اللغة العربية تدخل أسواق العمل الكندية

تعتبر مدينة مونتريال من اهم المدن الكوسموبوليتية في كندا والشمال الاميركي. فهي أشبه بتجمعات شعبية تضم كافة الاثنيات على اختلاف الوانها وأجناسها ولغاتها وثقافاتها. تتقاسم المجموعات احياءها وشوارعها ومناطقها حتى يبدو أن كلا منها “غيتو” خاص بهذه الفئة. حتى إن التسميات أصبحت ترتبط بالأصول: الحي الصيني, الايطالي, اليهودي, العربي وسواها.
هذا التنوع والتعدد الاثني, علاوة على أنه من طبيعة المجتمــع الكندي ومن أبرز خصائصه المميزة, “يفتح أسواق العمل أمام الجميع. لا فرق بين كندي وغير كندي طالما أن الغاية من توظيفه تعود بالفائدة لمصلحة المؤسسة وزيادة انتاجها وازدهار البلد وسعادة المواطنين”, كما يقول غي دريدي أستاذ الاعداد والتدريب في جامعة “اوكام” والمتخصص بأحوال الأقليات المنظورة وتأهليها لولوج سوق العمل.
واللافت أن المؤسسات الكندية العامة والخاصة من مصارف ومدارس ومستشفيات ودوائر استقبال المهاجرين الجدد والمراكز التجارية الكبرى وغيرها, القائمة في المناطق التي تقطنها غالبية من ابناء الجاليات العربية, فتحت أخيراً أبوابها لتوظيف الشباب العربي من الجنسين استناداً إلى برنامج “تكافؤ الفرص والمساواة في العمل” الذي اقرته الحكومتان الفيدرالية والكيبيكية والذي ترافق مع حملة اعلانية في الصحف الاغترابية.
كان الشعور السائد من قبل في اوساط الشباب العرب وغيرهم من الاقليات المنظورة ان اصحاب العمل ينتهجون سياسة التمييز العنصري غير المعلنة, فكانت الباعث الاساسي لتفشي البطالة في صفوفهم ودفعهم قسراً الى اللجوء الى مكاتب المساعدات الاجتماعية او القبول ببعض الوظائف الوضيعة التي لا تمت بصلة الى تخصصهم العلمي او المهني. فعلى سبيل المثال كان الشباب العرب عند ملء استمارة التوظيف يتجنبون ذكر اللغة العربية الى جانب اللغتين الانكليزية والفرنسية الرسميتين في كندا والضروريتين كشرط من شروط العمل, تحاشياً لرفض طلباتهم او لكشف هويتهم. اما اليوم فيبدو ان الآية قد انقلبت الى حد بعيد واصبحت المؤسسات الكندية هي التي ترغب باستخدامهم لا بل باتـــت اضافــة اللغة العربية الى السيرة الذاتية امراً مطلوباً ومرجحاً. في هذا السياق تقول حفيظة لاروي وهي جزائرية تبــلــغ من العمر 25 عاماً وتعمــــل موظفة في “بنك رويــال” فرع مونتريال: “حينما تقدمت الى العمل كنت اخشى ان يحول اسمي ومظهري دون قبولي. الا انني فوجئت اثناء المقابلة الشخصية بسؤال عما اذا كنت احسن التكلم باللغة العربية من دون ان ادري ان الادارة كانت ترغب بتوظيف اشخاص يتكلمون هذه اللغة”. وهذا الامر تؤكده أيضاً ليندا برونيه مسؤولة قسم التوظيف في “بنك لوريشن”, فتقول: “سياسة المصرف تحتم علينا الاستعانة ببعض الموظفين العرب لأن لدينا الكثير من الزبائن العرب المقيمين في هذه المنطقة”. وتضيف: “ان كثيراً من النساء والمتوسطين في الاعمار لا يجيدون استعمال احدى اللغتين الفرنسية او الانكليزية فيلجأون الى هؤلاء الموظفين لخدمتهم واتمام معاملاتهم”.
في مجال آخر يتحدث حمزة يوسف وهو يمني (26 عاماً) ويعمل مسؤولاً عن لجـنة استقـبال المهاجرين واللاجئين الجدد, عن مهمة هذه اللجــنة التــي تتفرع منهـا لجنة اخرى تضم ثلاثة موظفين عرب فيقول: “نهتم بالوافدين العرب ونساعدهـم على إتمـام معاملاتهــم الضرورية كالحصول على بطاقات الضمان الاجتماعي والصحي وتسجيل ابنائهم في المدارس وإرشادهم الى مراكز التأهيل اللغوي والمهني ونزودهــم بمنشورات وكتيبات ومصورات تشتمل على عناوين وهواتف الوزرات والمؤسسات والدوائر الرسمية التي قد يحتاجون اليها”. ويشير يوسف أيضاً الى ان بعض المدارس الحكومية يستعين بعدد من المترجمين العرب لحل بعض الاشكالات التي يتعرض اليها التلامذة من ابناء الجالية والتي تنشأ إجمالاً عن صعوبة التأقلم او التخلف المدرسي, وتعقد لأجلها اجتماعات مشتركة بين المترجمين والاساتذة والأهل في أوقات الدوام الرسمي أو بعده. كما ان مراكز الشرطة تستعين بمترجمين آخرين في اطار حملات التوعية التي تطلقها من حين لآخر بغية ارشاد الاهالي والطلاب لتجنب الاعمال المنافية للقانون وتزودهم بالمعلومات الكفيلة لحفظ ابنائهم من التعديات اما عبر رسائل مكتوبة باللغة العربية او عبر اجتماعات مشتركة.
يشار أيضاً الى ان وزارة التربية في كيبيك استحدثت منذ فترة من الزمن صفوفاً خاصة بتعليم اللغة العربية للاطفال في المدارس الحكومية المتواجدة في المناطق التي تسكنها غالبية عربية. ويشرف على تعليمهم اساتذة من العرب عينوا خصيصاً لهذه الغاية في اطار السياسة الرسمية الهادفة الى تسهيل تأقلم الناشئة واندماجهم في المجتمع الجديد الامر الذي يؤهل الطلاب العرب بعد تخرجهم بامتلاك ثلاث لغات ما يجعل فرص الاستخدام متاحة امامهم لولوج سوق العمل.
والى ذلك تتزايد اعداد الموظفين العرب في الكثير من المرافق الحكومية كالمطارات والجمارك ودوائر الضمان الاجتماعي والصحي ومكاتب العمل ودوائر الهجرة وغيرها فضلاً عن الجامعات والمؤسسات الخاصة التي تتصدر واجهاتها عبارة “نتكلم العربية”.
وعلى رغم الاستطلاع الذي نشرته جريدة مونتريال في عددها الصادر في 22 شباط (فبراير) 2004 والذي جاء فيه “اصبحت اللغة العربية احدى اللغات المتداولة في سوق العمل الكندي”, فإن الباحث الجامعي غي دريدي, وان اعتبر هذا الاختراق مؤشراً جيداً, الا انه بحسب رأيه لا يتناسب مع حجم الجاليات العربية من جهة ولا مع الكفاءات العربية التي ما زال وجودها “هزيلاً في معظم الدوائر الرسمية لا سيما في المناصب الرفيعة منها”.
مكاتب التوظيف الكندية تنتظر ناطقين باللغة العربية.
ــــــــ
الحياة





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق