علّمني العيال الإصرار

الادارة

أخذت أراقبه وقد وقف على ركبتيه ويديه، ونظر إلىّ مبتسمًا، ثم أدار وجهه ينظر في أرجاء الغرفة، حتى وقعت عيناه على أريكة قريبة، فأسرع يحبو نحوها، وبدأ يتسلقها حتى استطاع أن يقف مستقيمًا مستندًا بذراعيه الاثنين على الأريكة، وممسكًا فيها بقوة، وكأنه يخشى أن تهرب من يديه الصغيرتين..
التقط أنفاسه بعد هذا المجهود الكبير في الحبو والتسلق، ثم التفت في بطء وحذر شديدين، لتلتقي عيناه بعيني مرة أخرى، وهنا يطلق ضحكة الانتصار، وكأنه يدعونني لمشاركته فرحته في هذا النجاح الكبير..
لقد استطاع الوقوف مستندًا على الأريكة!!
فهممت أن أتقدم نحوه لأحمله وأقبله وأشاركه تلك الفرحة، لكني توقفت حين رأيت ملامحه تتبدّل شيئًا فيشئًا، وكأنه يتذكر شيئًا ما أزعجه!!
وفجأة وجدته قد اتخذ قراره..
لن ينتظر اقترابي منه، بل سيخطو هو أول خطواته في هذه الحياة..
لقد قرر أن يعتمد على نفسه، ويمشى دون مساعدة من أحد..
“كم هي بعيدة تلك الأرض التي سأخطو عليها.. آه لو كانت تقترب قليلًا فأمسكها بيدي وأتمكن من السير عليها بثقة..لكن.. ماذا لو وقعت؟!! لقد تألمت كثيرًا المرة الماضية حين حاولت السير وحدي..”
هذا ما ظننته يفكر فيه ويقوله لنفسه، حتى توقعت أنه سيتراجع عن هذا القرار الخطير، لكنه خالف ظني وتوقعي، فرفع قدمه وأخذ خطوته الأولى وأسرع بالابتعاد عن الأريكة..
ثلاث خطوات متتابعة في سرعة وارتباك حتى كاد أن يقع أرضًا، وكدت أن أسرع إليه، لكنه وقف في تحد والتقط أنفاسه سريعًا ثم أكمل جريًا نحوي حتى ألقى نفسه في أحضاني..
هل يوجد طفل لا يملك الإصرار؟!!
كيف ظننت أنه سيتراجع عن قراره في المشي؟
هل أذكر طفلاً واحدًا لا يملك الإصرار؟
كم مرة رأيت فيها صغيرًا ما زال يحبو، ويحاول أن يقف على رجليه..
فيقع..
فيقف مرة أخرى..
فيقع..
فيقف..
فيقع..
هل يمكن أن يفقد حماسه وإصراره على الوقوف؟
هل سمعت من قبل في عائلتي أو في أي مكان في الدنيا عن طفل قرر أنه تعب من محاولات الوقوف، وقرر أن يستسلم للأمر الواقع فلا يقف مرة أخرى؟!
كيف لم أشعر من قبل أن الأطفال يملكون إصرارًا أكبر مني؟
كم مرة حاولت أن أنجح في شيء ما، لكني شعرت باليأس بعدها؟
كم مرة حاولت أن أقنع مديري في العمل بوجهة نظري في مسألة ما، لكني أعلنت فشلي واستسلامي؟
كم مرة بحثت عن عمل أرضى عنه، لكنك كدت أن أقرر الهجرة وترك هذه البلد؟
كم مرة حاول ملايين الأطفال الوقوف والمشي، لكنهم أصروا وحققوا ما أرادوه؟!!
الإصرار..
تلك الصفة الأصيلة في الأطفال، هي ما أحتاجه لأصل إلى أهدافي بنجاح، إنها قوة ” أنا أستطيع” أن أفعل ذلك بعون الله ثم “بثقتي بنفسي”..
كنت أظن قديمًا أن الإصرار صفة غير موجود في شخصيتي، وأنه صفة يمكنه أن أكتسبها بالتدريب، لكن فوجئت بعدما رأيت هذا الصغير بأن الإصرار صفة موجودة في شخصيتي بوفرة، فقد كنت فيما سبق طفلًا مصرًا، وإلا لما استطعت الوقوف..
يبدو أنني أمتلك كنزًا كبيرًا، ويبدو أنني نسيت مكانه في زحمة الحياة..
- لكني حاولت كثيرًا.. ولم أحقق ما أريده..
- أنا أشعر أني أضيع وقتي في محاولة تحقيق هذا الحلم البعيد..
- الحياة أسهل من هذا كله.. فلماذا أتعب نفسي في الإصرار على تحقيق هدف مستحيل..
- هناك أهداف أسهل يمكنني تحقيقها، وتحقيق سعادتي فيها..
كثيرًا ما قلت مثل هذه العبارات وأنا أتحدث عن بعض أحلامي التي لم أحققها، وكنت أظن أن الموضوع قد انتهى، فهذه الأحلام أحلام مستحيلة!!
لكنني الآن أقول لنفسي: كلا..
لم ينته الموضوع بعد..
فقد يكون هناك أحلام مستحيلة، لأني لا أستطيع تحقيقها بوضعي الحالي..
وقد يكون هناك أحلام مستحيلة، لأن الوقت حاليًا غير مناسب لتحقيقها..
وقد يكون هناك أحلام مستحيلة، لأني لا أسير في الطريق الصحيح لتحقيقها..
وقد يكون هناك أحلام مستحيلة، لأني لم أصر على تحقيقها!!
لكن..
ليس هناك حلم مستحيل على الإطلاق!!
يقول الشاعر..
ولم أرَ في عيوب الناس عيبًا
كنقص القادرين على التمام
آه.. كم كنت أستسلم لرغبة دفينة في الراحة وعدم الإصرار..
كم كنت أهين قدراتي، وأقول: لا أستطيع..
أنا بالفعل أستطيع فعل كل ما أريده..
وأنت أيضًا مثلي تمامًا، لا يوجد عندك مستحيل على الإطلاق، هل تريد أن تجرب معي هذه اللعبة التي اعتدت تكرارها كلما شعرت بالضيق أو العجز أمام مشكلة ما؟
أريدك أن تكتب خمسة أشياء مستحيلة تمامًا عليك، ولا يمكن تنفيذها على الإطلاق في أي وقت من حياتك وتحت أي ظرف من الظروف..
1- .................................................. .....
2- .................................................. ......
3- .................................................. ......
4- .................................................. ......
5- .................................................. ......
هل استطعت أن تكتب خمسة أشياء مستحيلة تمامًا في حياتك، ولا يمكنك تحقيقها في أي وقت من أوقات حياتك وتحت أي ظرف من الظروف؟
أكاد أشك أنك ستكتب خمسة أشياء فعلاً، إلا إذا اعتبرت هذا السؤال أحد الأشياء الخمسة!!





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق