وقفة مع البلاغة ونشأتها

اللغة العربية

حين نبحث عن مولد البلاغة ونشأتها نرى لزاماً على البحث أن يسير بنا في اتجاهين: القرآن والشعر.
والكلام عن القضايا التي طرحها القرآن أولى، وإن كان الشعر العربي أقدم في وجوده وأسبق، وذلك لسببين: الأول، لأن الأمة العربية قبل الإسلام كانت أمة أمية على وجه الإجمال، ولم تكن وثيقة الصلة بالبحث العلمي واللغوي.
والثاني، لأن البحث في القرآن كان هو الدافع للبحث في الشعر واللغة على حد سواء، أو بمعنى أدق كان باعثاً للبحث في لغة الشعر على وجه التحديد، والأهم من هذا وذاك هو أنه للقرآن يعود سبب خلق الحضارة العربية الإسلامية وتوجيهها، فكان له فضل تكوين العقل العلمي عند العرب والمسلمين من جهة، وتسيير الجهد العلمي والبحث الأصولي وجهته التي سار بها من جهة أخرى.
هذا وقد كان للإشكاليات التي طرحها أهل المذاهب والفرق كبير الأثر في تقوية الدرس اللغوي وتعميقه، فحظيت الدراسات الأدبية والبلاغية من جراء ذلك بنصيب وافر من النظر والعناية، كما تأثرت بطرق الباحثين في القرآن إعجازاً وإشكالاً ومعنى، لا سيما أن القاطع المشترك بين الدرس القرآني والدرس الأدبي كان يقوم على محور واحد هو محور اللغة، وقد أدى هذا الأمر إلى تكوين نقاد للأدب اختصوا به، وعملوا على وضع أسس لدرسه، ومعايير لنقده.

أ ـ القرآن والأفق الفكري لإشكالية اللغة:
إن البحث اللغوي عند السلف - بمعناه العلمي - قد ابتدأ بدراسة الإعجاز في القرآن.


وقد أثارت هذه القضية قضايا أخرى كثيرة، لأنها تركزت من حيث الأساس على تداخل الشاغل الديني بالشاغل اللغوي، وأخذ هذا الأمر فيها أهمية كبرى، لأنه ربط بين ميدانين: فقد صير التقرير اللغوي بإعجاز القرآن تأكيداً للمصدر الإلهي في وحيه وتنزيله، كما كان لهذا التداخل أثره العظيم أيضاً على مسار الفكر العربي، وتوجيهه وإثرائه.
أما عن قضية الإعجاز بالذات فقد ذهب الباحثون فيها مذهبين: الأول ويرى الإعجاز في الأمور الغيبية التي اشتملت عليها بعض السور.
والثاني ويرى الإعجاز في نص القرآن نفسه، أي في لغته ونظمه، وحجتهم في ذلك:
1 ـ أن كثيراً من السور لا تشتمل على أمور غيبية.
2 ـ وأن الله تحدى العرب وهم الفصحاء أن يأتوا بسورة من مثله.
وقد قاد هذا الأمر الباحثين إلى إجراء مقارنات بين لغة القرآن وغيره من جهة، كما قادهم من جهة أخرى إلى دراسة القرآن وغيره من جهة، كما قادهم من جهة ثالثة إلى دراسة القرآن من حيث هو نص لغوي لاكتشاف سر الإعجاز فيه.
فدرس غريب لفظه، كما درس تركيبه، ودرس مجازه، كما درس طرق تصرفه بالكلام، وباختصار فقد وقفوا فيه على مسائل ليست من خصوصيات الأدب، لأن القرآن كما جزموا القول فيه ليس نصاً أدبياً، ولكنها - لكي تكون قريبة إلى أفهامنا - من خصوصيات (الأدبية) كما نقول اليوم، وهذا يعني أنهم وقفوا فيه على أمور تجعل منه كلاماً يوازي كلام العرب ويفارقه في الوقت نفسه، هذه الأمور هي جملة فرادته التي اصطلحوا على تسميتها (الإعجاز).
ولقد كان هذا التوجه من قبلهم إيذاناً مبكراً لإرساء بعض القواعد المنهجية لعدد من الدراسات التي اتصلت العلوم اللسانية بها حديثاً فقط، ونقصد بهذه العلوم: الدراسات المتزامنة للغة، والدراسات الأسلوبية والمقارنة، والدراسات النصية أو ما يسمى (لسانيات النص)، وعلم الدلالة، والتداولية، وعلم الإشارة.

ب ـ الموقف من الخطاب ومعنى الإشكالية:
ـ الموقف من الخطاب:
إن البحث اللغوي عند السلف بمعناه العلمي قد ابتدأ بدراسة الإعجاز في القرآن، وما يهمنا هو أن نقف على ذلك الخطاب الذي أنشأه السلف دراسة للخطاب القرآني، وتحليلاً له، إذ به سجلوا مواقفهم، وبه انفتحت طرق فكرهم، وبه تعددوا فرقاً ووجهات نظر، وهذه قضايا في رسم ملامحها تتجدد أطر نشأة الدرس اللغوي والأسلوبي والبلاغي في الثقافة العربية الإسلامية.
إذا عدنا إلى ابن قتيبة في كتابه (تأويل مشكل القرآن) فسنراه يتحدث في المقدمة عن أمرين فيهما الجواب على كثير من التساؤلات، ومنهما يستشف الواقع الذي حدا بالسلف إلى الانتقال بالبحث اللغوي من دراسة الجملة: نحواً وصوتاً وصرفاً كما هي الحال في الدراسات اللسانية والنحوية مثلاً، إلى دراسة النص ومكوناته كما هي الحال في الدراسات التي تقدمها لسانيات النص حديثاً.
ـ ينطلق ابن قتيبة من رصد بعض الظواهر الأسلوبية عند العرب عامة وفي القرآن خاصة، ليؤسس بهذا فرادة الكلام المدروس ضمن الظاهرة اللغوية، وهو عندما يفعل هذا فإنما يريد أن يبين أن للكلام سمات بها يتميز من غيره، وأنه من غيرها يفقد خصوصيته التي بها صار مميزاً، ولتعزيز مذهبه في رصد فرادة الكلام فإنه يركن إلى الترجمة ليتخذ منها دليلاً، فهو يتكلم عن صعوبتها أولاً، ثم يؤكد استحالتها في نقل القرآن الكريم إلى لغة أخرى، كما تم ذلك بالنسبة إلى الإنجيل والتوراة والزبور، ونحن نعلم أن الترجمة بالإضافة إلى كونها عملاً لغوياً فإنها أيضاً رؤية للعالم يتموضع فيها خطاب جديد استل من خطاب سابق، وليس عبثاً أن قيل: (الترجمة خيانة).
ـ الأمر الثاني وهو الذي يبدو الدافع فيه واضحاً، فقد ذهب ابن قتيبة يرد عن القرآن، وينافح عنه، شأنه في ذلك شأن معظم العلماء الذين استحوذت عليهم هذه القضية، وفجرت طاقاتهم الإبداعية، وقدراتهم العلمية، فجاء الدرس اللغوي والعلمي عندهم صورة مثلى لعمل حضاري رصين.
ـ معنى الإشكالية:
لقد تبين لنا أن نشأة التفكير اللغوي والبلاغي كانت ضمن دائرة التفكير الديني، ولما كان الأمر كذلك فقد كان لا بد أن تحتدم المواقف، وتصطرع الأفكار، كما كان لا بد أن يقوم علم يطرح القضايا والمسائل، ويقيم الأصول، ويحدد القواعد، ولما كان الكلام على الكلام في التراث العربي الإسلامي نتاجاً لتصور حضاري، فقد أسس بنيانه على مجموع مسائله وقضاياه، وانتهى بالعمل العلمي عامة، والعمل اللغوي خاصة إلى كشوف معرفية تكاد لا تحصى، وهنا يمكن أن نتكلم عن إشكالية عربية بالمعنى نفسه الذي تكلم فيه عن الإشكالية أصحاب نظرية المعرف في عصرنا الحديث، ذلك لأن الإسلام طرح من خلال علم الأصول مجموعة من المسائل أدت إلى تكوين هذا العلم، وعبر من جهة أخرى فيما طرحه عن قطعية معرفية مع فلسفة المعارف إلى عصره، وبمعنى آخر فقد أوجد نموذجه العرفي الخاص به.
وما قام به الإسلام يتطابق إلى حد كبير مع تعريف (لالاند) للإشكالية حين قال: إنها (تدل على مجموعة من المسائل التي يطرحها علم من العلوم، في سياق إيديولوجي معين، أو هي تعبر عن كشف علمي كبير، أو عن قطيعة، وفي الواقع فإنه يمكن تعريف الإشكالية دائماً بوساطة الأفق الإيديولوجي الذي ولدت فيه، ويمكن لها أن تكون علمية أو فلسفية، وهي مفتوحة دائماً على اعتبار أنها تتبدل مع معطيات المعرفة).
ولقد نمت الدراسات اللغوية العربية ضمن سياق ديني كما قلنا، ولذا كان متصور علم طرح المسائل هو الأساس في توليدها وإنتاجها، وبما أنها كانت كذلك فقد انقسم القوم فيها إلى: سنة، ومعتزلة، وأشاعرة، وغير ذلك، وعبر كل فريق منهم عن الأفق الإيديولوجي والفكري لبحثه اللغوي والبلاغي والأسلوبي، وكان من أثر تعددية الأصوات هذه أن تعددت المستويات اللغوية لدراسة النص، كما تعددت مستويات رصد متغيرات الأسلوب في الخطاب الواحد على أساس معرفي وليس على أساس طبقي اجتماعي، الأمر الذي جعل الدرس البلاغي العربي يخالف من حيث الأساس - أي من حيث المولد - طبيعة الدرس البلاغي عند اليونان، ولدى بعض التيارات الإيديولوجية المعاصرة.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق