!!..صـنــــاعــــة الــــفـــرص

الادارة

قال الله تعالى: [وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ](الزمر:54).

لا بد لكل إنسان أن يستثمر الفرص التي تتاح له في حياته، والمسلم أولى من غيره في ذلك، وخاصة في قضية استثمار الدنيا للحياة الآخرة. فالناس مثلا حين يرون مشاهد القيامة وأهوالها يتمنون أن تتاح لهم فرصة العودة مصداقاً لقوله تعالى: [يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ](الأنعام:27). فكم مرة تفتح أبواب رحمة الله لعباده، وتتهيأ لهم الفرص وهم غافلون عنها، وحينما تذهب الفرصة تلو الأخرى يأملون ويتمنون عودتها ولكن دون جدوى، قال تعالى:[ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ](الأعراف:53).
إذن لا بد لكل إنسان أن يستثمر الفرص في حياته بل يبادر إلى صناعة الفرص، والاجتهاد في إنجاحها في كل مجالات الحياة.
لكل ذلك أوصى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أمته، بقوله: (اغتنم خمسا قبل خمس، حياتك قبل مماتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك).
إن ضمان متطلبات التغيير لن يتحقق ببذل مزيد من الجهد البدني فحسب، إنما يكون بتوظيف العقول التي تعيش تحديات هذا العصر ومتغيراته، فالقطار لا ينتظر الذين يسيرون ببطء.
وها هو سيدنا يوسف الصديق (عليه السلام) حين عبّر رؤيا الملك، وأخبر أنهم أمام سبع سنين من الرخاء، وسبع من الشدة، أمرهم أن يغتنموا فرصة الرخاء ليدخروا لسني الجفاف.
والمؤمن الصادق أولى من غيره بصناعة الفرص وإيجادها لإسعاد الناس في الدنيا والآخرة، فالحاجة أم الاختراع، فها هم صناع السلام والمتاجرون به حين تكسد سوقه يفتعلون الحروب ويوجهون نارها ليروجوا بضاعتهم، وأصحاب رؤوس الأموال يُغرقون الناس بالدعاية لمنتجاتهم حتى يوجدوا مجالا لتسويقها.
والقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة مليئان بهذه المعاني، فحينما جاءت امرأة من السبـي تحتضن صبيا ذكّر (صلى الله عليه وسلم) أصحابه برحمة الله لعباده، وفي غزوة الأحزاب حينما بلغت القلوب الحناجر وتكالب الأعداء على أهل الإسلام عندها غرس رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الأمل مكان اليأس في قلوب أصحابه حينما وعدهم بكنوز كسرى وقصور قيصر.
وصلح الحديبية فرصة اغتنمها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بل نجح في اغتنامها، فمن فوائدها أن المشركين بدأوا يعترفون بالمسلمين كقوة كبرى تستحق أن تفاوض معها، ومنها أن قريش كبلت نفسها بهذه المعاهدة فلا تفكر في حرب المسلمين على الأقل (عشر سنوات).
وصناعة الفرص لها أخلاق وآداب وضوابط منها: تم خطف رجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن اثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبـي (صلى الله عليه وسلم) فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت، فترك حتى كان الغد وبقي ثلاثة أيام على هذه الحال، وهذا الحوار بينه وبين رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وفي اليوم الثالث قال النبـي (عليه الصلاة والسلام): (أطلقوا ثمامة! فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.
فهذه فرصة وضّح فيها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لرجل له مكانة في قومه أموراً كثيرة: منها أنه اطلع على إقبال المسلمين مع بعضهم البعض، وتعاملهم مع نبيهم (صلى الله عليه وسلم)، ولو حُبِسَ في بيت من البيوت لما تحقق شيء من ذلك، وفي هذه الفرصة بيان لأخلاق المسلمين في تعاملهم مع الآخرين حتى لو كان أسيراً من خلال إطعامه وعدم ضربه وتعذبيه، مما يؤدي إلى رد فعل عكسي تجاه الإسلام، وفي هذه فرصة لهداية الناس، فالمسلمون ليسوا طلاب دنيا، وقد اطلق رسول الله سراح ثمامة، لأن في ذلك الخير فهو إن أسلم فذلك إنجاح للفرصة، وان لم يسلم فسوف يحفظ هذه المنة للمسلمين، كما قال:”إن تنعم تنعم على شاكر”، أي يشكر هذه النعمة ويكافيء عليها.
والأمثلة في تاريخ المسلمين وحاضرهم - في صنع الفرص وإنجاحها في جميع مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والسياسية - كثيرة.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق