أهمية التربية والتعليم في بناء الجيل

الادارة

من المسلَّم به، ان التربية ، تعد أساسا علمياً واجتماعياً وإنسانيا لدى كل عصر وجيل،ولهذا انبرى لها الفلاسفة والمصلحون على مرِّ الحقب ، فتباينت آراؤهم، واختلفت وجهات نظرهم بحكم تصادم تفسيرهم لحقائق الكون والوجود وجوهر تكوينهما، ومن تألق في البحث واستقراء الفلسفات الغابرة والمعاصرة في هذا الميدان يلحظ ان التربية والتعليم صنوان زمناً ومكاناً، فرجال الفلسفة هم نفسهم رجال التربية، والذين بدءوا بالفلسفة انتهوا إلى مجال التربية، والعكس كذلك ، وفي طليعتهم سقراط وأفلاطون وأرسطو وديكارت والإمام الغزالي وابن سينا وابن خلدون، والسبب يعود في هذا الامر إلى أن التربية هي الوسيلة لنقل الفلسفة من النظر إلى حيّز التنفيذ.
تعتبر مرحلة الطفولة من أهم مراحل عمر الإنسان ، وأطولها عهداً، وتكمن أهمية هذه المرحلة في كونها ليست مرحلة إعداد للحياة المستقبلية فحسب، وإنما أيضاً مرحلة لنمو الفرد من جميع نواحيه ، في ضوء ما يتلقاه من رعاية وتنشئة اجتماعية، وما يكتسبه من خبرات في تلك المرحلة .
لذا يحتل موضوع التربية والتعليم الصدارة في اولويات الدول المتحضرة التي تنشد لبلادها الرقي والازدهار.
وما من امة تنشد التقدم والرقي الاّ ويكون لها منهج تربوي تصيغ من خلاله نموذج المجتمع الذي تريد، فاذا اختل البناء التربوي يضطرب على اثره مسيرة المجتمع وتعثر بناؤه وتطوره.
ولعل من الجدير بالذكر وانطلاقاً من أهمية التربية أن أورد هنا بعض ما جاء من تعار يف لمفهوم التربية كي يتبيّن الصورة المثلى للتربية :-
1- جاء في لسان العرب لإبن منظور:رَبا الشئَ يَربو رَبْواً ورِباءً بمعنى: زاد ونما، وأربَيْته: بمعنى نَمَّيْته، وفي التنزيل العزيز ( ويُربي الصدقات ) ومنه اخذ الربا الحرام.
2- وفي معجم الطلاب ، رَبِيَ ، ربَّتِ المرأة طفلها ، بمعنى : غَذّتْه وأطعمته حتى كَبُرَ.
3- اما في معجم الرائد لجبران مسعود، رَبَّ ، يُرَبِّ الوَلَدَ، بمعنى تعهده وربّاهُ وادّبَهُ.
ولو نرجع إلى الأصول اللغوية لكلمة ( التربية ) في اللغة والاصطلاح فنرى ما يلي:-
اولاً: التربية في اللغة : تعود كلمة ( التربية ) في اللغة الى اصول ثلاث وهي:-
الأصل الاول: ربا ، يربو : بمعنى زاد ونما.
الأصل الثاني: ربي ، يربى – بوزن خفي يخفى ، بمعنى نشأ وترعرع.
الأصل الثالث: رب، يرب: بمعنى اصلحه وتولى امره وساسه وقام عليه ورعاه.
وبذلك تكون معاني التربية في اللغة : الزيادة والنمو والنشوء والترعرع والإصلاح والرعاية والسياسة وتولي الامر.
ثانياً: التربية في الاصطلاح ، فقد اشتق العلماء معاني منها :
1- تبليغ الشئ الى كماله شيئاً فشيئاً.
2- انشاء الشئ حالاً فحالاً الى حدّ التمام.
وعرَّفها الدكتور محمد عبدالله الدرّاز في كتابه ( كلمات في مبادئ علم الأخلاق ) بقوله: هي تعهد الشئ ورعايته بالزيادة والتنمية والتقوية ، والأخذ به في طريق النضج والكمال الذي تؤهله له طبيعته.
وفي ضوء ما سبق نجد ان التربية تتكون من عناصر كثيرة منها :-
أ- المحافظة على فطرة الناشئ ورعايتها .
ب – تنمية مواهبه واستعداداته كلها، وهي كثيرة ومتنوعة.
ج- توجيه هذه الفطرة والمواهب نحو صلاحها وكمالها اللائق بها وكمال كل شئ بحسبه.
د – التدرج في هذه العملية .
ومن هنا فان الدول المتقدمة تولي الجانب التربوي والتعليمي أهمية قصوى ، وتخص الشباب فيه بهذه الأهمية إلى درحة كبيرة ، فان أمريكا رائدة العالم في الماديات لا تهددها خطر اكبر من خطر الخلل التربوي ومن ثم التعليمي.
وقد احسَّ أصحاب التوجيه في المجتمع الأمريكي بهذا الخطر، والذي تبلور في قرار وزير التربية في الولايات المتحدة الأمريكية ( تيريل بيل ) بتشكيل لجنة من ( 18 - ثمانية عشر عالماً ) في شتى التخصصات العلمية والنفسية والاجتماعية ، وعلى الخصوص من الممارسين التربويين في الميدان الاجتماعي التربوي، وصدر قرار التشكيل في شهر ( آب سنة 1981م ).
فقدّمت اللجنة المكلّفة تقريرها في شهر ( نيسان سنة عام 1983م ) بعنوان (( خطاب مفتوح إلى الشعب الأمريكي : امة في مواجهة الخطر ))، وكان له اثر كبير وصدى واسع في الأوساط الرّسمية والعلمية والاجتماعية .
ويتجلى الأمر هنا أن نلقي نظرة على التربية في الإسلام لأهميتها في بناء الجيل، فنرى انها تجمع بين تأديب النفس وصفيّة الروح، وتثقيف العقل وتقوية الجسم، فهي تعني بالتربية الدينية والخلقية والجسمية دون تضحية بأي نوع منها على حساب النوع الأخر.
ونلاحظ ان أهداف التربية قد تطورت مع تطور المجتمع الإسلامي ، فقد كان الهدف الديني هو الأساس ، الا انّه لما اتسعت رقعة الإسلام وتطور المجتمع، تأثرت بذلك التربية وأهدافها، وذلك بسبب اتساع الأفق الفكري ، ووفرت المحصول العلمي ، واختلاف المذاهب والآراء ، بحيث انضمّ الى الهدف الديني اهدافاً اخرى، وبرز ذلك واضحاً في تنويع الدراسات ، واتساع المناهج ، وتعدد المذاهب الفلسفية والدينية ، حتى أصبح لكل اتجاه اهدافاً يرمي اليها ويتوخاها من التربية .
انطلاقا من أهمية التربية والتعليم وما ينبغي على المربين والمربيات والدعاة من آباء وأمهات ومعلمين و معلمات باعتبار انّ مهنتهم هي التربية والتعليم ، وهي اشرف واجَلّ المهن والأبعد اثراً في حاضر الشعوب ومستقبلها سلباً وايجاباً ، تقدما ًوتأخراً ، فعليهم ان يأخذوا بنظر الاعتبار الوسائل التربوية الناجحة والمؤدية بالمتعلمين إلى خلق جيل سليم العقيدة صحيح العبادة وقوي الإرادة ، صالح لنفسه ومصلح لغيره ، وعارف قدر العلم والعلماء.
فقد اختلف الفلاسفة والمربون في تحديد تلك الطرق والوسائل ، فمثلا أفلاطون اخذ بطريقة التدريس على الأسس العلمية ، وأرسطو عن طريق الاعتياد، وواكب هذا الرأي ابن سينا الذي قال: ( التربية عادة ، واعني بالعادة فِعلُ الشئ الواحد مراراً زماناً طويلاً في أوقات متقاربة ) ومن هذا الجانب سأذكر بعض تلك الوسائل :-
اولاً: التربية بالقدوة :
القدوة في التربية هي افعل الوسائل جميعاً وأقربها إلى النجاح ، يقول الأستاذ محمد قطب في كتابه - منهج التربية الإسلامية ج 1، ( من السهل تأليف كتاب في التربية ، ومن السهل تخيل منهج وان كان في حاجة الى احاطة وبراعة وشمول ، ولكن هذا المنهج يظل حبراً على ورق مالم يتحول إلى حقيقة واقعة تتحرك في واقع الأرض ) ، فالمعلم قدوة ونموذج حي يحتذيه التلميذ ويتقمص شخصيته ويقلد سلوكه .
ونظراً لأهميته وتأثيره القدووي ، فقد لجأ كثير من أصحاب الجاه والسلطان الى ان يضعوا أولادهم تحت تصرفهم ليزدادوا أدباً ومعرفة.
فقد روي الجاحظ : ان عقبة بن بن أبي سفيان لماّ دفع ولده الى المؤدب قال له ( ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح بنيّ إصلاح نفسك ، فان أعينهم معقودة بعينيك ، فالحسن عندهم ما استحسنت ، والقبيح عندهم ما استقبحتَ، وعلّمهم سير الحكماء ، وأخلاق الأدباء ).
ثانياً: التربية بالموعظة ( الإرشاد ):
في النفس استعداد للتأثر بما يلقي اليها من كلام ، وهو استعداد مؤقت في الغالب، ولذلك يلزمه التكرار، فالموعظة المؤثرة تؤثر في السامع وتفتح طريقها إلى النفس مباشرة عن طريق الوجدان وتهزه هزاً، ولكنها اذا تركت تترسب من جديد، والموعظة لا تنحصر بنمط واحد، وإنما لها وسائل مختلفة، فتارة تستخدم الرّقة والترغيب ومرة تتبع أسلوب الثواب وهكذا.
ثالثاً : التربية بالقصّة :
للقصة وقع خاص في نفس الطفل ( التلميذ - المتعلم ) ففي القصة يستطيع المربي أن يتناول مختلف نشاطات الحياة ، وكذلك مختلف الميول والأحاسيس الإنسانية ، ومن أهمها القصص التي تنطوي على تهذيب النفوس وتقوية العلاقة مع أفراد الأسرة بشكل مباشر وينمي فيها روح التعاون والاحترام والقانون وحب الوطن والدفاع عن مقدساته ، ويستطيع المربي أن يعتمد في سرد قصصه بشواهد تدليلية من سيرة أسلافنا العظام .
رابعاً: التربية بالعقوبة :
وهذا آخر المطاف ودواء الدّاء الذي لا دواء له ، وكما يقول الرسول عليه الصلاة والسلام (( وآخر الدّواء الكي )) ، فعندما لا يفلح أي أمر من الأمور الأخرى فلابد من علاج حاسم يضع الأمور في وضعه الصحيح . يجب أن يكون العقاب بسبب تكرار الخطأ ، حيث لا يوجِِب على المربي ان يعاقب ( الطفل – التلميذ ـ او أيّا كان ) في المرة الأولى ، بل ينبغي عليه أن يبيّن له السبب الذي الجأه إلى تنفيذ العقوبة عليه ، كي لا يحسّ المتعلم بأنها كانت انتقاماً، وعلى المربي ايضاً ان يعلّمه انّ تصرفاته غير اللآئقة هي التي أدت أو جنت عليه ذلك.
ومن هنا تظهر أهمية التربية والتعليم من دوره الفعّال في الحياة البشرية وما يهدي إليه البشرية من خير في الدنيا والآخرة ، كما يقول الماوردي: ( ولهذا فهو اشرف ما رغب فيه الرّاغب ، وأفضل ما طلب وجَدَّ فيه الطالب ، وانفع ما كسبه واقتناه الكاسب، لأن شرفه يثمر على صاحبه، وفضله يمني عند طالبه ).
وقال العليُّ القدير في محكم كتابه في حق أهل العلم ( هل يستوي الذّين يعلمون والذّين لا يعلمون )، فمنع الله تعالى المساواة بين العالم والجاهل، لما قد خصّ العالم من فضيلة العلم .
وفي الختام لابد لنا كمربين أن نقوم بواجبنا التربوي الملقاة على عاتقنا تجاه تربية أبنائنا المتعلمين لأنهم فلذات أكبادنا ، ورجال غدنا ، دون كلل أو أدنى ملل، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلّم : ( ان الله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه ).

تم الاستفادة من المصادر التالية :
* لسان العرب لإبن منظور ج 14 ، ص 304.
* الرائد معجم لغوي عصري- حبران مسعود ج 1 ، ص 712.
* معجم الطلاب ، د. محمود اسماعيل وصيمور حسن،ص 93.
* قراءة تربويةفي فكر الماوردي ، د. علي خليل ، ط 1 ، ص 352- 366.
* التربية الاسلامية واساليب تدريسها ، د. صبحي طه ، ط 2 ، ص 6- 7 .
* منهج التربية الاسلامية، محمد قطب ، ج 1 .
* الاسرة والطفولة ، د. زيدان عبدالباقي ، ط 1980.
* منهجنا التربوي ، عبدالحافظ الكبيسي ، ط 1987 .
* رعاية الطفولة في الشريعة الاسلامية ، د. ايناس عباس ، ط 1 ، 1985.
* طريق البناء التربوي، د. عجيل جاسم ، ط 1 ، 1989.
* الطريق الى الولد الصالح ، وحيد عبدالسلام ،ص 24.
* مجلة المجتمع – العدد 1248.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق