه فأجده قد تعثر في طرف السجادة، فسقطت منه لعبته، وآلمته ركبتاه ، أضمه ، وأسأله: “كيف تبكي لسبب بسيط كهذا، وأنت تنوي قتل شارون؟، لا يقتل اليهود إلا الشجعان الأقوياء قم واجمد”، وأعود إلى أعمالي ليطرق رأسي السؤال: “هل ابني وحده هو الذي لن يستطيع مواجهة اليهود؟ ، هل ابني وحده الرخو المدلل الذي تبكيه عثرة في طرف بساط ، ويحلم في الوقت نفسه بالشهادة على أرض الإسراء ؟”
هل ابني وحده رغباته أوامر، وطلباته تكليفات واجبة التنفيذ، وأحلامه الصغيرة فرائض؟
وإذا كان هناك كثيرون مثله، فهل نتوقع أن يكون أبناؤنا عدة للجهاد، أبناؤنا المترفون، المنعمون الناعمون؟

إننا - للأسف - نربي أولادنا ليكونوا قتلى لا شهداء قاتلين، ليكونوا صيدا لا صائدين، فئرانا لا مجاهدين، تغتالهم الرخاوة والهشاشة، والضعف وفقدان الهوية قبل أن يغتالوا هم أعداءهم.

نحن لا نربي في بيوتنا مجاهدين، حقيقة لابد أن نعترف بها لأنفسنا قبل فوات الأوان، ذلك أننا نحب أبناءنا أكثر من عقيدتنا ، ونفضلهم على أوطاننا ، ونضن بهم على الذود عن مقدساتنا ، وكثيرات منا يضربن صدورهن جزعا حين يتخيلن أبناءهن شهداء.

بيوتنا تتعاطف مع شوارع القدس، ودماء الشهداء، واستغاثات الأطفال، وأنات الشيوخ العاجزة مع من يبكون بيوتهم بعد أن صارت أنقاضا، ويلقون نظرات الوداع على شهدائهم ، ويملأون عيونهم من وجوه صغارهم خشية ألا يعودوا من مدارسهم إلا شهداء.
نتعاطف فقط ، ولكن حين يعلو نفير الجهاد، ويصبح علينا أن ندفع بأبنائنا إلى ساحات الشهادة لن نجد سوي الفراغ والخواء إلا من رحم ربي، سنجد شبابا خاصموا الصلابة، وناصبوا الفتوة العداء ، وتحولوا إلى مسوخ رجال بسبب تربية مترفة ، ونشأة على غير قيم المقاومة والاستشهاد والبسالة.

هل الصورة ليست بهذه القتامة ؟ ربما ولكن أن نبالغ في الأمر لنشعر بخطورته فنغير ونتغير، أفضل من أن نهون فنسترضي، ونستسلم ونردد ليس في الإمكان أفضل مما كان.

عن نفسي حاولت أن أصحح، وصرت أجيب عن سؤال ابني: “ماذا عندك يا أمي؟” بكلمة واحدة بصنف واحد من الطعام، فإذا ألح وغضب قلت له: إن هناك من يفتشون عن طعامهم في صناديق القمامة، وإن بيوت إخواننا في فلسطين خاوية حتى من كسرات الخبز، فقد يكون ابني أصغر من أن يستوعب هذا المنطق ، ولكنني أحاول وأصر على أن أعلمه الاخشوشان ، وقيم الجهاد، والمقاومة، والمصيبة أننا نفعل ذلك مع من هم أكبر وأنضج.

فإلى متى سننتظر؟ وإلى متي سنقصر في أدوارنا ، ونتآمر مع أعدائنا على عقيدتنا ووطننا ، ونخلي أمامهم ساحات الجهاد؛ لأننا لا نملك من نملأها بهم ؟
لقد صار ابني يقنع بصنف واحد ووحيد من الطعام ، ويتعثر وهو يلعب فيقوم سريعا ، ويهذب ملابسه، ولا تذرف عيناه دمعة واحدة، وصرت أستشرف يوم ينضم إلى قوافل محرري الأقصى، ويشرفني باستشهاده بعد أن عاهدت الله على أن أجعل منه جزءا من العدة والقوة.

إنه الآن أمامي يهتف: يا فلسطين يا فلسطين .. كلنا صلاح الدين “كلنا” ما أجمله من حلم ، وما أجدره من هدف يستحق أن تعيش له كل أم ، ويحيا به كل أب، أن يكون “كل” أبنائنا صلاح الدين.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق