لمفاضلة بين المصالح والمفاسد

مالية واقتصادية

لمفاضلة بين المصالح والمفاسد

لقد كرر الإمام ابن القيم منهجية المفاضلة بين المصالح والمفاسد كما يمكن أن نسميها من الناحية الشرعية أو المكاسب والخسائر كما يمكن أن نسميها من الناحية الاقتصادية، وذلك في أكثر من موضع فيقول: “فصل تحصيل أعظم المنفعتين”:

“اللذة المحرمة ممزوجة بالقبح حال تناولها، مثمرة للألم بعد انقضائها، فإذا اشتدت الداعية منك إليها تفكّر في انقطاعها وبقاء قبحها وألمها، ثم وازن بين الأمرين وانظر ما بينهما من التفاوت.

والتعب بالطاعة ممزوج بالحسن مثمر للذة والراحة، فإذا ثقلت على النفس ففكّر في انقطاع تعبها وبقاء حسنها ولذتها وسرورها، ووزان بين الأمرين وآثر الراجح على المرجوح.

إن تألمت بالسبب فانظر إلى ما في المسبب من الفرحة والسرور واللذة – يَهُن عليك مقاساته، وإن تألمت بترك اللذة المحرمة، فانظر إلى الألم الذي يعقبها، ووزان بين الألمين.

وخاصية العقل تحصيل أعظم المنفعتين بتقريب أدناهما واحتمال أصغر الألمين لدفع أعلاهما، وهذا يحتاج إلى علم بالأسباب ومقتضياتها، وإلى عقل يختار به الأولى والأنفع له منهما، فمن وفر قسمة من العقل والعلم اختار الأفضل وآثره، ومن نقص حظه منهما أو من أحدهما اختار خلافه، ومن فكر في الدنيا والآخرة علم أنه لا ينال واحدًا منهما إلا بمشقة، فليحتمل المشقة لخيرهما وأبقاهما”.

كما يقول الإمام أيضًا عن: اللذة من حيث هي مطلوبة للإنسان، بل ولكل حي، فلا تذم من جهة كونها لذة، وإنما تذم ويكون تركها خيرًا من نيلها، وأنفع إذا تضمنت فوات لذة أعظم منها وأكمل، أو أعقبت ألمًا حصوله أعظم من ألم فواتها”.

“فها هنا يظهر الفرق بين العاقل الفطن والأحمق الجاهل فمتى عرف العقل التفاوت بين اللذتين والألمين وأنه لا نسبة لأحدهما إلى الآخر، هان عليه ترك أدنى اللذتين لتحصيل أعلاهما واحتمال أيسر الأمرين لدفع أعلاهما”.

وبالتالي نجد أن هذا التحليل في الفكر الاقتصادي والفكر الإسلامي يدور حول جانبين أساسيين هما:

- تعظيم المنافع

- تقليص الأضرار

فقد ساهم هذا التحليل في الفقه الإسلامي في استنباط العديد من القواعد الفقهية التي تستخدم في استخلاص الأحكام الشرعية لمختلف القضايا، والتي يمكن تطبيقها في مختلف المجالات، ومن هذه القواعد:

- ما لا يدرك كله لا يترك جله.

- دفع المفاسد يقدم على جلب المصالح.

- لا ضرر ولا ضرار.

- أخف الضررين.

والتي تنطوي على استخدام ضمني للمعايير والتقنيات التي ذكرت في بداية كلامنا، حيث يرى بعض الفقهاء أن مبدأ التعويض العادل لمن أصابه ضرر ما كإتلاف سيارة الأجرة التي يعمل عليها أو مصادرة استثمار ما في مصنع أو عمارة كأن يؤجرها على سبيل المثال، يجب أن يتضمن:

1 - قيمة الضرر أي التلف أو المصادرة.

2 - ما فات منه مغنم، أي الدخل الذي كان يعود على المالك من السيارة أو العمارة.

بمعنى أن يشمل التعويض قيمة الفرصة الضائعة أو التي ضُيّعت قسرًا على المتضرر، كما أنه إذا لم تستطع أن يأتي بالأمر كله فَأْتِي منه ما استطعت، فإذا لم تستطع أن تحقق أرباحًا – مثلاً - فليس أقل من أن تقلل الخسائر فما لا يدرك كله لا يترك جُلّه، كما يروى أن الإمام ابن تيمية مَرَّ على رجل يقوم بنَهْي مجموعة من التتار الذين غزوا بغداد والشام عن شرب الخمر، فقال له يا هذا إن الله قد حرم الخمر؛ لأنها تصُدُّ عن الصلاة وعن ذكر الله وهؤلاء تصدهم الخمر عن قتل المسلمين، دعهم، حيث يرى الإمام ابن تيمية أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يصبح حرامًا إذا أدى إلى منكر أكبر من المنكر الذي كان سائدًا من ذي قبل، وهو تطبيق لمبدأ المفاضلة بين المصالح والمفاسد أو المكاسب والخسائر في النظرية الاقتصادية.

وهو ما يدعو إليه القرآن فقد أنكر الله عز وجل على بني إسرائيل تصرفهم في قضية الخمر والميسر بقوله تعالى: “أَتَسْتَبْدِلُوْنَ الَّذِيْ هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْر...” وقوله “.. وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما…”، وهو إيحاء بترك الخمر والميسر؛ لأن إثمهما أكبر من نفعهما.

لماذا لم نستفد من تراثنا؟!!

إن أسلوب التحليل والاستنباط الذي استخدمه الفقهاء المجتهدون في هذه الأمة للوصول إلى قرار أو حكم شرعي في المسائل الفقهية المختلفة جدير بالدراسة والتمحيص من جميع المختصين خاصة في العلوم الإنسانية، ونحن على ثقة من أن الرصيد الفكري والمعرفي الذي تركه هؤلاء المجتهدون يحوي الكثير من متحفزات الإبداع الإنساني في القضايا المعاصرة بالذات، فما هو السبب في تأخر استفادتنا من هذا التراث الفكري؟!

لعل السبب الرئيسي في ذلك هو ذلك الفصام السائد حتى الآن بين العلوم الشرعية والعلوم الأخرى؛ إذ إن الدارسين للعلوم الشرعية لا يتلقون ما يلزمهم في حياتهم العملية من الاختصاصات الأخرى كالإدارة والاقتصاد ومهارات الاتصال، وما إلى ذلك والتي لا غنى لهم عنها حينما ينخرطون في العمل بإحدى مؤسسات المجتمع، كما أن دارسي العلوم الأخرى لا ينالون ما يلزمهم من العلوم الشرعية التي يحتاجونها في اختصاصهم، وقد تفطنت الدول المتقدمة إلى مسألة شبيهة بهذه؛ حيث أصبحت الجامعات والكليات التي تدرس العلوم التطبيقية كالهندسة والطب والكمبيوتر تفرض على طلابها دراسة بعض المقررات التي تهم تخصصهم في الإدارة والاقتصاد؛ وذلك بهدف تأهيلهم لعملية:

- اتخاذ القرار السليم في مجالاتهم.

- التخصيص الأمثل للموارد المستخدمة.

ونحن علينا أن نقوم بما هو أكثر من ذلك أي أن نُطَعّم دارسي العلوم الشرعية ببعض العلوم الإنسانية (إدارة – اقتصاد)، ودارسي العلوم الطبيعية ببعض العلوم الإنسانية والشرعية، ودارسي العلوم الإنسانية ببعض المقررات الشرعية.. وهي عملية تهدف إلى ما يسمى بعملية ضبط النسب أي نسب المعرفة المطلوبة في كل تخصص من التخصصات بما يحقق التوازن المعرفي لكل خريج أو متخصص.

إن اللذة عند ابن القيم هي المنافع عند الاقتصادي، والألم عنده هو الخسائر عند الاقتصادي، إلا إن الفرق هو أن الاقتصاد الذي لا خلفية شرعية له يعتبر أن كل ما يراه الفرد أو الوحدة الاقتصادية لذة هو منفعة ينبغي تعظيمها، حتى وإن كانت إنتاج أو تعاطي الخمور والسجائر أو الدعارة أو المخدرات في الدول التي لا تجرم تعاطي المخدرات، بينما صاحب الخلفية الشرعية يقسم اللذة إلى قسمين كما فعل ابن القيم لذة أو منفعة مباحة، ينتهج فيها أسلوب المفاضلة بين المباحات، ويلجأ إلى تحصيل أعظمها.. ولذة أو منفعة محرمة ينتهج فيها أسلوب أخف الضررين ضرر الترك وضرر الإتيان، وأسلوب دفع المفاسد يقدم على جلب المصالح أي دفع الأضرار العامة يقدم على جلب المصالح الخاصة، كما هو الحال في الخمور والسجائر والدعارة والمخدرات التي حتى وإن اعتبرها بعض أو مجموعة من أفراد المجتمع منافع لهم؛ فإن لها أضرارًا عامة ينبغي أن يعيها ويواجهها صانعو السياسة العامة، وهي نقطة التميز في منهجية اتخاذ القرار في الفكر الاقتصادي الإسلامي.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق