ثلاثة أشكال للتنمية

مالية واقتصادية

ثلاثة أشكال للتنمية

لعلنا نلخِّص طيف التنمية المرجو في ثلاثة عناصر أساسية:

أ – تنمية البقاء.

ب - تنمية النماء.

ج - تنمية السبق.

وسوف يستتبع ذلك أيضًا طيف تعليميّ؛ فيكون عندنا تعليم للبقاء وتعليم للنماء وتعليم للسبق.

والملاحظة الأولى التي أحب أن أصرف إليها الانتباه هي أن الطاقة البشرية سوف تتوزعها أنواع التنمية بنسب مختلفة، فالنسبة الكبرى تعمل في خريطة أعمال تنمية البقاء، ثم تليها تنمية النماء، ثم تنمية السبق.

أولاً: تنمية البقاء:

ونعني بها الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية وعزائم الرجال من أجل تحقيق اكتفاء كريم في متطلبات الحياة الأساسية من طعام وشراب وكساء واضعين نصب أعيننا طهارة البيئة من حولنا والقصد والاقتصاد في كل شيء.

وفي هذا النوع من التنمية يُخطَّط عالم الأشياء بحيث يحقق العيشة الكريمة، وبحيث يُصنع أغلبه - إن لم يكن كله - بأيدي الناس، مقللين ما استطعنا من الميكنة.

ما طبيعة الأعمال في هذا النوع من التنمية؟ وما طبيعة التعليم الذي يصاحبها؟ وللإجابة على ذلك حسب مفهومنا لتنمية البقاء نضرب المثال التالي:

في منطقة زراعية يتوفر فيها الماء والأرض الصالحة يجب أن نرسم خريطة الأعمال المطلوبة لتحقيق تنمية البقاء، سواء كانت أعمالا زراعية أم تصنيع منتجات زراعية أو خدمات زراعية أو تربية حيوانية.. وحينئذ نصمم مناهج التعليم بطريقة تعين الطالب ليتفاعل مع البيئة تفاعلاً مثمرًا، وما أن يبلغ الطالب السادسة عشرة حتى يكون قد امتهن مهنة هو قادر عليها، فإن شاء أن يكمل دراسته في نفس ميدانه، وكان عليها قادرًا ماديًّا وعلميًّا، فينبغي أن نوفر له الفرصة، وإن شاء أن يمضي في الحياة العملية بضع سنين يجمع فيها خبرة عملية فلا بأس، ويستطيع أن يعود متى شاء للدراسة، وسوف نعينه بمعينات سمعية وبصرية كتابية في برامج تدريبية مختلفة، وبذلك يسهم الطالب في خريطة العمال الخاصة بتنمية البقاء فترة من حياته تطول أو تقصر حسب استعداداته النظرية وهمَّته الحضارية.

ثانيًا: تنمية النماء:

ويتبنى هذا النوع من التنمية عالم أشياء من النوع السائد في الحضارة المعاصرة، وخاصة الضروري منه، مما يتعلق بوسائل الدفاع واستخراج كنوزنا المدفونة وتصنيعها وما يستتبع ذلك من نظام تعليمي وتدريبي وبحثي، وفي العادة يكون من ثمرات هذا الطريق نمو عالم الأشياء نموًّا سرطانيًّا قد يضر بالإنسان، ومن ثَمَّ فإنه ينبغي تصميم منظومة تنمية النماء بحيث تحاول تلافي ما حدث في الغرب من إفساد شديد للبيئة.

والقاعدة التي ينبغي أن نحرص عليها هي أن لا نتبنى عالم أشياء نحن غير قادرين على تصنيعه أو خدمات يصنعها لنا غيرنا، ومن ثَمَّ ينبغي أن يكون معدل النمو في عالم أشيائنا أبطأ من تقدمنا العلمي والتقني، إلا في حالات الضرورة القصوى التي ينبغي أن لا تزيد عن نسبة ضئيلة تتجه معظمها إلى قضايا الدفاع.

وتستطيع برامج تنمية النماء أن تعمل على تطوير آليات تنمية البقاء من خلال البحوث المتقدمة التي تهتم بتطوير الوسائل المستخدمة وإبداع طرائق جيدة لترشيد الطاقة وتحسين الأنواع والقضاء على المعوقات والأمراض، وكذلك عمليات التكامل بين الأنشطة المختلفة في تنمية البقاء. فمثلاً تستطيع البرامج المتقدمة في تنمية النماء أن تعمل على تصميم طواحين هوائية مناسبة لرفع المياه وتوليد الكهرباء بحيث يمكن تصنيعها في ورش صغيرة مما يندرج في تنمية البقاء. كما يمكن استنباط أنواع جديدة من السلالات يُدَرَّب عليها المزارعون. كما يمكن عمل بحوث عن طرائق بسيطة لنصنع الطوب من طفلة متوفرة وتصميم منزل قروي مناسب، كما يمكن تطوير الآلات المستخدمة في الزراعة.. إلخ.

كل ذلك وغيره لا يمكن القيام به إلا من خلال منظمة علمية بحثية لا يمكن توافرها إلا من خلال نوع متقدم من التنمية، وما يستتبع ذلك من عملية تعليمية وتدريبية تستدعي برامج جديدة في المعاهد والجامعات.

ملخص القول: إن مهمة تنمية النماء هو: التحسين المستمر لآليات تنمية البقاء بحيث تظل مبقية على طهارة البيئة، والتشغيل الأمثل لطاقات البشر، مع العمل على الحد من تخليق عوالم أشياء ترفيهية قدر الإمكان، وكذلك على إنجاز كل متطلبات عالم الأشياء الخاص بالدفاع.

ثالثًا: تنمية السبق:

ونعني بها في مثل ظروفنا أن نختار لأنفسنا بعض الميادين التي نستطيع السبق فيها، وأن ننجز فيها على مستوى الأمة أو على مستوى العالم شيئًا مرموقًا.

فمثلاً في بلد كمصر نملك ناصية الثقافة العربية والإسلامية، ونستطيع السبق تنمويًّا بهذه الثقافة؛ لأن خدمة هذه الثقافة العربية الإسلامية تقوم على فكر تنموي لتصنيع الكتاب والشريط والفيلم والبرامج الدراسية وتسويق ذلك كله في أنحاء العالم.

وفي مصر مثلاً نملك أيضًا السبق في ميادين السياحة، ونملك أيضًا السبق في بعض أنواع الزروع؛ ولذلك فالمخطط التنموي ينظر هل عنده ما يسابق به أم أن زمنه ليس زمن سباق؟

إننا مثلاً لا نستطيع أن نسابق أمريكا الآن في ميادين تقنية بعينها ولا تثريب علينا في ذلك، ولكننا نعرف إمكانياتنا الثقافية والسياحية وبعض الزراعية ويمكننا أن ندخل في سباق إن أحسنَّا التخطيط لهذا السباق.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق