دعاية وتعليق

الصحة والغذاء والطب

لا تفتأ شركات التبغ تحاول جاهدة ان تظهر بصورة الحريص على صحة ورفاهية أفراد المجتمع، ويظهر ذلك من خلال قيام هذه الشركات بالمشاركة في نشاطات مجتمعية مختلفة خيرية أوعلمية أو رياضية أو حتى صحية تحاول من خلالها الظهور كمكافحة لا مروجة للتدخين. والهدف من هذه الاستراتيجية هو الوصول والتغلغل في المجتمع والحظي بالقبول من قبل فئات المجتمع المختلفة. وهذا المقال يظهر هذا الجانب جليا. فقد قامت إحدى الشركات المصنعة للتبغ بنشر الإعلان المبين في الصورة المرفقة بهذا المقال، وكان هذا التعليق من قبل الدكتور محمد عبد العليم إبراهيم استشاري الطب النفسي بمؤسسة حمد الطبية.

لقد تأملت كثيرا في إعلان بعض شركات التبغ فيما يخص التدخين لدى الأطفال ويمكن ملاحظة الآتي من المنظور النفسي:

1. صمم الإعلان ووضع بأسلوب إيحائي فيه الكثير من الرمزية والذكاء، وذلك من أجل تجنب المسؤلية، ومن الواضح انه يحمل وجهين لعملة واحدة، فظاهره منع التدخين وباطنه الجذب والترغيب فيه.
2. الصورة الجميلة لهذا اليافع مع أنابيب الإختبار ذات السوائل الملونة، صورة جذابة تلفت الإنتباه وتصلح ان تكون دعوة لتنمية المهارات العلمية والإبتكارية لدى الإطفال واليافعين ولكن للأسف يتم ربطها بالتدخين.
3. ربط العلم ورموزه الجمالية بالتدخين في هذا الإعلان اعتمد على آليات ونظريات نفسية معروفة أهمها النظرية السلوكية التي تعتمد على ما يعرف بالفعل المنعكس الشرطي والتي بنيت على التجارب المعملية التي أجريت على الحيوانات والأطفال. وفي هذا السياق أوضحت أوضحت تجارب العالم الروسي بافلوف مع كلابه الطبيعة الأساسية للفعل المنعكس الشرطي، فعن طريق قرع الجرس مباشرة قبل تقديم قطعة اللحم الى الكلب الجائع استطاع بافلوف ان يحدث اقترانا او ارباطا شرطيا بين سيلان اللعاب وصوت الجرس. وبعد تكرار العملية عدة مرات أصبح لعاب الكلب يسيل لمجرد سماع صوت الجرس، وأصبح رد الفعل الطبيعي عند تقديم اللحم ليس فقط من حيث سيلان اللعاب ولكن أيضا من حيث جميع مظاهر رد الفعل الأخرى. ومن الواضح في الصورة الخاصة بالإعلان ربط المثير وهو هنا الإبداع والعلم والتجربة المعملية بالتدخين مما ينتج عنه إرتباطا يؤدي في النهاية لظهور الفعل بإثارة ورغبة شديدة. كما ان نوع الكلمات والألفاظ التي تم اختيارها في الإعلان تقوم بنفس الدور وهذا مايعرف بالمثير الشرطي اللفظي.
4. من الآليات الاخرى التي استغلها المعلن للربط بين الطفل والتدخين هي المكونات المعرفية والوجدانية وأحلام اليقظة والفضول الفطري وحب الإستطلاع لدى الأطفال واليافعين والذي يقودهم الى اكتشاف العالم.
5. إن كلمة “الصغار” بالطريقة التي وضعت في الإعلان هي دعوة نفسية صريحة للطفل ليتمرد على ذاته وكل سلطة تربوية موجهة أو ضابطة لمثل ومتعارفات المجتمع. وهي لا شك إشعار للطفل “بالدونية” مما يجعله يحاول إثبات ذاته عن طريق القيام بفعل عكسي تماما. وفي هذه الحالة تكون الدعوة للإبتعاد عن التدخين هي دعوة لتجربته ثم الإنغماس فيه.
6. لاحظ في الصورة المتقنة والمتمثلة في أنبوب الإختبار الذي بيد الطفل فهو كالسيجارة من الناحية الشكلية، وحين يخلط الطفل المواد الكيميائية مع بعضها البعض ربما نتج عن هذا التفاعل الكيميائي تصاعد بعض الأبخرة والتي تمثل في نظري دخان السيجارة مما يدعو للمزيد من الإثارة النفسية والمعرفية للطفل. ويقوي الإرتباط الشرطي لدى الطفل مع التدخين.
7. المعلن يخلي مسؤليته عن منع التدخين – وهو المروج له – ليلقيها على الآباء والمعلمين، وهو يدعوهم “لمفاتحة الصغار في شأن التدخين” فيجعلهم جزء من التريج لبضاعته، فمثل تلك الجملة “مفاتحة الصغار ... الخ” تكون أحيانا من الخطورة بمكان، فليس كل شيئ يناقش مع الطفل بدون معرفة السن المناسب لنموه العقلي والمعرفي، وربما تكون تلك الناقشة أحيانا بمثابة لفت إنتباه الطفل أو المراهق لشيئ لم يكن يفكر فيه مطلقا.
8. الجملة الصغيرة المكتوبة بالأحمر “نعمل معا” هي ضحك على العقول، لأنه لا يمكن ان نكون نحن “كمجتمع” وشركات التدخين في خندق واحد لمحاربة التدخين.
9. لا شك ان الإعلان الموجه نحو الطفل بصفة عامة يمثل أمرا خطيرا إذا لم يكن في سياق العملية التربوية والتعليمية الصحيحة، ويرى البعض أن مجرد ظهور مثل هذه الأعلانات المسيئة أمر مخل بالمواثيق الشرفية للمهن. ومما يؤسف له أن هذا الإعلان إستعمل كلمات رنانة ولها وقع خاص كالعقل والعلم والقدوة الصالحة .. والصالح والطالح بين ولكن كثيرا ما يفرق بينهما خط هلامي صغير.
10. تبنت سياسات محاربة التدخين وحتى المخدرات عدة مسارات أهمها تجفيف منابع الإنتاج وتقليل الطلب. ولكن مما يؤسف له أنه في حالة “شركات التبغ” والتي هي مصدر الإنتاج تروج لزيادة الطلب وذلك بمخاطبة وجدانية ومعرفية لأضعف حلقات المجتمع وهم الأطفال، وقد إختارت مخاطبة فئة الأطفال التي تنتمي للأسر المهتمة بتعليم أبنائها لأنها تعرف أنه لا حاجة لتوجيه الإعلان أو مخاطبة الأطفال الذين يفتقدون التنشئة العلمية والتربوية السليمة والذين يعانون من إضطرابات المسلك والوجدان حيث أنهم يعتبرون زبائن مضمونين.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق