التنمية المرفوضة...ودور الدولة والمجتمع

مالية واقتصادية

التنمية المرفوضة...ودور الدولة والمجتمع

د.سيد دسوقي حسن

هناك ضابطان أساسيان لأي نظام تنموي: ضابط للنواحي الإنسانية وضابط للنواحي الكونية، من الناحية الإنسانية كل تنمية لا بد أن تحافظ على أهداف الملك في الإسلام، وهي تعظيم السكينة الاجتماعية، وتفعيل القيم التي جاءتنا وحيًا: “وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين” والتابوت يمثل أدوات الحفظ من مناهج وبرامج وخطط في السياسة والاقتصاد والاجتماع التي تعظم الحفاظ على السكينة الاجتماعية وعلى القيم الخالدة التي جاءتنا وحيًا: “…بقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة” أي وحيا، ومن ثم فكل تنمية تضعف الأواصر الأسرية تنمية مرفوضة، وكل تنمية تؤدي إلى شيوع الترف بين قلة باغية وشيوع الفقر بين كثرة مسحوقة تنمية مرفوضة، وكل تنمية تؤدي إلى هشاشة النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي تنمية مرفوضة، وكل تنمية تدفع الناس بعيدًا عن ربهم وعن شريعة دينهم تنمية مرفوضة.

هذا من الناحية الإنسانية أما من الناحية الكونية ففي حضارتنا نتعامل مع البيئة المحيطة بنا بالقصد والاقتصاد، والبيئة من خلق الله نحبها ونفهمها ونسخرها في سبيل الله.

وفي حضارتنا لا نعرف كلمة قهر الطبيعة، فنحن لا نقهر خلقًا من خلق الله، وإنما نعامله بالإحسان الذي أمر به الله في الأمر كله.

ومن هذا المنطلق يُصغي ملك عظيم لصراخ نملة، يفهم منطقها، ويبتسم لصراخها، وسليمان وإن وهبه الله هذا الأمر حقًّا عظيمًا له، فإن الإنسانية مطالبة بالعمل الدؤوب والصبر المبين حتى تصل إلى هذا التناغم المعجز بين الإنسان والبيئة.

وفي هذا الصدد ذكرت إحدى المجلات الأمريكية أنه لولا النمل لتعطن سطح الأرض ولَما كانت على وجه الأرض حياة، فانظر -رحمك الله- لحضارتنا التقنية التي تلقي كل يوم بأطنان المبيدات على الأرض تهلك كل الحشرات النافعة؛ وذلك حتى تزيد من إنتاج طعام ماسخ لا مذاق له.

إن موقف الإسلام من البيئة المحيطة يتلخص في ثلاث كلمات: الفهم والحب والتسخير، وهذا هو سليمان الذي سخر هدهدًا ذكيًّا؛ ليرأس جهاز المخابرات، هدهد يحلل المجتمع الذي يعمل على وصفه للملك من الناحية السياسية والعقيدية والاقتصادية والاجتماعية بأزكى الكلمات: “إني وجدت امرأة تملكهم” نظام الحكم استبدادي، “وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم” وفرة اقتصادية “وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله” الشرك العقيدي، “وزين لهم الشيطان أعمالهم وصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون” الوضع السلوكي والأخلاقي.

إن ضابط البيئة في حضارتنا ضابط شديد البأس فنحن من أمة حتى وهي في الحرب لا تقطع شجرة ولا تحرق نخلة، ولقد “ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي كسبوا لعلهم يرجعون” ولكن الرجوع عملية صعبة جدا، فمن الذي يطالب الشركات الجبارة العابرة للقارات أن توقف هذه الصناعات التي تلوث البيئة تلويثا عظيما؟ والله يقول: “يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون” ويقول أيضا: “وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون”.

وأنا أنصح الذين يظنون أني أبالغ فيما أقول أن يقرءوا الكتاب الرائع للعالم الأمريكي جيمي رفكن “الإنتروبي” والذي يقول في نهايته بعد أن استعرض كل ألوان الفساد البيئي في الكون المحيط: “إن الحل وليس هناك حل غيره هو العودة إلى ما قبل الثورة الصناعية الأولى”.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق