مواضيع زيادة حروف الجر

اللغة العربية

مَواضِعُ زِيادَةِ حروف الجر

لا يُزادُ من حروفِ الجرّ إلا “من والباءُ والكافُ واللام”، وزيادتها إنما هي في الإعراب، وليستْ في المعنى؛ لأنها إنما يُؤتى بها للتَّوكيدِ.

أ- أمّا الكافُ فزيادتها قليلةٌ جدًا، وقد سُمعت زيادتها في خبر “ليس”، كقوله تعالى: {ليسَ كمثلهِ شيءٌ}، أي “ليس مثلَه شيءٌ”،

وفي المبتدأ، كقول الراجل “لَواحِق الأقرابِ فيها كالمَقَقْ”. وزيادتها سماعيّة.

ب- وأمّا اللامُ فتُزادُ سماعًا بينَ الفعل ومفعوله، وزيادتها في ذلك رديئةٌ. قال الشاعر:

وَمَلَكْتَ ما بَيْنَ الْعِراقِ ويَثْرِبٍ** * مُلْكًا أَجارَ لِمُسْلِمٍ وَمُعاهِدِ

أي أجار مسلمًا ومعاهدًا.

وتُزادُ قياسًا في مفعولٍ تأخَّرَ عنه فِعلُهُ تقويةً للفعل المتأخر لضَعفهِ بالتأخُّر، كقولهِ تعالى: {الذينَ هم لربهم يَرهبون}، أي ربهم

يَرهبون، وفي مفعول المشتقِّ من الفعل تقويةً لهُ أيضًا؛ لأن عملَهُ فَرعٌ عن عملِ فعلهِ المشتقَّ هو منه، كقوله تعالى: {مُصَدِّقًا لِما

مَعَهم}، أي مصدقًا لما معهم، وقولهِ: {فَعَالٌ لما يُريد}، أي فَعّالٌ ما يريد وقد سبق الكلام عليها.

ج- وأمّا “مِن” فلا تُزادُ إلا في الفاعل والمفعول به والمبتدأ، بشرط أن تُسبَقَ بنفيٍ أو نهي أو استفهامٍ بهَلْ، وأن يكون مجرروها

نكرةً. وزيادتها فيهنَّ قياسيّةٌ. ولم يشترط الأخفش تَقدُّمَ نفي أو شبههِ، وجعل من ذلك قولهُ تعالى: {ويكفّر عنكم من سيئاتكم}،

وقوله: {فَكلُوا مِمّا أمسكنَ عليكم}. و”من” في هاتين الآيتين تحتملُ معنى التبعيض أيضًا، وبذلك قال جمهور النُّحاة.


وأقوى من هذا الاستشهاد الاستدلالُ بقوله تعالى: {ويُنَزِّلُ من السماء، من جبال فيها، من بَرَدٍ}. فمن في قوله: “من برد”- لا ريب

في زيادتها، وإن قالوا: إنها تحتمل غيرَ ذلك؛ لأن المعنى أن يُنزَّل بَرَدًا من جبالٍ في السماءِ.


فزيادتها في الفاعل، كقوله تعالى: {ما جاءَنا من بشير}.

وزيادتها في المفعول، كقوله {تَحِسُّ منهم من أحد}.

وزيادتها في المبتدأ، كقوله {هل من خالقٍ غيرُ اللهِ يَرزُقُكم!}.

د- وأما الباءُ فهي أكثر أخواتها زيادةً، وهي تزادُ في الإثباتِ والنفي، وتزاد في خمسةِ مواضعَ:

1- في فاعل “كفى”، كقوله تعالى: {وكفى بالله وليًّا، وكفى بالله نصيرًا}.

2- في المفعول به سماعًا نحو “أخذتُ بزمامِ الفَرَس”، ومنه قولهُ تعالى: {ولا تُلقوا بأيديكم إلى التّهلُكةِ}، وقوله: {وهُزِّي إليكِ

بِجِذعِ النَّخلة}، وقوله: {ومَنْ يُرِدْ فيه بإِلحادٍ}، وقوله: {فَطفِقَ مَسحًا بالسُّوقِ والأعناقِ}.

ومنهُ زيادتُها في مفعولِ “كفى” المُتعدَّيةِ إلى واحدٍ، كحديثِ “كفى بالمرءِ إثمًا أن يُحدِّثَ بكلِّ ما سَمِعَ”.

وتُزادُ في مفعولِ “عَرَف وعَلِمَ - التي بمعناها - ودَرَى وجَهِلَ وسَمِعَ وأحسَّ”.

ومعنى زيادتها في المفعول به سَماعًا أنها لا تُزادُ إلا في مفعول الأفعال التي سُمعت زيادتها في مفاعيلها، فلا يُقاسُ عليها غيرها

من الأفعال، وأمّا ما وَرَد فلك أن تَزيدَ الباءَ في مفعوله في كل تركيب.

3- في المبتدأ، إذا كان لفظَ “حَسْب” نحو “بِحَسبِكَ درهمٌ”، أو كان بعدَ لفظِ “ناهيكَ”، نحو “ناهيكَ بخالدٍ شجاعًا”، أو كان بعدَ

“إذا الفُجائيّةِ، نحو “خرجتُ فإذا بالأستاذِ”، أو بعدَ “كيفَ”، نحو “كيفَ بِكَ، أو بخليل، إذا كان كذا وكذا؟”.

4- في الحال المنفيّ عاملَها، وزيادتها فيها سَماعيّةٌ، كقولِ الشاعر:

فَما رَجعَتْ بِخائِبَةٍ رِكابٌ *** حَكيمُ بْنُ المسيِّبِ مُنْتَهاها

وقولِ الآخر:
كائِنْ دُعيتُ إلى بَأْساءَ داهِمَةٍ** * فَما انبَعَثْتُ بِمَزءُودٍ وَلا وَكَلِ

وجعلَ بعضهُم زيادَتها فيها مَقيسةً، والذوقُ العربيُّ لا يأبى زيادَتها فيها.

5- في خبر “ليسَ، وما” كثيرًا، وزيادتها هنا قياسيّةٌ؛ فالأولُ كقوله تعالى: {أَليسَ اللهُ بِكافٍ عبدَه}، وقوله: {أَليسَ اللهُ بأحكمِ

الحاكمين}. والثاني كقوله سبحانهُ: {وما رَبُّكَ بِظلاّمٍ للعبيد}، وقوله: {وما اللهُ بغافلٍ عمّا تعملونَ}.

وإنما دخلت الباءُ في خبر “أنَّ” في قوله تعالى: {أَوَ لَمْ يَرَوا أنَّ اللهَ الذي خَلَقَ السّمواتِ والأرضَ، ولم يَعيَ بخلقهنَّ، بقادرٍ على

أنْ يُحييَ المَوتى، بَلَى، إنهُ على كلِّ شيءٍ قديرٌ}؛ لأنه في معنى “أَوَلَيسَ” بدليلِ أَنهُ مُصَرحٌ بهِ في قولهِ عز وجلّ {أَوَ لَيس الذي

خلقَ السمواتِ والأرضَ بقادرٍ على أن يَخلُقَ مِثلَهم، بَلَى، وهو الخلاّقُ العليمَ}.

ومما جاء في كتاب ” “جامع الدروس العربية” للشيخ الغلاييني ” في هذا الشأن أمور كثيرة استخلصت منهما فائدتين هما :


1- قد يَتوهَّمُ الشاعرُ أنه زاد الباء في خبر “ليس” أو خبرِ “ما” العاملةِ عملَها، فيعطفُ عليه بالجرِّ تَوَهُّمًا، وحقُّهُ أن ينصبَهُ،

كقوله:

بَدا لِيَ أَني لَسْتُ مُدْرِكَ ما مَضَى** * وَلا سابقٍ شَيْئًا، إذا كانَ جَائِيا

وقولِ الآخر:

أَحَقًّا، عِبادَ اللهِ، أَنْ لَسْتُ صاعِدًا *** وَلا هابِطًا إِلاَّ عَلَيَّ رَقيبُ

وَلا سالِكٍ وَحْدي، وَلا في جَماعَةٍ** * مِنَ النَّاسِ، إِلاَّ قيلَ أَنتَ مُريبُ

وقولِ غيره:

مَشَائيمُ لَيْسُوا مُصْلِحينَ عَشيرَةً** * وَلا ناعِبٍ إِلاَّ بِبَيْنٍ غُرابُها

فالخفضُ في “سابق وسالك وناعب” على تَوهم وجود الباءِ في “مدرك وصاعد ومصلحين”.

والجرُّ على التوهم سماعي لا يُقاس عليه.

2- وقد يُجرُّ ما حقهُ الرفعُ أو النصبُ؛ لمجاورتهِ المجرورَ، كقولهم: “هذا جُحرُ ضَبٍّ خَرِبٍ”، ومنه قولُ امرئ القيس:

كَأَنَّ ثَبيرًا، في عَرانِينِ وَبْلِهِ** * كَبيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ

ويُسمّى الجرَّ بالمُجاورة. وهو سَماعيٌّ أيضًا.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق