فضائيات الرسوم المتحركة.. هل سرقت أطفالنا ؟

التربيه والتعليم

الرسوم المتحركة الوافدة تقدم للأطفال قيمًا غريبة عن مبادئ الإسلام، وتعظم فيهم العنف والذاتية، وتقتل فيهم القدوة .

لا تراعى أفلام الكرتون المستوردة نفسية الطفل العربى، فتكسبه شخصية مهتزة ممزقة بين الخيال والواقع.

الأسرة الذكية تخلق طفلاً ناقدًا يتحلى برؤية منضبطة للسلوك والحكم على الإعلام الوافد، والتعامل معه بصورة انتقائية واعية.

الرعاية والتوافق الأسرى، وتنويع مصادر المعلومات والأنشطة، وصحبة الأبناء أهم مفاتيح التصدى لخطر الرسوم المتحركة الوافدة.

أظهر أحد الاستطلاعات فى الكويت، وشمل ثلاث مدارس للأطفال (ذكورًا وإناثًا)، أن 61% من الأطفال يعتمدون على القنوات الفضائية فى مشاهدة أفلام الكرتون، مثل قنوات سبيس تون، ووالت ديزنى، وغيرها.

كما أثبتت دراسة استطلاعية أخرى أن نسبة 30% من أطفال أحد أكبر المدن الإسلامية من حيث عدد السكان (مدينة كراتشى الباكستانية)، يقضون أمام شاشات التليفزيون وقتًا ضعف الوقت الذى يقضونه فى مدارسهم، فعندما يكمل الطفل دراسته الثانوية يكون قد قضى 22 ألف ساعة من وقته أمام شاشة التليفزيون، و11 ألف ساعة فقط فى غرف الدراسة، كما بينت الدراسة أن الرسوم المتحركة تمثل نسبة 88% مما يشاهده الأطفال.

وبالتالى توجد حاجة لدراسة أثر فضائيات الرسوم المتحركة على الأطفال، نظرًا لأن قطاعًا كبيرًا - من الآباء والأمهات - لا ينتبه لخطورة أثرها على الأطفال، ويلجأ إلى شغل أوقات الصغار بها هربًا من عُرى الفضائيات الأخرى، فضلاً عن أن الأطفال يتفاعلون مع مادتها، ويحرصون على متابعتها، لدرجة أنها تعد من أهم وسائل التثقيف للطفل، مقارنة بالوسائل الأخرى، فثلاثون دقيقة من الرسوم المتحركة تساوى فى أثرها قراءة آلاف الكتب؛ لأن هذه البرامج والأفلام تلعب دورًا ملحوظًا فى صياغة شخصية ونفسية الطفل المولعة بالمحاكاة التى يعتمد عليها كثيرًا فى تعلمه.

ضياع القدوة

وإذا كانت أفلام الكرتون تعطى الطفل فرصة الاستمتاع بطفولته، وتفتح مواهبه، وتنسج علاقاته بالعالم حوله، فإن هناك الكثير من الرسوم المتحركة لا يتفق والعقيدة الإسلامية؛ حيث فكرة القوة الخارقة والقدرات المستحيلة لدى سوبرمان، أو ميكى ماوس القادم من السماء لخدمة المظلومين، أو الأخطاء الواضحة مثل السجود لغير الله، مثلما حدث فى الفيلم الكرتونى «الأسد الملك»، عندما قامت كل الحيوانات بالسجود لـ «سمبا» عند ولادته، وقام بعدها القرد بعرض «سمبا» على ضوء الشمس، وكأنه يستمد قوته منها، كما ظهر «الخنزير» فى هذا الفيلم كحيوان طيب رقيق القلب قام بتربية سمبا واحتوائه بعد قتل أبيه.

كما تعمل هذه الأفلام على تحريف القدوة، وذلك بإحلال الأبطال الأسطوريين محل القدوة، بدلاً من الأئمة المصلحين والقادة الفاتحين، فتجد الأطفال يقلدون الرجل الخارق Super man، والرجل الوطواط Bat man، والرجل العنكبوت Spider man، ونحو ذلك من الشخصيات الوهمية التى لا وجود لها، فتضيع القدوة فى خضم القوة الخيالية المجردة من أى بعد إيمانى.

إن هذه الأفلام تكتفى من حواس الطفل بالسمع والرؤية، ولا يعمل على شحذ هذه الحواس، وترقيتها عند الطفل، وتؤدى أيضًا إلى الإضرار بالصحة، وتقليص درجة التفاعل بين أفراد الأسرة، فمن المعلوم أن الجلوس لفترات طويلة، ومواصلة النظر لشاشة التلفاز لهما أضرارهما على صحة الطفل، وأن أفراد الأسرة كثيرًا ما ينغمسون فى برامج التليفزيون المخصصة للتسلية لدرجة أنهم يتوقفون عن التخاطب معًا.

الدور التربوى المطلوب

وفى هذا الإطار أكدت دراسة أصدرها المجلس العربى للطفولة والتنمية فى ديسمبر الماضى، أن برامج الرسوم المتحركة المستوردة فى معظمها تؤثر سلبًا على الأطفال، لكونها لا تعكس الواقع ولا القيم العربية، ولا حتى تعاليم الدين الإسلامى، على اعتبار أن هذه البرامج تأتى حاملة لقيم البلاد التى أنتجتها، وتعكس ثقافتها.

وأشارت فى ذلك إلى ترديد الأطفال للألفاظ والعبارات التى يسمعونها، وكذلك تقليد الحركات والأصوات التى تصور شخصيات أو حيوانات، إضافة إلى تقليد بعض اللهجات والشخصيات فى سلوكها وفى أزيائها.

وتعمل بعض الأفلام والمسلسلات المستوردة على بعث المخاوف فى نفوس الأطفال، وتكسبهم القيم غير الملائمة للطفل العربى، ولا تساعد على تعديل سلوكه، كما أنها لا تراعى الخصائص النفسية للأطفال.

وبناء عليه، يبرز الدور التربوى للأسرة من خلال تثقيف الأطفال وتعليمهم القيم الإسلامية بما يجعلهم يكتسبون موقفًا مبنيًا على تقييم ناقد لوسائل الإعلام من وجهة نظر إسلامية، فإذا قدم الآباء قواعد السلوك الإسلامى المنضبط، وأوضحوا للأطفال أن الجرائم والعنف والحياة الخيالية أمور غير مرغوب فيها، فإن الأطفال يكبرون وهم يحملون مواقف إيجابية، ويتحلون بنفسية تحميهم من الآثار السالبة لوسائل الإعلام، وبذلك فإن أفضل السبل لإبطال تأثير التليفزيون هو قيام الآباء والمعلمين بتثقيف الأطفال وتهذيبهم، وأيضًا إنتاج بديل عربى مبنى على الخصوصية الثقافية، ويتميز بكفاءة إبداعية عالية مثل الإنتاج غير العربى.

ومن الأبعاد المطلوبة فى الدور التربوى للأسرة تقليل مدة مشاهدة الأطفال للرسوم المتحركة، إلى معدل متوسطه ثلاث ساعات أسبوعيًا، وهذه الفترة المتوسطة تعلم الطفل كيف يختار بين البدائل الموجودة، وتعلمه الاتزان والتخطيط، وكيفية الاستفادة من الأوقات. كما أنها - إذا أحسن الاختيار - تدفع عنه سلبيات التلفاز والرسوم المتحركة المذكورة آنفًا.

البحث عن البديل الملائم

وترى الدراسات المتخصصة أن مواجهة التأثيرات السلبية لمضامين أفلام الرسوم المتحركة من المفترض ألا يتوقف عند استعادة الدور التربوى للأسرة ، وإنما تتمثل فى إيجاد البدائل التى تعمق الثقافة الإسلامية أيضًا، وذلك بإنشاء ودعم شركات إنتاج الرسوم المتحركة التى تخدم الثقافة الإسلامية، وتراعى مقوماتها، ولا تصادم غرائز الطفل، بل توجهها وجهتها الصحيحة.

وتطالب دراسة المجلس العربى للطفولة والتنمية فى هذا السياق بتفعيل دور مؤسسة الإنتاج البرامجى المشترك لدول الخليج العربية، عبر تزويدها بالدعم المالى والبرامج المقترحة، وتبادل الخبراء والفنيين بين التليفزيونات العربية فى مجال الإنتاج للطفل، وطرح مسابقات فى مجال الإبداع البرامجى للطفل العربى.

كما توصى المسؤولين فى أجهزة الإعلام العربى بتوخى الحذر فى انتقاء البرامج الأجنبية، بحيث لا تقدم للأطفال نماذج يحتذونها تتعارض مع تنشئتهم وفق الأهداف التى يرتضيها المجتمع، مع استبعاد تلك البرامج التى تعمد إلى إثارة نوازع الجنس، أو العدوان، أو تسبب الفزع، أو تبرز العنف بما يتنافى مع القيم الإنسانية.

وتدعو الدراسة إلى ضرورة إيلاء عناية خاصة لبرامج الأطفال فى الأقطار العربية، خاصة فى ظل إعلام متنوع يبث عبر الأقمار الصناعية فى كل بقاع العالم إنتاجًا إعلاميًا من إفراز ثقافات متعددة الغلبة فيها للأقوى فى الإبداع والنشر والتوزيع.

إدمان التليفزيون

وقد علق د. محمد حسن غانم - أستاذ علم النفس بجامعة حلوان - على خطورة الرسوم المتحركة فى الإعلام المرئى على تكوين شخصيات أبنائنا بقوله: أكدت الدراسات والأبحاث التى أجريت حول تأثير التليفزيون عمومًا على عقلية الطفل، على عدد من النتائج:

- أن هذه المواد التى تقدم للأطفال تمنعه من ممارسة الأنشطة الحركية والثقافية الأخرى.

- أنها تحرم الطفل من التفاعل والتواصل الاجتماعى.

- تزداد احتمالات إصابته بالبدانة من جهة، وبالانطواء النفسى من جهة أخرى.

- كما أنه يتأثر بالشخصيات التى تعرض أمامه، خاصة أن التليفزيون يعرض هذه الشخصيات بصورة مؤثرة جذابة قد تصل بهم إلى مرحلة الإدمان والتعلق الشديد به، وقضاء أطول فترة أمامه، ومن ثم احتمال التمرد على أوامر الوالدين التى قد تحرمهم من متابعتها.

- الانفصال عن الواقع والقيم والتقاليد نتيجة العيش فى عالم مبهر بعيد عن الواقع.

قتل الانتماء

ثم يطرح سؤالاً: ما الشروط التى ينبغى الالتزام بها فى تحديد نوع المادة وكيفية عرضها على الطفل؟

فيقول: للأسف ليس لدينا فى العالم العربى ما نقدمه للأطفال، وحتى المحاولات التى نقدمها للأطفال ماهى إلا تقليد لما يعرض فى الغرب، أو استيراد لهذه المواد من الغرب دون الأخذ فى الاعتبار اختلاف القيم التى ينشأ عليها الطفل هنا وهناك.

وهذا ينطبق على الرسوم المتحركة التى تقدم للأطفال عالمًا يحتذون به مخالفًا لنا، فمعظم هذه الرسوم تؤكد قيم العنف والذاتية، وعدم مراعاة الآخر، وهى قيم سائدة فى الغرب، وتخالف قيم الإسلام التى تدعو إلى التعاون، وإماطة الأذى والبشاشة فى المعاملات، والأخطر من ذلك أنها تقتل انتماء الشخص وولائه تجاه أسرته ومدرسته ومجتمعه الأكبر، بل سيتوق شوقًا إلى الهجرة إلى الغرب الذى امتص منه قيمه إبان فترة طفولته، وتوحد بنماذجه، وشعر أنها قريبة منه.

التصدى الأسرى

وفى مواجهة هذا الخطر القاتل ينبه د. غانم إلى أهمية دور الأسرة فى التصدى والتوعية الذكية للأبناء من خلال:

- الرعاية والتنشئة على نماذج القدوة فى الواقع، والتوافق بين الوالدين فى أسلوب التربية يخلق شخصية سوية.

- أن يكون الآباء فى سلوكهم قدوة للطفل.

- توعية الأبناء بأن التليفزيون أحد وسائل اكتساب المعرفة والقيم، وليس كل الوسائل وتوجيههم إلى تنويع الأنشطة وتنويع مصادر اكتساب المعلومات والقيم الصحيحة من المسجد و الرحلات و القراءة فى الكتب والقصص النافعة.

- مصاحبة الأم لأبنائها وجلوسها معهم أثناء المشاهدة لتنبيههم إلى السلوكيات الخاطئة، فيما يشاهدون من ( كذب/ تحايل/ عنف/ سرقة/ انحراف/ تدخين) ، وتصحيح مفاهيمهم عن الشخصيات التى تعرض لهم بصورة جذابة تحول المدخنين أو تجار المخدرات والبلطجية إلى نماذج قدوة لدى الأطفال.

- تنبيه الأبناء أن الخيال جزء من الواقع وليس كل الواقع، فلابد من الاحتكاك بالواقع والتواصل مع الآخرين، ومراجعة سلوكياتهم أولاً بأول لتصحيح أى اعوجاج أو تقويم أى خطأ يمكن أن يكتسبه الأبناء من أصدقائهم ، ومساعدتهم على اختيار الأصدقاء الصالحين بأنفسهم دون خضوع لاختيارات الآخرين.

- على الآباء الجلوس مع أبنائهم، فهذا يحقق لهم الإشباع النفسى، ويوفر لهم البديل الحى عن الاستغراق أمام التليفزيون بما يقدمه من غث وسمين.

نسأل الله أن يحفظ أبنائنا و يجعلهم قرة عين لنا و للمسلمين و الحمد لله رب العالمين





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق