دور الدولة في التنمية

مالية واقتصادية

دور الدولة في التنمية

يتلخص دور الدولة التنموي في التخلية بين الإنسان وترابه الوطني؛ ليتفاعل معه في ظل عقيدة وشريعة ونظام؛ ليصنع طعامه وشرابه ولباسه.

والتخلية تستدعي أمورا عدة من قبل الدولة:

- فلسفة راشدة وتخطيطًا حكيما، يؤدي إلى ترجمة التنمية إلى خريطة مشروعات حقيقية يمكن القيام بها من خلال مؤسسات حقيقة وطنية.

- تصميم البنية الأساسية بعناية بحيث يقوم أصحاب المشاريع بتوسيعها كل في اتجاهه.

- التعليم والتدريب الأساسيين والمرتبطين بمشاريع التنمية الأساسية على أن يترك أمر التعليم المتقدم للجهد التنموي؛ ليحقق متطلباته من التعليم والتدريب.

- حماية السوق الوطني من خلال فلسفة راشدة للاستيراد والتصدير في توازن لكل القطاعات التنموية المرجوة.

- الصياغة التنموية لكل مشروعات الدولة.

- إدارة مشروعات الدولة التنموية بمفاهيم إدارية تقوم على العدل مثل الثواب والعقاب والأجر والحياة الكريمة..إلخ.

- إنشاء المنظومة البشرية التي تخطط للتنمية، وتتأكد من اندفاع البشر إليها ثم القيام بقياس النتائج وتصحيح المسارات.

إن اندفاع البشر نحو تحقيق أي فكر تنموي سوف يتطلب بعثًا ثقافيًّا، وإعدادًا عقليًّا، وتدريبًا سلوكيًّا وإقناعًا مصلحيًّا، ومن ثم لا بد أن تتيقن الدولة من المنظومة القادرة على هذا كله سواء من خلال جهدها أم من خلال جهد الجماعات الحضارية والهيئات الشعبية.

أخلاق الفرد أساس الإصلاح

دور الفرد: دور الفرد بالغ الأهمية في أي مهمة تنموية، فكل تخطيط من قبل الدولة يحتاج بالضرورة إلى مواصفات خلقية ومهنية من قبل الفرد حتى يمكن للجماعة أن تنجز مهامها.

والقرآن يعلمنا أن هناك مثلثا حضاريا يتعلق بالفرد، أضلاع هذا المثلث هي العطاء-التقوى-التصديق بالحسنى.

فالتقوى تحدد أدب العطاء وغاياته العليا وفق فقه بصير، إن التقوى للعطاء كالحكمة للعلم، فكل علم لا توجهه حكمة يضل ولا ينفع، كذلك كل عطاء لا تقوده تقوى هو عطاء مجذوذ.

فالتقوى تحدد لك لمن العطاء…عطاء المدين للدائن، كعطائك لأبيك ولمجتمعك كما تعهدوك صغيرًا، أم عطاء شكر النعم..”وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها” والتقوى تعلمك أدب العطاء، فلا ينبغي أن تندفع إلى موقع تعلم أن في الأمة من هو خير منك له، والقرآن يعلمنا في آية الأمراء هذا المعنى الجميل ويعتبر أن ذلك من الأمانات التي ينبغي أن تؤدى إلى أهلها “إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها” والأمانات نوعان كما يقول الفقهاء: أمانات الأموال وأمانات الولايات، وكل ولاية تتطلب شروطًا علمية ومهنية وخُلقية وخِلقية تتوافر في البعض ولا تتوافر في البعض الآخر، والذين يندفعون إلى ولاية ويزاحمون عليها، وهناك من هو أحق بها منهم مجرمون آثمون.

كما أن الذي يعلم أنه أهل لولاية من كل من حوله فمن حقه أن يرشح نفسه لها؛ لأن مصلحة الأمة فوق الحياء ولا حياء فوق الحق، والقرآن عندما قال: “فأما من أعطى” تركها من غير تحديد، فكل يبحث عن قوته، أو عن “الذي بيمينه” ويلقيه إلى المجتمع، والتصديق بالحسنى قوة دافعة للمؤمن، حيث إن ثمرات العطاء لا تأتي دائما كما يتوهمها الناس ولا في الوقت الذي يحسبونه، وربما أقعدهم ذلك عن العطاء أو جعله ثقيلا على النفس شديدا عليها يجعلها تأتيه من غير إبداع ولا ابتكار، ومن هنا كان التصديق بالحسنى والإيمان بأن الله سيجزي المحسنين خير الجزاء في الوقت الذي يشاء وبالطريقة التي يشاؤها هو المكمل للمثلث الحضاري، العطاء-التقوى-التصديق بالحسنى.

أربعة أدوار للمجتمع

دور الجماعة: يتلخص دور المجتمع في أربعة أمور.

- تحجيم الفتنة.

- مؤسسات الحض على إطعام المسكين.

- مؤسسات الماعون.

- مؤسسات الإعداد للقوة.

فالمجتمع ينبغي أن يحرص من خلال نظمه القانونية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية على تحجيم الفتنة لدى الأفراد في مواقعهم في الحياة، إنك أحيانا تواجهك قوانين تضطرك اضطرارًا أن تتفلت منها، بحيث يصبح هناك شرعان: شرع حكومي وشرع عرفي.

وأحيانا يحيط بك نظام اجتماعي يفتن الناس في دينهم مثل الأعراف السائدة في قضية الزواج والمهور.

وكذلك يواجهك نظام سياسي لا يسمح بفرجة إصلاحية أو حتى ما يسمونه هامشا إصلاحيا؛ فيضطرك الأمر اضطرارًا لقبول الفتنة السياسية.

ومن واجبات المجتمع إنشاء مؤسسات الحض على إطعام المساكين ومؤسسات الماعون، إن الحض على طعام المساكين وتقديم الماعون هي مهمة المسلم الإعمارية، ومن أجل ذلك لا بد أن يكون هناك بالضرورة طعام يطعم وماعون يقدم..ففاقد الشيء لا يعطيه.

والمجتمع الذي يفتقر إلى هذه القوى الحضية التعاونية سوف ينهار لا محالة من داخله، ذلك أن أي مجتمع يحتاج إلى قوى تماسكية تمسك به، والمجتمع المسلم يستخدم قوى كثيرة لهذا التماسك أهمها قوى الحض والماعون.

والحض يمكن أن يكون فرديًّا بأن تحض نفسك، ولكن ليؤتي الأمر أكله لا بد من قيام مؤسسات حضارية تقوم على هذا الأمر، وهي بطبيعة الحال مؤسسات تنموية توفر فرص العمل الكريم للناس، فرص عمل حقيقية تؤدي إلى إعمار حقيقي.

في العالم ما يزيد عن مائة ألف منظمة خيرية تنفق على أبواب الخير من علوم وتكنولوجيا لا تجد منها في بلادنا منظمة واحدة، فمعظم منظماتنا الخيرية مشغولة بدفن الموتى أو بأشكال تافهة من النشاط الاجتماعي المظهري.

إن الوقف الخيري على التنمية فرض عين على القادرين، ولقد دعوت من قبل إلى إنشاء مؤسسة للتنمية التقنية وتبناها اتحاد المنظمات الهندسية الإسلامية، ومضيت أدعو لها بعض المؤسسات والأفراد فلم أجد إلا تثاؤبًا وكأن الأمر لا يعني أحدًا.

صراع حضارات أم أنساق تنموية؟!!

يروج العرب اليوم لفكرة صراع الحضارات، والحقيقة أن هذا غطاء خادع لحقيقة صراع الأنساق التنموية، حيث يحيطوننا من كل جهاتنا الأربع، ومن فوق رؤوسنا، ومن تحت أقدامنا بعالم أشياء تنميتهم، نستبدل هذا الأدنى بالذي هو خير من عالم أشيائنا من طيبات ما رزقنا الله.

والغريب أنهم يزينون لنا تبني عالم أشيائهم بإعلام ساحر أنفقنا فيه أموالا، ومذيعين ومعدي برامج وفنيين.

من الفلسفة إلى الحقول

نحن نحتاج إلى طيف من الرجال نبدأ فيه من الفلاسفة الذين يستطيعون أن يدرسوا إمكانيات المجتمع الإنسانية والمادية، ويدرسوا الضغوط الدولية والمحلية، ثم بعد ذلك يخرجون علينا بأهداف واضحة جزئية تترجم الأهداف الكبرى للتنمية الإسلامية: “الإطعام من جوع والأمن من خوف”.

والقرآن يجعل وجود هذا النوع من الرجال فرض عين على الدولة “فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون” فإذا كان التصور الفلسفي واضحا فإن المهمة التالية هي مهمة علماء النظم كل في تخصصه، عالم النظام الزراعي يأخذ هذه الأهداف وينظر إلى المنظومة الموجودة، فإن كانت تحقق ما نريد فخير، وإلا فنعود عليها بالتطوير والتغيير ونقيس أداءها حتى تصبح كما نريد.

وسوف يحتاج علماء النظم أن ينظروا في كل المنظومات المعاونة لمنظومة التنمية مثل: منظومة التعليم ومنظومة التدريب ومنظومة الخدمات ومنظومة الطاقة، ويحاولوا أن يضعوا لها أهدافًا تجعلها قادرة على إنجاز الأهداف الكلية، إن المهمة النهائية مثلا للتعليم والتدريب هي إيلاف الناس أعمالهم في منظومة التنمية وحينئذ يطيب العطاء وتحلو الحياة بفضل ربها.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق