كيف نحترم أولادنا ؟

الأسرة والمجتمع

هناك قول شائع ” وراء كل عظيم امرأة ” ، وأنا أعتقد أن في هذا شيئا من الصحة، ولكني أحيانًا أشعر أنه يجب إعادة صياغة هذه المقولة لتصبح: ” وراء كل عظيم أبوان عظيمان ” .
هل يمكن أن نكون هذين الوالدين العظيمين خلف أولئك الرجال والنساء العظماء ؟ صدق أو لا تصدق: إن أولئك الصغار الذين يجرون في أنحاء المنزل سيصبحون في النهاية رجالاً ونساءً ، من الصعب تصديقه .. أو ليس كذلك ؟!!
ما الذي علينا فعله نحن الآباء لنجعل من أولئك الأطفال الصغار أشخاصًا عظماء ؟

بعد أن ولدت ابنتي الصغيرة بأيام قليلة أردت أن أسأل الدكتورة ـ أثناء توليدها لطفلتي ـ عن بعض التوجيهات التي يجب عليَّ أن أقوم بها. وبعدها أدركت أن هناك شيئا أفضل من تلك التوجيهات، بعد أن وجدت كل الدروس والتوجيهات التي احتجتها في كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم .

نقاط لاتباعها
أحد أهم النقاط التي اكتشفتها :
(الاحترام) ، أنا لا أتحدث عن احترام أولادنا لنا، بل عن احترامنا نحنُ لأولادنا، كيف نحترم أولادنا ؟
سألت بعض الأطفال الذين تترواح أعمارهم بين ( 12 - 16 ) عامًا ، عمَّا يرغبون به من آباءهم ؟! معظم الإجابات كانت الاحترام، فهم يريدون من آباءهم أن يعاملوهم كراشدين، وهذا مطلب سهل تحقيقه .

هناك أشياء كثيرة يمكنك فعلها لتشعرهم بأنهم راشدون بدون أن تشتري لهم سيارة أو منزلاً .
يمكن أن نشعرهم بأنهم راشدون بأن نسألهم عن آرائهم .. مثال على ذلك يمكنك أن تسأل الصغيرة فاطمة عن رأيها في الأوضاع في الشرق الأوسط، بالطبع رأيها لن يوقف الاحتلال الإسرائيلي، ولكن بالتأكيد سيجعلها تشعر بأن لرأيها أهمية ، وعندما تشعر بهذا الشعور فستشعر بأنها يمكن أن تفعل شيئًا مميزًا . وهذا عنصر رئيسي في تكوين شخصية عظيمة.

في القرآن هذا المنهاج في تربية الأبناء، فعندما أوحى الله إلى سيدنا إبراهيم عليه السلام أن يذبح ابنه إسماعيل ، سأل إبراهيم ابنه عليهما السلام عن رأيه : (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) (الصافات:102) .
فإبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يأت من خلف ابنه ولم يقتله وهو نائم؛ بل سأله عن رأيه، طلب منه إسماعيل عليه السلام أن ينفذ ما أُمِر به، وأنه سيكون صابرًا إن شاء الله .
يا للجواب العظيم الذي نطق به الولد الصغير إسماعيل عليه السلام ويا للوالد العظيم .
بعض العلماء يقولون بأن إسماعيل عليه السلام كان حينذاك في حوالي سن السابعة .

شيء آخر يمكنك فعله: هو أن تكون متواجدًا عند أطفالك إذا احتاجوك، لا تتعجب من أسئلتهم أبدًا، فيبحثون عن إجابة لأسئلتهم من طريق آخر، وأنا متأكد أنك لا تريد ذلك، أرو عطشهم للمعرفة، ولا تستهزئ بأسئلتهم فتجيبهم بكلمة أو كلمتين .
فمثلاً سألت هدى والدها عن عمله، فأجابها أنا صيدلاني ، فسألته عن عمل الصيدلاني ؟ فقال لها : أنا أبيع الأدوية والعقاقير .. وفي أحد الدروس في المدرسة الذي كان يتحدث عن المهن، سألت المدرسة هدى عن عمل والدها؟ فأجابت هدى ، الطفلة البريئة ، وبكل فخر : أبي يبيع المخدرات.
وبالتالي توقع ماذا سيحدث فتأتي الشرطة على باب منزلك يحملون إذنًا بالتفتيش لاشتباههم بوجود عقاقير ومخدرات في المنزل .
أنا أعلم أنك لا تستطيع أن تقول لهم قصة لا نهاية لها مع كل سؤال، فهناك أوقات تكون فيها مشغولاً أو مرهقًا ، أو فقط لا تشعر بالرغبة في إجابتهم ، فقط حاول أن تستفيد جيدًا من الوقت الذي لست فيه مرهقًا أو مشغولاً .

والدتي كان لديها طريقة رائعة لإثراء معلوماتنا ، وكانت تحب الاستماع للقرآن والمحاضرات الإسلامية من الأشرطة، في كل مرة كانت تستمع فيها لقصة وترى أنها مفيدة تجمع أخواتي وأنا معهم ، وتروي لنا ما سمعته، وكنا نشعر بأننا أذكياء عندما نذهب للمدرسة فتشرح لنا المدرسة القصة التي نعرفها .

شيء رائع آخر: هو إطراؤهم .. الجميع يحب أن يشعر بأنه يقدر ، أو يشعر بأنه يفعل عملاً جيدًا ” . ” نور أنتِ ماهرة في ذلك ” ، ” علي ، لقد قدمت لي مساعدة كبيرة ، لا أعرف ما كنت سأفعل لولاك ” .
سبحان الله ، حتى ابنتي ذات التسع سنوات - والتي بدأت تدرك العالم الإنساني - تحتاج هي الأخرى لبعض الإطراء، أحيانًا تعمل بعض الشقلبات والحركات البهلوانية أو الرقص وأنا أصفق وأضحك بهسترية ؛ فقط لكي تنهي طعاما حسنًا. أنا أبالغ نوعًا ما ، لكن أنا متأكدة أنك فهمت قصدي .

أشياء يجب اجتنابها
من جهة أخرى ، هناك أشياء عليك اجتنابها ، ومنها تجنب أن تفقد أعصابك وهدوءك. عندما تفقد أعصابك تقول وتعمل أشياء لا تقصد قولها أو فعلها، كُن لينًا ولا تصعب الأمور وتأخذها بجيدة زائدة .
كان هذا نهج سيدنا وحبيبنا الرسول صلى الله عليه وسلم ، كما ذكر أنس في الحديث التالي : خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أفٍ قط وما قال لشيء فعلته لم فعلته .(رواه البخاري) .
يا له من نموذج رائع للاقتداء به ، لماذا لم يقل : اتتحداني ” ويطارده في الصحراء بالعصا ؟ لماذا لم يوبخه ؟ إنها شخصية الرسول العظيمة التي ساعدت في بناء شخصية إسلامية رائعة هي شخصية أنس بن مالك رضي الله عنه.

في النهاية علينا ألا نفضل طفلاً على آخر، فإذا قبلت أحدهم عليك أن تقبلهم جميعهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن الأقرع بن حابس رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقَبِّل الحسن ، قال : إن لدي عشرة أطفال ما قبلت أحدًا منهم ، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : من لا يرحم لا يرحم “.(رواه مسلم ) .

هناك مكافأة رائعة لمن يحاول أن يفعل كل تلك الأمور ، عندما نعاملهم بالطريقة التي نريد أن يعاملونا بها سيشعرون براحة أكثر . سيشاركوننا شعورهم وستزاد ثقتهم بنا، سيحترموننا لأنهم يحبوننا ، ليس لأنهم يخافوننا ، هؤلاء الأطفال هم مستقبل المجتمع المسلم ، فليكن الله في عوننا لكي تخرج أفضل القادة في أفضل المجتمعات.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق