الوحدة النقدية: دروس أوروبية للعرب

مالية واقتصادية

الوحدة النقدية: دروس أوروبية للعرب

مغاوري شلبي

من المعروف أن التعاون النقدي هو القاعدة الصلبة التى يقف عليها التعاون الاقتصادي بين أي مجموعة من الدول، وبالتالي فإن عدم وجود تعاون نقدي شامل بين الدول العربية حتى الآن يقف حائلاً دون قيام تكتل اقتصادي عربي موحد، ولأن الأوروبيين أدركوا هذه الحقيقة منذ فترة مبكرة، وعملوا بجد لتحقيقها؛ فقد نجحوا في التوصل إلى وحدة نقدية في عام 1999 رغم أنهم بدءوا رحلة التعاون الاقتصادي بعد العرب، وفي ضوء ما أعلنه مجلس التعاون الخليجي مؤخراً عن بدء خطوات إنشاء عملة خليجية موحدة؛ فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما هي الدروس المستفادة للعرب من التجربة الأوروبية في مجال توحيد العملة؟

نجاح أوروبي وإخفاق عربي

بدون الغوص في تجربة العمل العربي المشترك مالها وما عليها ، وأيضا بدون الرجوع إلى تفاصيل الوحدة الأوروبية حيث هناك غزارة في الكتابة عن هذه الموضوعات؛ فإن الأحداث توضح أن التجربة الأوروبية نجحت، وتم تتويج الجهود الأوروبية في مجال العمل المشترك بصدور عملة موحدة لإحدى عشرة دولة من مجموع أعضاء هذا التكتل الذي يضم 15 دولة، في المقابل ما زالت التجربة العربية تراوح مكانها دون تقدم ملموس، وباستقراء كلا التجربتين يمكن إبداء العديد من الملاحظات واستخلاص العديد من الدروس التي يمكن أن يستفيد منها العالم العربي في رحلته نحو التكامل الاقتصادي أو الوحدة الاقتصادية التي طال انتظارها.

فمن الناحية الشكلية يلاحظ أن التجربة العربية والأوروبية قد بدأتا تقريبًا في توقيت واحد إن لم تكن التجربة العربية سابقة للتجربة الأوروبية، ولكن من الملاحظ أن التجربة العربية بدأت بمحاولات متفرقة للوحدة الاقتصادية والسياسية بين بعض الدول العربية مثل تجربة مصر وسوريا، وتجربة مصر وليبيا وسوريا، وتجربة مصر والسودان وغيرها، وقد كانت هذه التجارب تقوم على الاندفاع العاطفي لإعلان الوحدة بين يوم وليلة دون أي دراسة، وقد انتهت التجربة العربية إلى تجمعات عربية شبه إقليمية يرى الكثيرون أنها لا تخدم العمل العربي المشترك، بل ويذهب البعض إلى أنها تضر وتعوق جهود الوحدة العربية والتكامل الاقتصادي العربي الشامل، في المقابل نرى أن التجربة الأوروبية قد بدأت بتجمعات أوروبية متفرقة في الخمسينيات والستينيات، وكانت تقوم على أسس مدروسة مثل مجموعة الفحم والصلب وغيرها، وقد انتهت في الوقت الراهن إلى وحدة اقتصادية ونقدية بين الدول الأوروبية، ومن دراسة التجربة الأوروبية منذ بدايتها وحتى إعلان الوحدة النقدية بين الدول الأعضاء وميلاد اليورو الأوروبي عام 1999، قامت التحركات الأوروبية نحو الوحدة الاقتصادية على الدراسة الواعية والمتأنية ولم تلعب العواطف أو الميول السياسية للشعوب أو الحكام الدور نفسه الذي لعبته في التجربة العربية.
أحمد سعد الدين
مشاهدة ملفه الشخصي
البحث عن المشاركات التي كتبها أحمد سعد الدين
إضافة أحمد سعد الدين إلى الإتصالات الخاصة بك
#2 تقرير بمشاركة سيئة
قديم 25-08-2005, 10:19 PM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات

تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 52,759
افتراضي
اتباع إستراتيجية التدرج

ومن التجربة الأوروبية ورحلة أوروبا نحو الوحدة النقدية يمكن استخلاص العديد من الدروس التي يمكن أن تفيد العالم العربي في رحلته نحو الوحدة الاقتصادية والنقدية، ومن أهم هذه الدروس ما يلي:

حيث يلاحظ أن التجربة الأوروبية امتدت إلى أكثر من 40 عاما منذ بدايتها تم خلالها اتباع عنصر التدرج فيها ككل وفي كل مرحلة من مراحلها المختلفة، فقد انتقلت أوروبا من مرحلة منطقة التجارة الحرة إلى مرحلة الاتحاد الجمركي، ثم إلى مرحلة السوق المشتركة، وأخيرًا إلى مرحلة الاتحاد الاقتصادي والنقدي؛ وذلك بوضع برنامج زمني لكل مرحلة يراعى فيه التدرج في تنفيذ الإجراءات المصاحبة لكل مرحلة حماية للاقتصادات الأوروبية من التعرض لأي صدمات اقتصادية، وهذا التدرج يؤكد أن التجربة الأوروبية قامت على أسس وأهداف مدروسة، ولم تتم بناء على اندفاع عاطفي من جانب الحكومات كما في التجربة العربية، ولذلك كانت هذه الوحدة الأوروبية بمثابة إستراتيجية وعقيدة ثابتة في كل الدول الأعضاء طوال هذه المدة بغض النظر عن المذهب السياسي للحكومة التي تتولى مقاليد السلطة في الدول الأعضاء، وبالتالي فإن تغير الحكومات في الدول الأوروبية الأعضاء لم يؤثر على مسيرة هذه الوحدة وتقدمها طوال مدة 40 سنة، وهذا على العكس مما هو متبع في العالم العربي، فإن التغير السياسي في الدول له تأثير على العمل العربي المشترك، وذلك حسب التوجه السياسي للحكومة التي تتولى مقاليد السلطة في البلد العربي، ورغم أن بعض الحكومات العربية أحياناً لا تبدي رأيها صراحة في العمل العربي المشترك فإن تصرفاتها تعكس ذلك، ويبدو ذلك في أبسط الأمور حيث إن تحمس الدولة للتكامل العربي، وتنفيذ قرارات العمل العربي المشترك يصبح فاترا عما كان في الماضي، ولذلك كانت هناك العديد من الكبوات في الرحلة العربية نحو التكامل الاقتصادي؛ ولأن الدول العربية كانت دائمًا تتعجل عملية الوحدة الاقتصادية والسياسية بينها، ولا تتبع أسلوب التدرج لتحقيق هذه الوحدة فإنها لم تنجح؛ لأنها بهذا التوجه “ضربت الممكن بالمستحيل” حيث إن الممكن أن تحقق الدول العربية منطقة تجارة حرة، وتنتقل بعدها إلى اتحاد جمركي ثم سوق مشتركة ثم وحدة نقدية كما فعلت أوروبا، ولكن المستحيل أن تنتقل الدول العربية فوراً إلى وحدة اقتصادية.

دور أصيل للشعوب

الملاحظ في التجربة الأوروبية أنها ليست وحدة بين حكومات أو أنظمة للحكم ولكنها وحدة لعبت فيها الشعوب دورًا بارزًا، وفي جميع مراحل الوحدة الأوروبية كانت الحكومات تلجأ إلى الشعوب لأخذ رأيها في قضايا الوحدة بداية من فكرة الانضمام إلى التكتل الأوروبي، وانتهاء بالانضمام إلى العملة الموحدة، وكانت الحكومات الأوروبية تعطي الفرصة لهذه الانتخابات؛ لكي تتم في مناخ ديموقراطي حر، وتحترم رأي الشعوب في النهاية حتى ولو كان على خلاف ما ترى الحكومات، وأبلغ مثال على ذلك ما حدث في النرويج عندما رفض الشعب النرويجي الانضمام إلى اليورو للمرة الثانية في آخر أغسطس 2000، ومن هنا اكتسبت التجربة الأوروبية تأييد الشعوب الأوروبية لها، وأصبحت هدفا إستراتيجيًّا لكل الدول الأعضاء شعوباً وحكومات في الوقت نفسه، وهذا عكس ما حدث في التجربة العربية حيث كانت بعض أنظمة الحكم تلجأ إلى إعلان الوحدة بين دولها كوحدة ثنائية أو ثلاثية، أو تعلن الانضمام إلى تجمعات عربية شبه إقليمية، ويتم ذلك في تظاهرات سياسية عارمة دون الرجوع إلى الشعوب العربية، وأخذ رأيها في هذه القرارات رغم أن هذه الشعوب هي الأصحاب الحقيقيون للمصالح في هذا الموضوع، وكذلك يلاحظ حدوث الأمر نفسه في حالة حدوث مشاكل سياسية بين أنظمة الحكم العربية، فإن هذه الحكومات أو الأنظمة تقدم على إلغاء هذه الوحدة أو الانسحاب من التكتل، وإلغاء كل ما تم بناؤه في هذا الاتجاه، وذلك بدون الرجوع إلى الشعوب أيضًا، وحتى الآن لم تقوم دولة عربية واحدة بإجراء انتخابات عامة للحصول على موافقة شعبها للدخول في تكتل اقتصادي مع دول عربية أخرى، وليس من المتوقع أن يتم هذا طالما أن الحكومات العربية لا تؤمن بأن نجاح التكتل الاقتصادي يحتاج إلى موافقة ومؤازرة الشعوب العربية له، ومن ثم يمكن القول أن التجربة العربية طوال تاريخها كان دور الشعوب العربية فيها محدوداً، وكأنها كانت بين أنظمة الحكم العربية وليست بين الشعوب العربية، وإذا أرادت الدول العربية أن تصل إلى الوحدة الاقتصادية وأن يكون لها عملة موحدة؛ فلا بد من إشراك شعوبها في تحقيق ذلك.

.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق