أعمدة التنمية السبعة

مالية واقتصادية

أعمدة التنمية السبعة

د. سيد دسوقي حسن

للإسلام رؤية تنموية تنبعث من فلسفته في العلاقة بين الإنسان والكون ومالكهما رب العالمين، وهذه الرؤية تحتاج إلى مجاهدة لاستخراجها من خلال الدرر القيمة المكنونة في الكتاب العزيز، وفي تاريخنا الحضاري اكتشف المسلمون بعضها وعاشوا بها، وما زالت كنوزها تحتاج إلى جهود العلماء الأتقياء؛ لينفضوا عنها ما تراكم حولها من جهالات التصورات وكسل الصالحين.

والتنمية في الإسلام لها أهداف وعناصر وأعمدة تقوم عليها، كما أن لها ضوابط وآليات تحتاج إلى مزيد من الاجتهادات، والأمن من الجوع والخوف هما العنصران الأساسيان في أهداف التنمية في الإسلام، وحالتا الجوع والخوف هما المقابلتان لحالتي “الترف والغفلة”، والإسلام بلا شك يكرهما ويعتبرهما أصل الداء في كل مجتمع.

سبعة ملامح للتنمية

والتنمية في الإسلام تتكون من سبعة عناصر أساسية تحدد ملامحها، وهي: القصد أو الهدف – الوظيفة – الحجم – الجمال – القدرة التعليمية والتدريبية – الامتداد الزماني – الامتداد المكاني.

1 – القصد:

كل سعي في الحياة ينبغي أن يكون قاصدًا، فالله – سبحانه وتعالى - يقول: “وَاقْصِدْ فِيْ مَشْيِكَ”، أي اجعل لمشيك قصدًا وهدفًا، والمشي في الحياة هو السعي فيها. أما تحديد القصد الذي ينبغي على الإنسان أن ينضبط به فهو القصد الذي حدده الله تبارك وتعالى: “وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيْلِ”.

والله تبارك وتعالى يَذُمُّ أقوامًا يقولون: “أَتَبْنُوْنَ بِكُلِّ رِيْعٍ آيَةً تَعْبَثُوْنَ * وَتَتَّخِذُوْنَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُوْنَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِيْنَ” (الشعراء: 128-130).

2 - الوظيفية:

تعظيم الوظيفية في كل عمل تنموي من مقاصدنا الشرعية، وفي تراثنا أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى غلامًا يركب بقرة فقال: “مَا لِهَذا خُلِقَت”.

والمخطط التنموي في بلد كالقاهرة – مثلاً - يقيم مصنعًا للسيارات الخاصة أم مصنعًا للحافلات؟ أيهما يخدم الناس وينفعهم في مدينة مكتظة ضيقة الطرقات؟

حتى العلم؛ إن فقد وظيفته التنموية يصبح علمًا مكروهًا، ونحن نستعيذ بالله من علم لا ينفع.. هكذا علمنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.

والمخطط التنموي قارن بين البدائل التنموية المختلفة، ويحاول أن يختار ذات الوظيفية العالية، بالطبع آخذًا في الاعتبار كل العناصر الأخرى وكل الضوابط الشرعية.

3 - الجمالية:

في التنمية الرعوية يحدثنا القرآن: “وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُون * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ” (النحل: 5-9)

فالدفء والمنافع والأكل والركوب الموزون كلها مقاصد وظيفية، والجمال في هذا الخلق كله مقصد رباني مطلوب للنفس البشرية التي ينبغي عليها أن تحقق الوظيفية والجمال في كل عمل تنموي تنشئه.

4 - الحجم الأمثل:

يبذل النظام العالمي الجديد جهدًا لإقناعنا بتبني فكره التنموي، فبينما لا يصلح لنا إداريًّا واقتصاديًّا وعلميًّا وتقنيًّا وسياسيًّا إلا الصناعات الصغيرة، فإنه يُصِرُّ على أن ننبذ كل ما نقدر عليه ونقبل على الذي لا نقدر عليه.

من كان يظن أن النظام العالمي يشارك الفلاح العربي البسيط في ربح أرضه من البطاطس، فأصبح الطفل العربي يشتري كيس بطاطس ثلاثة أرباع ربحه تذهب إلى الخارج: للمصنع المستورد، وورق التغليف المستورد، والإضافات المجهولة المستوردة، والإدارة المستوردة، والصيانة المستوردة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وهذا النظام هو الذي يمنعنا - عن تخطيط وإصرار - من المضي في أي تكنولوجيا متقدمة.

لكل بلد حجم أمثل للتنمية يتفق مع مجمل أحواله الراهنة من علم وتقنية وقدرات إدارية وسياسية واقتصادية. ورحم الله ذا القرنين عندما سأله القوم: “قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا * قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا” (الكهف: 94 – 98).

أي أن ذا القرنين رفض الخَرْج وأصرَّ على أن يعلمهم في ظل إمكانياتهم تكنولوجيا مناسبة يدرءُون بها الشر عن أنفسهم.

وللاقتصادي الإنجليزي الشهير شوميكر كتاب اسمه “الصغير هو الأجمل” Small is beautiful يرفض فيه النموذج الغربي في التنمية، والذي يقوم على مؤسسات شديدة الضخامة، يرفض ذلك حتى للغرب المتقدم، وينادي بالأحجام التي لا تفسد إنسانية الإنسان وتجعله عبدًا لما صنع لا سيدًا لما ابتدع.

5 - القدرة الذاتية على الإيلاف:

تحتاج كل تنمية إلى نظام تعليمي وتدريبي مناسبين، ومع التعليم والتدريب تحتاج إلى نظام إعلامي يحببها ويزينها في قلوب الناس حتى يُقْبِلوا على حياتهم بطمأنينة وحب. يلخص ذلك كله كلمة عظيمة في القرآن الكريم:

“لإيْلافِ قُرَيْشٍ * إيْلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ والصَّيْفِ”، ويشرح الإمام الألوسي معنى الإيلاف فيقول: اجتماع مع التئام. ومع هذا الإيلاف ينمو تفاعل الإنسان مع نظامه التنموي حتى تصبح المهارات المطلوب اكتسابها ملكة في طبع الإنسان وليس صنعة فحسب.

من أجل ذلك ينبغي أن يكون الاختيار التنموي مراعيًا لقدرات الناس العلمية والتقنية، أو قل بأسلوب القرآن: “من أمرهم العلمي والتقني” وليس من أمر الآخرين العلمي والتقني: (...رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا)

وإن تصميم منظمة الإيلاف التنموي لمن الأمور العظيمة التي ينبغي أن يوليها المخطط التنموي كل رعاية واهتمام.

6 - الامتداد الزماني:

كل تنمية مُنبَتَّة لا جذور لها في تاريخنا ولا امتداد لها لأحفادنا هي تنمية مرفوضة، والحفاظ على ما ورثناه وعشنا به قرونًا أمدًا، وتسجيله وتطويره للوارثين من بعدنا عمل مطلوب حضاريًّا.

بالطبع نحن محاصرون تنمويًّا، والإغواء بترك ما بأيدينا من تقنيات بسيطة والانتقال إلى تقنيات جديدة لا نملكها، ولم نألفها يدق فوق رؤوسنا ليل نهار.

في بلد كمصر - وربما في بلاد الشام من حولنا - عاش أجدادنا على صناعات صغيرة ناجحة للغاية. إننا في مصر نصنع كل منتجات ألباننا من غير ثلاجات وبأقل قدر من الطاقة. أمهاتنا يحلبن البقر والجاموس ويضعن ذلك في قربة يعلقنها ويظللن يدفعنها يمنة ويسرة حتى ينفصل الزبد من اللبن. هذا اللبن الباقي يصنعن منه الجبن القريش. أما الزُّبد فتصنع منه السمن الفلاحي الذي لا يحتاج إلى حفظ لمدة عام على الأقل. أما الجبن القريش فنأكل منه طازجًا(أو صابحًا كما نقول) وما بقي نلقي به في جِرار المِشّ.. وكلما قَدم كلما طاب وحسن، وقطعة من الجبن القديم العتيق خير من ألف نوع من الجبن الماسخ الذي يأتينا من أعالي البحار وتمتلئ به ثلاجات محلات البقالة.

لماذا لا نحافظ على هذه التكنولوجيا ونطورها فأحسبها تكاد تندثر؟! الاختيار التنموي ينبغي أن يضع نصب عينيه عملية التجذير الزماني: الأمس واليوم والغد.

7 - الامتداد المكاني:

لكل تنمية أرض تعلو فيها وتزدهر وتتفاعل فيها الجغرافيا مع القيم والتقنية السائدة، وقد يكون عالم الأشياء الذي تنتجه هذه التنمية هامًّا لأقوام آخرين بتعديلات مختلفة، ومن ثَمَّ فإن المشاركة في السوق العالمي (من غير رغبة في العلو والفساد) ودعمه بسلع طيبة نحن قادرون عليها هو أمر محمود للغاية في ثقافتنا. الامتداد المكاني في ثقافتنا امتداد تكامل وليس امتداد علو وقهر وفساد.

نحن لا نسلط على الناس أجهزة الإعلام بالسحر؛ ليترك الناس الطيب الذي في أيديهم ويستبدلون الخبيث به، والقسط هو أساس التكامل المكاني: أعطيك نفطًا وآخذ منك بضاعة أخرى.. من غير تطفيف؛ هو وليد ضعفنا وعلوهم وفسادهم القيمي.

حتى التنمية والرياضية – والرياضة هذه الأيام تجارة - فإنهم يزينون لنا أنواعًا منها لا تصلح لها بلادنا على الإطلاق مثل لعبة الجولف. إن بلادهم تتمتع بخضرة طبيعية مجانية، أما عندنا فالحفاظ على ملعب للجولف مكلف للغاية.

الامتداد المكاني امتداد تكامل بما ينفع الناس في الأرض من غير علو ولا فساد.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق