أهمية دراسة علم النحو

اللغة العربية

أهمية دراسة علم النحو


ومن العلوم المهمة التي ينبغي تحصيلها لارتباطها بفهم الكتاب والسنة: دراسة علم النحو، قال أهل العلم:

من العلوم التي تلزم صاحب الحديث معرفتها: معرفة النحو، لئلا يلحن، ولكي يورد الحديث على الوجه الصحيح، ويعرف أصل الكلمة واشتقاقها ومعناها، وهل هي مصدر أو فعل.

وكان ابن عمر يضرب ولده على اللحن، رواه ابن أبي شيبة بإسنادٍ جيد، أي: من الصغر يربون أولادهم على اللسان الفصيح. وقال شعبة : مثل الذي يتعلم الحديث ولا يتعلم النحو مثل البرُنس لا رأس له.

وقال بعض العلماء: اللحن في الكلام أقبح من آثار الجدري في الوجه.

وينبغي أن يصحح النطق، ويعرف الإنسان اللغة لكي يفهم الكتاب والسنة كما كان يفهمها العرب الأُوّل، كانوا لا يحتاجون إلى تفاسير لأن لغتهم صحيحة، فلما خاطبهم القرآن والسنة وقعا في قلوبهم موقعاً.

وكذلك مما ينبغي أن ينتبه إليه عدم خلط كلام العلماء المتقدم أو الألفاظ الشرعية بالمصطلحات المستحدَثة الجديدة التي حدثت بعد ذلك، افترض أن إنساناً مثلاً قال: الواجب:

ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه، والمكروه مثلاً: ما يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله، ثم قرأ قول الله عز وجل في الزنا والقتل وأكل مال اليتيم وفي آخر الآية: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً [الإسراء:38] فماذا يقول؟ هذا مكروه، هذا يعني: لا يعاقَب فاعله، قال: مادام أنه مكروه.

إذاً: معرفة التفاصيل مهمة، وفهم القرآن والسنة ينبغي أن يُفهم مع الأخذ بعين الاعتبار إلى المصطلحات المتأخرة، وأنها قد لا تدخل في هذا الفهم فيخطئ الإنسان.

وكذلك فإن تعلم اللغة مهم، كما قال الحسن رحمه الله لما سئل: أرأيت الرجل يتعلم العربية ليقيم بها لسانه ويقيم بها منطقه؟ قال: نعم فليتعلمها، فإن الرجل يقرأ بالآية فيعياه توجيهها فيَهلِك، وقال الشاعر(هو المبرد)


اللحن يُصلح مِن لسان الألكن والمرء تُعْظِمُه إذا لم يلحنِ

لحن الشريف محطة من قدره فتراه يسقط من لحاظ الأعينِ

وترى الدنِيَّ إذا تكلم معرباً حاز النهاية باللسان المعلِنِ

وإذا طلبتَ من العلوم أجلَّها فأجلُّها منها مقيمُ الألسُنِ


قال ابن عبد البر -رحمه الله- معقباً: لو كان مهتدياً هذا الشاعر لقال:

وإذا طلبتَ من العلوم أجلَّها فأجلُّها منها مقيمُ الأدين

والعلم بالنحو يسدد الفهم، فيعلم الضميرَ على أي شيء يعود؟ وأنه قد لا يُشترط أن يعود على أقرب مذكور مثلاً. وكذلك يعلم اشتقاق الكلمة فإنه مهم، ألم يأتِك خبر الذي لَمَّا جاء على تفسير قول الله عز وجل :

رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ [آل عمران:117] قال: الصِرُّ: الصراصير، ريحٌ فيها صراصير الليل.

ومن العجائب كذلك: أن بعض هؤلاء إذا قرأ نصاً يستغرب، مع أنه لو عنده شيء من الفهم الصحيح لما استغرب. وإذا تعلَّم الضمائر علم أن المسألة ليست هكذا، كما حدث لبعض الشباب قرأ: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتِي بصبي، فوضعه في حجره، فبال عليه) انظر إلى فهم هذا الشاب، يقول: كيف النبي صلى الله عليه وسلم يبول على الصبي؟! فهمني هذه! فهذا عليه أن يتقي الله، ويستغفر الله، هل النبي عليه الصلاة والسلام يفعل هذا؟! كيف يتبادر هذا الفهم إلى الذهن؟!

وقد حصل مثل ذلك أيضاً، أن أحدهم جزم أن حديث أبي هريرة في النزول على اليدين قبل الركبتين مقلوب، قال: قال الحاكم: إنه مقلوب، فقال له شخص: كيف تقول: إنه قال: مقلوباً، قال: أنا آتي لك بكلام الحاكم ، ففتح المستدرك وأتى على كلام الحاكم بعد هذا الحديث، ولمّا أورد الحاكم هذا قال: والقلب إلى هذا أمْيَل، يقصد بالقلب، فهمه أو فقهه في قلبه، أنه إلى حديث أبي هريرة أمْيَل، قال: لا، القلب أي: أنه مقلوب.

وكما ظن بعضهم أن الحَلْق لا يجوز قبل صلاة الجمعة، لحديث: (نهى عن الحِلَق قبل الجمعة) مع أن الحديث نهى عن الحِلَق قبل الجمعة، أي: عن التَّحَلُّق. وهكذا الأخطاء الكثيرة التي تقع في الفهم نتيجة عدم معرفة النحو واشتقاق الكلمات ومن أين جاءت.. وهكذا، ولا بد للإنسان أن يضبط، والكتاب لا يضيء إلا إذا أظلم، أي: بالتعليقات والضبط والحواشي


- روي عن أيوب السختياني إذ لحن يوما قال : استغفر الله .

- وقيل للحسن البصري : إن لنا إماما لحانا . فقال : أخروه ، وفي رواية أخرى قال : أميطوه عنكم ، فإن الإعراب حلية الكلام .
- وأثر عن عبد الملك بن مروان قوله : شيبني ارتقاء المنابر وخشية اللحن .

قال ابن الصلاح: وحق على طالب الحديث أن يتعلم من النحو واللغة ما يتخلص به من شين اللحن والتحريف ومعرتهما. المقدمة ص400
روى الخطيب عن شعبة قال: من طلب الحديث ولم يبصر العربية كمثل رجل عليه برنس وليس له رأس!. الجامع 26/2
وروى أيضا 27/2 عن حماد بن سلمة قال: مثل الذي يطلب الحديث ولا يعرف النحو مثل الحمار عليه مخلاة ولا شعير فيها !
وروى الخليلي في الإرشاد 1/ 302 عن العباس بن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: جاء عبد العزيز الدراوردي في جماعة إلى أبي ليعرضوا عليه كتابا فقرأ لهم الدراوردي وكان رديء اللسان يلحن فقال أبي: ويحك يا دراوردي أنت كنت إلى إصلاح لسانك قبل النظر في هذا الشأن أحوج منك إلى غير ذلك.

قال الأصمعيُ رحمه الله - ما معناه - :

(( إن مما أخشى على طالب العلم إذا لم يتعلم النحو : أن يدخل في قوله صلى الله عليه سلم ( من كذب عليّ متعمداً ... )!! ))

( ذكره الذهبي في ترجمته في السير )

قال أبو عبيد :سمعت الأصمعى يقول :سمعت الخليل بن أحمد يقول:سمعت أيوب السختيابى يقول:”عامة من تزندق من أهل العراق لجهلهم بالعربية”ا.ه ،ذكره أبو شامة فى “خطبة الكتاب المؤمل فى الرد إلى الأمر الأول”

قال الإمام الشافعى-رحمه الله تعالى-:”من تبَحَرَّ فى النحو اهتدى إلى كل العلوم. “

(شذرات الذهب,لابن العماد الحنبلى 231 ).
و قال أيضاً-رحمه الله-:”لا أُسأَلُ عن مسألةٍ من مسائل الفقهِ إلا أجَبْتُ عنها من قواعدِ النحو.”
(نفس المصدر).
و قال أيضاً-رحمه الله -:”ما أردتُ بها-يعنى:العربية-إلا الاستعانة على الفقه.”
(سير أعلام النبلاء 1/75).

ومما جاء في التأكيد على أهمية العلم بلسان العرب : ما ذكره ابن حزم رحمه الله في رسالة التلخيص لوجوه التخليص ص 187-189؛ حيث قال :

( وأما النحو واللغة ففرض على الكفاية ...؛ لأن الله يقول : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ (ابراهيم: من الآية4) وأنزل القرآن على نبيه بلسان عربي مبين؛ فمن لم يعلم النحو واللغة فلم يعلم اللسان الذي به بيّن الله لنا ديننا وخاطبنا به، ومن لم يعلم ذلك فلم يعلم دينه، ومن لم يعلم دينه ففرض عليه أن يتعلمه، وفرض عليه واجب تعلم النحو واللغة، ولا بد منه على الكفاية كما قدمنا..

ولو سقط علم النحو لسقط فهم القرآن، وفهم حديث النبي .. ولو سقط لسقط الإسلام.

فمن طلب النحو واللغة على نية إقامة الشريعة بذلك ، وليفهم بهما كلام الله تعالى وكلام نبيه عليه الصلاة والسلام ، وليفهمه غيره؛ فهذا له أجر عظيم ومرتبة عالية لا يجب التقصير عنها لأحد.

وأما من وسم اسمه باسم العلم والفقه وهو جاهل للنحو واللغة فحرام عليه أن يفتي في دين الله بكلمة ، وحرام على المسلمين أن يستفتوه ؛ لأنه لا علم له باللسان الذي خاطبنا الله تعالى به. وإذا لم يعلمه فحرام عليه أن يفتي بما لا يعلم؛ قال الله تعالى : وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً (الاسراء:36) ، وقال تعالى : قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (لأعراف:33) ، وقال تعالى : إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (النور:15) .
فمن لم يعلم اللسان الذي به خاطبنا الله عز وجل ، ولم يعرف اختلاف المعاني فيه لاختلاف الحركات في ألفاظه ، ثم أخبر عن الله بأوامره ونواهيه : فقد قال على الله ما لا يعلم ...

وكيف يفتي في الطهارة من لا يعلم الصعيد في لغة العرب ؟! وكيف يفتي في الذبائح من لا يدري ماذا يقع عليه اسم الذكاة في لغة العرب؟! أم كيف يفتي في الدين من لا يدري خفض اللام أو رفعها في قول الله عز وجل : أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ (التوبة: من الآية3)؟؟

ومثل هذا في القرآن والسنة كثير ... وفي هذا كفاية.) انتهى كلامه بنصه.


والكسائي قليل الشعر وله أبيات يصف فيها النحو ويحث على تعلمه مشهورة أولها:

إنما النحو قياس يتبع ... وبه في كل أمر ينتفع
فإذا ما أبصر النحو الفتى ... مر في المنطق مرا فاتسع
وإذا لم يعرف النحو الفتى ... هاب أن ينطق حسنا فانقعمع
يقرأ القرآن ما يعلم ما ... صرف الأعراب فيه وصنع
فتراه يخفص الرفع وما ... كان من نصب ومن خفض رفع

اتمنى أن تستفيدوا من هذا الموضوع وعلى الله قصد السبيل





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق