لا تتركيه يسير معك وهو ينتحب

التربيه والتعليم

كيف تتصرفين حين يستفزك طفلك وأنتما تتسوقان بالتشبث بما يراه فى متجر اللعب؟
فى المتجر توقف صغيرى أمام أكثر من لعبة، ودق بقدميه الأرض لأشتريها له، رفضت ، زاد إصرارًا، فنهرته بشدة، وجذبته من يده لأكمل شراء احتياجاتى، فسار معى وهو ينتحب، فى طريق عودتنا التقيت إحدى صديقاتى المقربات، وكانت صغيرتها تحمل فى يدها لعبة، وبمجرد أن تصافحنا لتمضى كل منا فى طريقها، شد ابنى اللعبة من يد الطفلة، وأصر على أن يصطحبها معه إلى البيت قائلاً للصغيرة: هل تسمحين لى بالاحتفاظ بلعبتك، وعندما تأتين مع أمك لزيارتنا سألاعبك معى بكل لعبى؟ أخجلنى تصرف ابنى وبعد نقاش طويل ومجهد ترك اللعبة، وسار بجوارى حزينًا، عدنا إلى البيت، وانشغلت بترتيب ما اشتريته، ولكن ابنى لم يدعنى، فقد ظل ينادينى كل دقيقة تقريبًا ليطلب حلوى، أو ليسألنى بماذا يلعب؟ أو ليرينى رسمًا لونه فى مجلة أطفال، أو ليسألنى متى سنزور جدتى؟ وهل ستتركينى أبيت معها.

شعرت بالاستفزاز والضغط العصبى الرهيب، وتراقصت أمام عينى تصرفات ابنى فى المتجر، ومع لعبة ابنة صديقتى، فاستجمعت قواى فى صرخة نهرته بها، وطردته خارج المطبخ، فجرى وهو يبكى، بينما غرقت فى الإحساس بالذنب والندم، سألتى نفسى ماذا عليّ أن أفعل؟
هل شعرت بالإحساس نفسه نحو طفلك؟ وهل مر عليك يوم مثل الذى عاشته هذه الأم، وعجزت عن التصرف السليم فيما واجهك خلاله من مواقف.

إذن لنتعرف معًا على ما كان على هذه الأم أن تفعله ليمر اليوم بسلام، ومن دون ندوب فى نفسية صغيرها البريء؟
تقول الخبييرة التربوية فيليس هوسلر - هناك مشكلة قلما نجد آباءً أو أمهات لم يواجهوها، ألا وهى تعلق الطفل بكل ما هو جديد سواءً فى متاجر اللعب، أو سوق الحلوى، أو حتى ما هو فى يد أقرانهم، وإن كان أقل قيمة مما يملكون بالفعل، لحل هذه المشكلة تضيء الكاتبة حقيقة غائبة عن أذهان الآباء والأمهات، ألا وهى أن هذا التعلق الظاهرى بالأشياء الجديدة مظهر طبيعى نمر نحن الكبار به.

ولكننا لا نحزن إن لم نمتلك كل ما نتعلق به، ومن ثم فإن عبارة “أريد يا أمى” الرائعة يجب ألا تؤخذ فى الغالب مأخذ الجد، فهى مجرد تعبير عن رغبة وقتية وبالتعامل السليم مع الموقف لن يتمسك الطفل بها.
إذا نظرنا بهذه الطريقة إلى الأمر سنمتنع عن وصف أطفالنا بأنهم ناكرون للجميل، ومتذمرون، وطماعون، وغيرها من التهم التى نقذفهم بها طوال اصطحابنا لهم فى الأسواق.
ماذا نفعل إذن بدلاً من توبيخ الطفل، ووخزه وبدلاً من أن نلوم أنفسنا بأننا نترك أطفالنا تعساء؟ تجيب الخبيرة: يمكننا بدلاً من ذلك، إذا ما أعلن الطفل عن رغباته، أن نتريث لكى نقول له: حقيقة إنه شيء لطيف، أليس كذلك؟ تأمل كذلك هذه اللعبة، وهكذا نستمر فى حديثنا الودى معه فنقول له: إن ذوقك طيب فى اختيار اللعب، فإظهار عطفنا على هذا النحو، يساعد الطفل الذى يقف عند واجهة المتجر، ويبعد عنه أى إيحاء بالخطأ فى إعلان رغبته بصوت مرتفع، وهذا يقلل أيضًا بصورة فعالة الرغبة الحقيقية فى التطلع إلى الأشياء، ورؤيته أشياء كثيرة محببة إليه تفقده جاذبيته القوية لاختياره الأول كانت.
فى أحيان أخرى يمكننا محاولة إرضاء رغبته بطريقة ذكية كأن نقول له: أظن أن لديك نقودًا فى صندوقك تكفى لهذا الغرض، إذا كنت متأكدًا أن هذا هو ما تريد شراءه، فلنذهب إلى البيت لنرى، وهذه الطريقة ستساعد الطفل على معرفة أن الغرض من النقود مبادلتها بشيء آخر وهو درس ضرورى، يعلمه أن الادخار يفيدنا فى أوقات الشدة، لذلك ينبغى أن ندرك أن الطفل الذى يجرى هنا وهناك مأخوذًا فى متجر اللعب يشير ويتعجب، ويعبر عن إعجابه التلقائى، إنما يتصرف تصرفًا سليمًا طبيعيًا، أما إذا وجدناه منصرفًا عن التطلع إلى هذه الأشياء؛ لأنه لا يستطيع الحصول عليها، أو لم يصدر عنه ما يدل على اللهفة، فيحق لنا حينئذ أن ننزعج.

وترصد فيليس هوسلر تصرفًا آخر يزعج الآباء والأمهات، وذلك حين يفاجئون بطفلهم يخطف دمية صديقة أو لعبته، وهو على وشك الرحيل، وهو يقول أريد إبقاءها معى، أو هل أستطيع أن آخذها إلى البيت؟ وتؤكد الكاتبة أن مثل هذا الطفل لا يزيد خطؤه فى الأخلاق الحميدة على ثغرة صغيرة، وفقًا للمعايير التى اصطلح عليها الكبار؛ لأن الطفل على الأقل يقول مخلصًا: إننى أريد لعبتك هذه، ويمكن صرف الطفل عن هذه الرغبة بتحويل الحديث إلى منحى آخر كأن نسأله: وماذا ستعطى من لعبك لصديقك مقابل هذه اللعبة، أو تخاطبين الصديق قائلة: لا تنسى اصطحاب هذه اللعبة معك كلما جئت لتلعبا بها سويًا.
ويحدث تعلق من نوع آخر يزعج الأم خاصة، ويكون داخل البيت، وهى صورة الطفل الذى يلاحق أمه فى أنحاء البيت مرددًا طلبات لا تنتهى مثل: أريد أن ألعب؟ أريد قطعة من الحلوى؟ انظرى يا أمى إلى هذا؟ ماذا سأفعل عندما يأتى صديقى فلان؟ وهكذا سيل من الطلبات التى يريد منها فى الحقيقة جذب أمه إليها ويقول لها: لماذا لا تتحدثين معى، وتنظرين إليّ، وتتصلين بى؟ لأن كل الأشياء التى طلبها ليست إلا تعويضًا عن شيء آخر أكثر دوامًا أنكرته عليه أمه، ومن المؤسف - كما تقول الخبيرة - أن هناك أمهات يجدن فى هذا التعويض بديلاً سهلاً لما يبدينه من إهمال لأطفالهن، والطفل الذى لا يتأكد من شيء معين كحب أمه له، أو من منزلته فى البيت يجد عزاءه وأمنه فيما يستطيع الحصول عليه، فالحلوى التى تقدمها له أمه تعنى على الأقل نوعًا من الاتصال بها، واللعب الكثيرة التى يملكها، والتى تتزايد حجمًا ونوعًا، إنما تؤكد له - بل وتؤكد لغيره - أنه شخص له أهمية فى البيت، لذا فالطفل الذى لا يريد مشاركة أصدقائه فى لعبة، أو ذلك الذى ينتزع منهم لعبه، لن يجدى معه القهر والإجبار؛ لأنه لن يتعلم من ذلك شيئًا؛ لأنه لن يسمع إلا الصوت الذى يتردد فى حياته الخاصة، ولن يدرك إلا أنه محروم من الذى يراه فحسب، والحل إذن - وفى كل مشاكل الصغار، هو تأمين روعهم إلى أقصى حد، ومنحهم نظرات الود التى يحتاجونها، والأذرع الحانية، والحجور المطمئنة، والتعليقات التى تريح الطفل مثل: لقد قمت بعمل رائع إننى أحب ذلك جدًا، تهدئة لروع الطفل وإراحة لنفسه.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق