مفهوم النموذج المعرفي مداخلة فكرية مع مفتي جمهورية مصر

الادارة

ضمن نشاطات “برنامج حوار الحضارات ” التابعة لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة, تم إقامة دورة حول الحوار الحضاري بتاريخ 3/9/2006 وكان كاتب هذا المقال من أحد الحاضرين في الدورة, وقد ألقى مفتي جمهورية مصر الشيخ الدكتور علي جمعه محاضرة حول” النموذج المعرفي الإسلامي” قام سعادة المفتي بتشريح مصطلح النموذج المعرفي الذي هو من إبداع فيلسوف العلم المعروف “توماس كون” واعتبره إطارا منهجيا يمكن استخدامه لدراسة المعرفة الإسلامية على خلفية مقولة مركزية وهي أن مفهوم النموذج المعرفي مفهوم محايد وقالب فارغ يمكن استخدامه دون أن تترك آثارا على المعرفة موضوع البحث, وقد عمل صاحب هذا المقال مداخلة حول أن مفهوم النموذج المعرفي تستبطن مجموعة من المقولات لا يمكن بالتالي أن لا تترك آثارا علي النظام المعرفي موضوع البحث, وقد رد سعادة المفتي على المداخلة وفق منطق محاضرته.

لذلك هذا المقال يأتي في سياق تشريح فكري لمفهوم النموذج المعرفي دون مداخلات مباشرة حول علاقتها أو إمكانية استخدامها لدراسة المعرفة الإسلامية, المقال تستبطن فرضية مركزية محورها أن مفهوم النموذج المعرفي تمارس سلطة مباشرة في رسم النظام المعرفي وبالتالي فإن ما تقوم عليه من أسس وقواعد يكون له دور بارز في فرض مستوى من التناول قد يكون من الصعوبة الادعاء اعتبارها أداة وإطار منهجي محايد لتناول الظواهر المعرفية.

وللاقتراب من طبيعة استخدام مفهوم النموذج المعرفي على الحقول المعرفية تم تناول إمكانية تطبيق المفهوم في علم السياسة.

من هو توماس كون

يعد “توماس كون Tomas Kohn ” من أهم وأبرز فلاسفة العلم في عالم اليوم, بل قد ينظر إليه أحيانا على أنه الممثل الشرعي الرئيسي لحركة الربط بين تاريخ العلم History of Science وفلسفة العلم Philosophy of Science من خلال الميثودولوجيا Methodology . وهكذا الاتجاه متوقع رغم انه متوقع منذ صدور مؤلف “كارل بوبر Karl Poper ” “منطق الكشف العلمي The Logic of Scientific Discover ” إلا انه كان ينبغي على فلسفة العلم أن تنتظر مقدم “كون” ليحقق فكرة الربط التام بين هذه الجوانب الثلاثة في “بنية الثورات العلمية “The Structure of Scientific Revolutions الذي دارت حوله الدراسات في العقود الماضية ولا زالت حتى يومنا هذا ( ).

تحديد مفهوم النموذج المعرفي

نظرا لحداثة هذا المفهوم واعتماد الباحثين فيه وبه على ما قدمه “كون” فإنه من الصعب تقديم تعريف دقيق له, خاصة أن “كون” نفسه الذي كان أول من ادخله في المعجم العلمي المعاصر قد استخدمه بأثنتين وعشرين دلالة ( ) .

في ذيل الطبعة الثانية من كتابه ” بنية الثورات العلمية” اعترف “كون” بما وصلت إليه “مارجريت ماسترمان Masrget Maserman ” من أن المفهوم غامض, وانه حقا قد استخدمه بمعاني شتى, فمرة كان يرى في قوانين نيوتن نموذجا معرفيا, وأخرى كان يراها مكونا لهذا النموذج وثالثة ملحقة به أو صفة له ( ) .

وبحسب “كون” فإنه استخدم مصطلح النموذج المعرفي في الجزء الأعظم من كتابه بمعنيين مختلفين, فهو من ناحية يعبر عن جماع المعتقدات والقيم المتعارف عليها والتقنيات المشتركة بين أعضاء مجتمع بذاته, ومن ناحية أخرى باعتباره مثالا مشتركا بين أعضاء جماعة البحث ( ) .

وبحسب “منى أبو الفضل” فإن ” Paradigm ” هو نسق معياري وإدراكي ينظم تفكيرنا في حقل معين ويوفر له الأسس والإطار ويضع حدوده ونطاقه مثل, المفاهيم, النظريات,المنظورات, ورؤية العالم” ( ).

بذلك يشير النموذج المعرفي إلى أبنية ضمنية التي يمكن أن تفهم منه مستويات مختلفة من الواقع الاجتماعي التي يتخذ صورا مختلفة ......فهو اطر معرفية للواقع الاجتماعي ( ).

ويشير” Egon G. Guba and Yavona S. Lincoln ” إلى النموذج المعرفي بأنه نظام معتقد أساسي أو رؤية للعالم يرشد الباحث ليس فقط في اختيار المنهج وإنما انطولوجيا وابستمولوجيا بصورة أساسية” ( ) .

وهناك من يرى أن النموذج المعرفي اشمل في مدلوله من النظرية, إذ يرمز إلى مجموع القناعات التي تجمع أفراد مجموعة علمية في ميدان معين وفي حقبة معينة, وهذه القناعات أو المعتقدات تهم النظريات والمناهج السائدة. وتتضمن نظرة معينة إلى الكون وقد تكون لها جذور ميتافيزيقية أو ايدولوجية, فالنموذج المعرفي هو الذي يقود ويوجه المجموعة العلمية في أبحاثها بإعطائها وسائل الانتقاد والنقد ( ) .

في موسوعة العلوم السياسية تم الإشارة إلى مفهوم النموذج المعرفي بأنها صورة لوضعية علم معين وتمثل الصورة ما هو مقبول بشكل عام بين ممارسي ذلك العلم ونظم النظريات السائدة حاليا لعلم ما, وتوجه العاملين في نطاق هذا العلم لكيفية عمل علمهم هنا ( ) .في السياق العام لاستخدام “كون” للمفهوم يمكن تعريف النموذج المعرفي بأنه مجموعة متآلفة منسجمة من المعتقدات والقيم والنظريات والقوانين والأدوات والتكنيكات والتطبيقات, يشترك فيها أعضاء مجتمع علمي معين, وتمثل تقليدا بحثيا كبيرا, أو طرقة في التفكير والممارسة.ومرشدا أو دليلا يقود الباحثين في حقل معرفي ما ( ) .

عليه يكون النموذج المعرفي مرشدا للباحث في المجتمع العلمي ويشكل المعيار الذي يحدد حقل معرفي معين ( ).

طوّر “كون” مفهوم النموذج المعرفي بعد سبعة سنوات من إصدار كتابه” بنية الثورات العلمية” واقترح مصطلح مصفوفة معرفية Disciplinary Matrix واعتبر مفهوم النموذج المعرفي مكون من مكونات المصفوفة المعرفية.

مفهوم المصفوفة المعرفية أو القالب المبحثي كما استخدمه مترجم كتاب” بنية الثورات العلمية” يتضمن أربعة عناصر أو مصفوفات:

1-التعميمات الرمزية: وهي مكون هام من المكونات الأساسية لمفهوم المصفوفة المعرفية, وهي تشير إلى تلك التعبيرات التي يستخدمها أعضاء جماعة البحث دون ارتياب أو اختلاف بشأنها أي بمعنى تعبيرات مشتركة ومتفقة عليها, مثال ذلك الإشارة إلى القوة برمز(ق) ( ) .

2-الجوانب الميتافيزيقية:يعني بذلك أللالتزام الجمعي أو المشترك بمعتقدات معينة, مثل الحرارة هي الطاقة المولدة للحركة في الأجزاء المكونة للأجسام, وهذا الالتزام بمثابة المعتقد تؤمن بنماذج معينة وتزود جماعة البحث بقياس تمثيلي أو تشبيه مجازي مفضل على غيره.وهذا يمثل قاعدة للتفسير ومعيارا للصحة والخطأ ( ) .

3-القيم المشتركة والسائدة: وهي القاسم المشترك بين العلماء والمعيار في الحكم على النظريات والظواهر, إلا أن تطبيق القيم يتأثر أحيانا تأثيرا كبيرا بالقسمات المميزة للشخصية الفردية وتاريخ الحياة الشخصية وهي أمور تمايز بين أعضاء الجماعة الواحدة.

ويرى “كون” أن القيم المشتركة يمكن أن تكون محددات هامة لسلوك الجماعة حتى ولو لم يطبقها جميع أعضاء جماعة البحث بنفس الطريقة فالناس لم يرسموا جميعا على نحو متشابه عبر العصور التي كان التعبير فيها بالرسم قيمة أولية, ولكن المسار التطوري للفنون التشكيلية تغير بالكامل على إثر التخلي عن هذه القيمة( ) .

4-الأمثلة: تتعلق بالحلول الموضوعية للمشكلات التي يواجهها الدارسون, داخل المعمل أم في الامتحانات أم في نهاية فصول كتب العلوم الدراسية. وهي تتعلق أيضا ببعض حلول مشاكل التقنية التي تعرض في النشرات الدورية والتي تجابه العلماء خلال حياتهم العلمية وأثناء إجراء البحوث الدراسية, والتي توضح لهم بالأمثلة كيف يؤدون عملهم.وان الفوارق بين مجموعات الأمثلة المختلفة هي التي تكسب جماعة البحث بنية العلم الدقيقة أكثر مما تفعل جميع العناصر الأخرى المكونة للمصفوفة المعرفية ( ).

عناصر النموذج المعرفي

أولا:العلم القياسي Normal Science هذه العبارة عند “كون” تعني البحث الذي رسخ بنيانه على إنجاز أو أكثر, من إنجازات الماضي العلمية.وهي إنجازات يعترف مجتمع علمي محدد, ولفترة زمنية, بأنها تشكل الأساس للمارسات العلمية مستقبلا ( ) .

العلم القياسي هو العلم في الظروف العادية عندما لا يوجد ما يدعو إلى الشك في النظريات المعمول بها, ولا توجد أي ظاهرة شاذة لا تندرج وفق القوانين العلمية السائدة والمقبولة عن الجماعة العلمية ( ) .

الإنجاز العلمي المكون للعلم القياسي وفق رؤية كون يجب أن يكون إنجازا عظيما غير مسبوقة مما يؤهلها إلى كسب المزيد من موالين لها وصرفهم عن أساليب أخرى منافسة لها في النشاط العلمي.وأن تكون أيضا مفتوحة أيضا مفتوحة الباب لجميع أنواع المشاكل لكي يحلها جماعة من المهنيين المشتغلين بالعلم بتعريفه الجديد( ).

الإنجاز بذلك المعنى يمثل نموذجا معرفيا وعندما يلتزم به مجموعة من الباحثين يشكل العلم القياسي, وبتعبير”كون” “”فإن الباحثين الذين يركزون أبحاثهم على نماذج مشتركة فيما بينهم ملتزمون بذات القواعد والمعايير للممارسة العلمي, وهذا الالتزام وما ينجم عنه من إجماع واضح في الرأي, يمثلان الشروط الأولية للعلم القياسي,أعني شروط نشوء واستمرارية تقليد بحثي بذاته ( ).

بناءا على ما سبق ولضرب مثال عن العلم القياسي يعد ميكانيكا”نيوتن” أو قوانين نيوتن في الحركة والتي فسرت ظواهر كونية عديدة علما قياسيا ونموذجا معرفيا.

ثانيا:الجماعة العلمية Scientific Community

هي مجموعة العلماء والفعاليات العلمية, وهي تلك الجماعات والفعاليات والأنشطة المشغولة بالبحث العلمي, والمهمومة بقضايا التقدم العلمي, وقضايا استخدام المعرفة العلمية للنهوض بالمجتمع وتنمية قدراته في كافة المجالات ( ) .

يركز”كون” على الطبيعة الجمعية للنشاط العلمي مؤكدا أن العالم الفرد لا يمكن اعتباره ذاتا كافية للنشاط العلمي ( ) . ولكي يفسر مصطلح النموذج المعرفي بنجاح يجب أن يعترف بالمجموعات العلمية بوصفها مالكة لوجود مستقبل ( ) .

تتكون مجموعة علمية ضمن هذه النظرة, من ممارسي اختصاص علمي, وبارتباطهم معا بواسطة عناصر مشتركة في تعليمهم وتدريبهم, فإنهم يرون أنفسهم كما يراهم آخرون كأناس مسئولين عن السعي وراء مجموعة من الأهداف المشتركة, بضمنها تدريب خلفائهم, تتميز مثل هذه المجموعات بالكمال للاتصالات ضمن الجماعة والإجماع النسبي للجماعة في حكمها في القضايا المهنية.إن أفراد مجموعة معينة يستوعبون على نطاق ملحوظ الأدب نفسه ويستنتجون الدروس نفسها منه. وبسبب تركيز اهتمام المجموعات المختلفة, على القضايا المختلفة فمن المرجح أن يكون الاتصالات المهنية عبر خطوط جماعة شاقة وتولد غالبا سوء التفاهم, وقد تعزل عند متابعتها الخلاف الجدي ( ) .

عليه هناك خصائص جوهرية تجمع الجماعة العليمة, وهذه الخصائص تمثل الأساس في الانتماء وكسب العضوية في الجماعة العلمية, وحسب”كون” هناك بعض شروط أساسية لعضوية الجماعة العلمية “فرجل العلم لا بد أن يكون على سبيل المثال معنيا بحل مشكلات عن سلوك الطبيعة, علاوة على هذا, فإنه بالرغم من أن اهتمامه بالطبيعة قد يكون شاملا في نطاقه إلا أن المشكلات التي يعالجها لا بد أن تكون مشكلات تتعلق بالتفاصيل والاهم من ذلك أن الحلول التي ترضيه يمكن ألا تكون مجرد حلول مرضية له شخصيا, بل لا بد أن تكون مقبولة من كثيرين” ( ) .

والكثيرين عند “كون” لا تعني مجموعة من عامة الناس والمجتمع,”بل يجب أن يكون هو الجماعة التي جرى تحديدها تحديدا من بين العلماء المتخصصين الأكفاء القائمين بنفس النشاط العلمي” ( ) .

ويرى “كون” أيضا الحياة العلمية للجماعة العلمية يقتضي حظر الاحتكام إلى رؤوس الدولة أو الكافة فيما يختص بالحياة العلمية, لأن العلماء وحدهم أصحاب قواعد اللعبة في العلم, الفاهمون لها, أو أنهم شركاء في معيار متكافئ من أجل إصدار أحكام صريحة وواضحة. وإن الشك في أنهم متفقون على معايير مشتركة بينهم لعمليات التقييم إنما يعني السماح بوجود معايير متضاربة للإنجاز العلمي.ووضع كهذا من شأنه أن يثير بالقطع سؤالا عن وحدة العلم الحقيقية ( ).

هذه الخصائص والشروط للجماعة العلمية تتعلق بالعلم القياسي, وحينما يحدث شذوذا في ذلك ويحصل خروج عن قواعد اللعبة يكون هناك طريقا للعلم الشاذ أو الثورة العلمية.

ثالثا:أزمة النموذج المعرفي

مصدر أزمة النماذج المعرفية هو الأفكار والاكتشافات الجديدة, فالاكتشافات العلمية الجديدة تمثل مرحلة وسيطة بين النموذج المعرفي السائد وبين النموذج المعرفي المنبثق, وبتعبير “كون” فإن الاكتشافات عوامل بناء مثلما هي عوامل هدم ( ).

فهي عوامل هدم لنموذج معرفي سائد وبداية عوامل بناء لنموذج معرفي قادم.النماذج المعرفية تكتسب مكانتها من قدرتها على حل المشكلات.ولكن يوجد نموذج معرفي واحد يفسر كل المعلومات والعوامل, الأمر الذي يؤدي إلى ظهور الأزمات العلمية وهي شرط لانبثاق نظريات جديدة ( ) .

لذلك فإن انبثاق نظريات جديدة, كانت تسبقه عادة فترة يغلب فيها على الباحثين المختصين شعور واضح بالقلق وعدم الأمان. وكما لنا أن نتوقع فإن هذا الشعور بعدم الأمان إنما تولد بفعل الإخفاق الطرد في الوصول إلى المرتقبة من حل معضلات العلم القياسي, ومن ثم فإن إخفاق القواعد القائمة هو مقدمة للبحث عن قواعد جديدة ( ).

تنتهي جميع الأزمات المعرفية بثلاث طرق:

أ-فقد يحدث أحيانا أن يثبت العلم القياسي في النهاية قدرته على معالجة المشكلة التي أثارت الأزمة على الرغم من اليأس التي ني بها الباحثون الذين رأوا في هذه المشكلة خاتمة النموذج الإرشادي القائم.

ب-قد يخلص العلماء إلى انه لا أمل مستقبلا في الوصول إلى أي حل من خلال مجال بحثهم وهو بحالته الراهنة.فتحدد سمات المشكلة, وتطرح جانبا لجيل مقبل له أدواته الأكثر تطورا.

ج-أن تنتهي الأزمة بانبثاق مرشح جديد بديل عن النموذج المعرفي القائم ( ).

ولكن هذا الانتقال إلى نموذج معرفي بديل مسألة وقت أبعد ما تكون عن وصفها بأنها عملية تراكمية, بل إنها إعادة للبناء فوق قواعد أساسية جديدة ومن شأنها أن تغير بعض القواعد النظرية الأساسية وتجدد الكثير من مناهج وتطبيقات البحث ( ).

رابعا:الثورات العلمية

الثورات العلمية من المفاهيم الأساسية عند”كون” وهي عنوان كتابه,حيث أن المفاهيم الأخرى والذي تم الإشارة إليها بعض منها سابق يدخل في سياق مترابط مع مفهوم الثورة العلمية ويشكل الطريق نحو الثورات العلمية.

المقصود بالثورات العلمية عند “كون” هي سلسلة الإحداث التطورية غير التراكمية, التي يبدل فيها نموذج معرفي قديم, كليا أو جزئيا, بنموذج معرفي جديد متعارض معه ( ).

هذا يعني أن الثورات العلمية هي تلك الحالة التي يحدث فيها تحول جذري في المعرفة العلمية, عندما تترك وتهدم نظريات ونماذج وتصورات سادت لفترة طويلة.تترك تلك التصورات والنماذج القديمة, لأنها لم تتمكن من تفسير ظاهرة جديدة شاذة ( ).

من المعلوم أن المصطلح أكثر ورودا في التطور السياسي والأدبيات السياسية المتعلقة بالتغيرات السياسية الكبيرة في العالم.يحاول”كون” تبرير استخدام المصطلح –الثورات- بمقارنتها بالثورات السياسية من خلال مناقشة أوجه التوازي بين الثورة العلمية والثورة السياسية, لتبرير استخدام ذات الاستعارة التشبيهية الدالة على الثورة في كل منهما.

يقول “كون” الثورات السياسية تبدأ مع تصاعد الإحساس الذي يكون في الغالب قاصرا على قطاع معين من المجتمع السياسي, بأن المؤسسات القديمة لم تعد تفي على نحو ملائم بحل المشكلات التي تفرضها بيئة كانت تلك المؤسسات طرقا في خلقها. وبنفس الطريقة إلى حد كبير تستهل الثورات العلمية بتزايد الإحساس ........عند فئة محدودة من المجتمع العلمي, بأن أحد النماذج الإرشادية-المعرفية-القائمة قد كف عن أداء دوره بصوره كافية في مجال اكتشاف جانب من الطبيعة سبق أن وجه البحوث الخاصة به هذا النموذج المعرفي ذاته ( ).

وبهذا يمكن القول أن الأزمات السياسية التي تؤدي إلى حدوث ثورات سياسية تقابل الأزمات المعرفية للنموذج المعرفي العاجزة عن الاستجابة للأزمة وحلها.

يمضي “كون” في التناظر بين الثورات السياسية والثورات العلمية أكثر من ذلك بهدف إعطاء تصور عميق للثورات العلمية إذ يرى أن الثورات السياسية تهدف إلى تغيير المؤسسات السياسية بأساليب تحظرها هذه المؤسسات ذاتها.لذا فإن نجاح الثورة يستلزم التخلي جزئيا عن مجموعة من تلك المؤسسات السياسية لصالح أخرى, وفي هذه الأثناء لا يكون المجتمع محكوما تمام وبالكامل بأي مجموعة من المؤسسات على الإطلاق .ونلحظ في البداية أن الأزمة وحدها هي التي توهن دور المؤسسات السياسية كما سبق أن رأينا كيف وأنها توهن دور النماذج الإرشادية. ومع تزايد عدد أصحاب المصلحة في التغيير يتزايد شعور الأفراد بالغربة يوما بعد يوم عن الحياة السياسية, ويزداد سلوكهم في الحياة انحرافا باطراد عن المركز. ثم بعد أن تستفحل الأزمة وتتفاقم ينحو الكثيرون من هؤلاء الأفراد إلى الالتزام ببعض المقترحات المحددة, أي الالتزام بمشروع محدد لتجديد المجتمع في إطار جديد من المؤسسات.وهنا ينقسم المجتمع على معسكرات أو إلى أطراف متنازعة, احدها يلتمس الدفاع عن مجموعة المؤسسات القديمة البالية.بينما يلتمس الآخرون إقامة مؤسسات جديدة. وما أن يحدث هذا الاستقطاب حتى يفشل الأسلوب السياسي في أن يكون هو الملاذ. إذ نظرا لأنهم مختلفون بشأن القواعد أو النموذج الأصلي للمؤسسات الذي ينبغي أن يتم في إطاره التحول السياسي وتقييم هذا التحول, ونظرا لأنهم لا يقرون بوجود إطار أسمى وأرفع قيمة من المؤسسات يمكن الاحتكام إليه بشأن الاختلاف الثوري, هنا يصبح لزما على أطراف النزاع الثوري أن يلجأوا إلى أساليب وتقنيات تحريض وإقناع الجماهير وهذه تتضمن في الغالب استخدام القوة. وعلى الرغم من أن للثورات دورا حيويا في تطور المؤسسات السياسية إلا أن هذا الدور رهن بكونها جزئيا أحداثا من خارج نطاق السياسة أو من خارج نطاق المؤسسات ( ) .

من خلال ما سبق من عرض ونقاش لمفهوم الثورات العلمية عند”كون” من المفيد الإشارة إلى أن مفهوم الثورات تقتضي عرض بعض المفاهيم المرتبطة بها أو ناتجة عنها:

1-الثورة العلمية تعني الانقلاب في الرؤية:

كتب “كون” أن العلماء خلال الثورات العلمية يشاهدون أشياء جديدة ومختلفة حين ينظرون بالآلات المألوفة من نفس الأماكن التي نظروا منها من قبل, والسبب في ذلك أن التغيرات النموذج تجعل العلماء فعلا يشاهدون عالم أبحاثهم الخاصة بطريقة مختلفة تماما عن ذلك العالم الذي كانوا ينتمون إليه فيما قبل ( ) .

إن ذلك التغير الحاصل في الرؤية لا تعود إلى التغير الفعلي للأشياء, وإنما تعود إلى التغير في النموذج المعرفي الذي مثل ثورة علمية بحيث أدى إلى رؤية الأشياء بغير ما كان عليها سابقا في ظل وجود نفس الأدوات المستخدمة.

وعليه فإن التحول في النموذج المعرفي يؤدي إلى التحول في رؤية الواقع من حولنا, رغم أنه يتم استخدام نفس الطرق والأساليب في مرحلة ما قبل الثورة العلمية في رؤية الظواهر.

إن هذه الفكرة لدى “كون” يوحي إلى أن العالم هو من صنع النماذج المعرفية فبتغير النموذج المعرفي تتغير صورة العالم, ومن الطبيعي أن هذا ينفي مقولة أن العالم موضوعي وموجود بذاته.من هنا فإن تصور “كون” تصور نسبي في رؤية العالم نظرا لأن صورة العالم تتغير بتغير النماذج المعرفية.

2-القطيعة بين النماذج المعرفية:

من المقولات الأساسية في نموذج “كون” أن النظريات التي تمثل نماذج معرفية مختلفة تعيش في أكوان وعوالم منفصلة تماما ومعزولة عن بعضها البعض, فليس هناك أي علاقات تواصل بينهما فهي منقطعة ومنفصلة تماما عن بعضها البعض, ولذلك لا توجد وسائل للمقارنة بينها. هذه الفكرة تقضي تماما على فكرة أن التراث العلمي متراكم, أو مشروع متصل يتطور بصورة منطقية متسقة؛ بمعنى أن النظريات السابقة تؤدي إلى النظريات اللاحقة بصورة موضوعية منطقية. وعلى العكس من ذلك فإن العلم الجديد والنماذج المعرفية التي تمثله تولد ولادة جديدة وغير متوقعة ولا يمكن التنبؤ بحدوثها وبطبيعتها أو التشكيل الذي سوف تظهر عليه فهي تنبثق انبثاقا ( ).

من ذلك المعرفة تكون صحيحة في سياق النموذج المعرفي التي تحكمها ولا صلة لها بنماذج معرفية سابقة أو لاحقة.هذا الاتجاه ينفي وجود معيار لقياس خطأ أو صواب أية نظرية.

من كل ذلك يمكن القول أن الثورات العلمية في انحلال مستمر وحسب رؤية”كون” فإن الثورات هي السبيل إلى التقدم وهذا التقدم يتحقق حينما يكون ليس فقط للمجتمع العلمي رؤية خاصة حول العالم وإنما تشمل تلك الرؤية العالم كله حول نموذج معرفي معين ( ) .

النماذج المعرفية في علم السياسة

أولا:بنية النموذج المعرفي ( ) :

1-العنصر المفاهيمي

وهو منظومة المفاهيم التي تستخدم في صياغة الفروض النظرية بصورة مباشرة أو غير مباشرة, والتي تحدد بؤرة البحث الامبريقي. وعلى الرغم من ضرورة كون هذه المفاهيم الأساسية ذات أساس امبريقي, غير انه لا يوجد تكنيك محدد لاشتقاقها امبريقيا وتحديد معناها, حيث يتم اختبارها وصياغتها وتحديد مضامينها بصورة تحكمية.

2-العنصر النظري

وحيث إن لمفهوم النظرية استخدامات عدية في العلوم الاجتماعية, فلابد من تحديد أن المقصود بها في هذا السياق مجموعة الفروض المترابطة في بناء منطقي يعطي كل مفردة فيه وضعها, سواء كانت حقيقة بديهية Axiom أو حقيقة نظرية Theorem . والحقائق البديهية هي القوانين الامبرقية التي يؤخذ صدقها كمسلمة ولو لفترة قصيرة, أما الحقائق النظرية فهي افتراضات تم تأكيدها بعد إثبات صحتها,وعلى عكس العنصر المفاهيمي نجد العنصر النظري للنموذج المعرفي يمكن أن يكون موضعا للتدقيق والمراجعة, حيث إنه قد يكون صحيحا وقد يكون خطأ.

3-قواعد التفسير

وهي التي تحدد ما هي العبارات الموجود في اللغة, والتي يمكن أن تصف الظاهرة التي تتم ملاحظتها؟ وما هي الشواهد التي يمكن أن يتحدد بناء عليها خطأ أو صحة تنبؤات النظرية.

4-عنصر تحديد الإشكالات والمعضلات الأجدر بالتناول

هذا العنصر يشكل القاعدة التي عليها يقوم أعضاء المجتمع العلمي-المتبني للنموذج المعرفي- بتحديد المشاكل البحثية التي تستحق الدراسة, والتي سوف تسهم في تطوير النموذج وتدقيق نظرياته, وذلك أن الإشكالات البحثية تحقق للنموذج المعرفي عدة وظائف على مستوى الواقع الامبريقي, أو على المستوى التنظيري المجرد, فعلى مستوى الممارسة العلمية في الواقع تبرز الإشكالات البحثية مجموعة من الحقائق التي تعد كشفا لطبيعة الأشياء يسهم في اختبار فروض النموذج وتنبؤاته, ويسهم في بناء نظرية للنموذج المعرفي من خلال الحقائق الامبريقية. وعلى المستوى التنظيري المجرد تختبر الإشكالات البحثية قدرات النظرية على التنبؤ بحقائق ذات أهمية, وتختبر النظرية ذاتها في احتكاكها بالتجربة, ومن ثم تسهم في إعادة صياغتها وتطويرها.

5-عنصر التحكم التكويني

يرى”كون” أن هذا العنصر لا يزال غامضا, ولذلك فضل استخدام هذه الصياغة الفضفاضة. ويقصد به ذلك المكون من عناصر النموذج المعرفي, الذي يستطيع القيام بتحديد ماهية وشكل العناصر الأخرى المفاهيمية والنظرية, والمحددات التي توضح الإشكالات البحثية الهامة التي تستحق التناول, وتساعد على فهم النموذج وتطويره, كما يحدد ما ستكون عليه القوانين التي ينبغي الوصول إليها,أي أنه عنصر الضبط في النموذج المعرفي.

ثانيا:النموذج المعرفي في علم السياسة

رغم أن أسهام “كون” في تقديمه لمفهوم النموذج المعرفي اقتصرت على العلوم الطبيعية وانه نفى إمكانية وجود النموذج في العلوم الاجتماعية في الوضع الراهن على خلفية القول بأن العلوم الاجتماعية تمر في مرحلة ما قبل النموذج المعرفي, إلا إنه هناك بعض من علماء وباحثي العلوم الاجتماعية قبلوا وطبقوا مفهوم النموذج المعرفي في العلوم الاجتماعية ومن بينها علم السياسة.

يرى الرافضون بوجود اختلافات واضحة في التطور النظري بين العلوم الاجتماعية ورؤية “كون” لتطور العلوم الطبيعية, وهذا تؤدي إلى عدم ملائمة تحليلاته في حقل السياسة ( ) .

وهناك اتجاه ينظر إلى الاتجاهات التقليدية والسلوكية وما بعد السلوكية باعتبارها نماذج معرفية في علم السياسة, ويرى السلوكيون إنهم يمثلون (العلماء القياسيين) وأن نموذجهم المعرفي صارت النموذج السائد بالمعنى الذي استخدمه “كون” للعلم القياسي والسائد ( ) .

ومن الرافضين لوجود النموذج المعرفي في علم السياسة” فيليب بيردسلي Philip Beardsley ” حيث ركز في معرض نقاشه على اثنين من خطب رؤساء الجمعية الأمريكية للعلوم السياسية APSA هما ديفيد ترومان وجابريل الموند وفيما يلي عرض ذلك ( ) .

أما ديفيد ترومان فيرى أنه منذ عام 1880 وحتى منتصف القرن العشرين وجد في علم السياسة ما يشبه النموذج المعرفي, ولكن لم الاتفاق عليه من قبل علماء السياسة. ثم يعرض لمجموعة من الخصائص التي اتصف بها علم السياسة في هذه الفترة وتتلخص فيما يلي:

1-عدم التركيز على النظام السياسي كنظام يمثل وحدة تتفاعل مكوناتها, بل إنه حتى النظام الأمريكي تم التعامل مع مكوناته وجزئياته كأشياء مسلم بها مفردة وليست جزءا في الكل.

2- الغموض المفاهيمي وعدم التحديد حتى في المفاهيم الأساسية التي تم تناولها بصورة واسعة, مثل التغيير السياسي والتنمية السياسية.

3-التجاهل شبه التام للنظريات, بأي معنى وبأي شكل.

4-التعصب لمفهوم العلم الذي نادرا ما تجاوز الامبريقية الأولية.

5-الانحصار والتقيد الضيق في كل ما هو أمريكي, مما قضى على إمكانية تطوير منهجية مقارنة.

6-الاقتصار على الوصف الدقيق دون التحليل.

وبالنسبة لألموند ,فقد عالج قضية وجود النموذج معرفي بصورة غامضة تماما, مثلما فعل ترومان من قبله حيث طرح ثلاثة مقولات:

1-كانت هناك صياغة نظرية متجانسة في النظرية السياسية الأمريكية إبان القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

2-إن تطور علم السياسة المتخصص في الولايات المتحدة منذ بداية هذا القرن-القرن العشرين-حتى الخمسينات منه كان محمولا على نموذج معرفي مثل الذي عبر عنه “كون”, حيث إن معظم التغيرات النظرية المهمة خلال هذه العقود أوجدت نتائج تم فحص صلاحيتها.

3-في الخمسينات والستينات وجد نموذج معرفي عبر عن نفسه بصورة متسارعة, محوره “النظام السياسي” وعناصره أربعة هي:

أ-اقتراب إحصائي للنظم السياسية في العالم, حيث لم يعد يتم التركيز على القوى العظمى فحسب, بل تم اخذ عينات من كل دول العالم, وتم التركيز على متغيرات معينة تجري المقارنة بينها لتحديد تأثير البيئة في السياسة والتفاعل بين المتغيرات, وذلك باستخدام منهج مقارن أكثر حيوية.

ب-التمايز بين المتغيرات والافتراضات, وتحديد العلاقات الاحتمالية والمرنة بينها, ففي سبيل تأسيس مكونات النظم السياسية المقارنة بينها لا بد من فصل الأبنية عن الوظائف, والأبنية عن الثقافة, والنظم الاجتماعية عن النظم السياسية, والمكونات الامبريقية عن العلم.

ج-مفهوم النظام كإطار تحليلي يقبل التصنيف على مختلف المستويات, ويمكن تحديد قدراته التحويلية والتكييفية وبيئته.

د-تطوير فئات وظيفية من أجل الوصف والمقارنة بين النظم السياسية و مستوياتها المختلفة.

بعد عرض ذلك السؤال المطروح, هل يمكن القول بوجود نموذج معرفي بالمعنى المطروح وفق استخدام “كون”؟.

بالنظر إلى ما طرحه الموند يلاحظ أن ما أطلق عليه نموذجا معرفيا في النصف الأول من هذا القرن –قرن العشرين- ليس إلا قوالب جامدة كانت سائدة آنذاك وقد وصفها الموند نفسه في سياق آخر بالتقليدية والمحافظة والجمود, ولذلك هناك تناقض داخلي في مقولاته. أما ما اعتبره الموند أنه نموذج معرفي ظهر بصورة مؤكدة في الخمسينات والستينات فلا يمكن اعتباره كذلك, لأنه لا يستجيب لأي من الخصائص التي حددها “كون” للنموذج المعرفي, ولا يحقق أهدافه , فلم يتحقق وجود قانون أو نظرية وأدوات تقوم بإظهار الحقائق, وتكشف عن طبيعة الأشياء وتقودنا للوصول إلى تنبؤات قابلة للاختبار, وتشجع على العمل الامبريقي من اجل صياغة نظرية لهذا النموذج.

أما مفهوم النظام السياسي, فإنه يتصف بالغموض, نتيجة لاختلاف وجهات النظر حول ماهيته, ولأنه لا يقدم تفسيرا للظواهر السياسية, وإنما يراكم المعلومات والبيانات إلى درجة تصل إلى ما اسماه “كون” تجميعا عشوائيا للمعلومات Random Fact Gathering , يوفر ثورة هائلة من المعلومات تجعل علم السياسة يشبه علم الميكانيكا قبل نيوتن, وعلم الحرارة قبل بلاك, والكيمياء قبل بويل ( ) .

ويرى “بيردسلي” أنه ليس في الماضي ولا في الحاضر لم يتم تأسيس علم السياسة وفق مفهوم النموذج المعرفي بالمعنى المستخدم لدى “كون” ولكنه يرى إمكانية الوصول إلى تأسيس نموذج معرفي سائد في علم السياسة في المستقبل ( ) .

وفي نفس الاتجاه يرى “شيلدون وولن Sheldon Wolin ” أنه لم يحدث ثورة علمية في علم السياسة ولا علم قياسية سائد أو نموذج معرفي في حقل علم السياسة بالمعنى “الكوني” مثل نظرية “نيوتن” التي هي أساس ومرشد للفرضيات ( ).

بالمقابل من الرفض والقبول يرى البعض وجود أكثر من اتجاه ونموذج معرفي في علم السياسة بحيث ليس بالضرورة أن تكون إحداها سائدة على أخرى بما “يعكس حالة العلم في مرحلة ما بعد الحداثة ” ( ) .

من كل ذلك يمكن القول انه رغم قبول أو رفض وجود النماذج المعرفية في علم السياسة بالمعنى المستخدم عند “كون” إلا إنه يمكن القول انه من الاستعانة بمتابعة التطور التاريخي لعلم السياسة يمكن القول بوجود نماذج معرفية في علم السياسة, ولكن ليس بالضرورة أن تكون من حيث الدقة والصرامة والتوصيف تخضع للصورة “الكونية” وإنما بشكل يتلاءم مع علم السياسة في صورة من قطيعة معرفية وفق مفهوم النموذج المعرفي ومستويات من التراكم والتداخل بخلاف مفهوم النموذج المعرفي.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق