التوازن

الادارة

التوازن أو الاتزان في حياة المسلم،أو الوسطية في حياة المسلم ،أو الاعتدال في حياة المسلم ..كلها في الحقيقة ألفاظ متقاربة في معانيها..
والتوازن شيء جميل وشيء مطلوب،وشيء مرغوب.
سنطرح السؤال التالي:
هل التوازن في حياة الإنسان هو الأصل، أو إن اختلال التوازن..؟فلو ترك الإنسان نفسه وشأنها هل يكون متوازناً...؟؟
الجواب: لا.. الأصل في الإنسان أن لا يكون متوازناً؛ فالتوازن يحتاج إلى جهد، وإلى عقل، وإلى اجتهاد،وإلى مجاهدة للنفس.
هل الأصل أن يكون الإنسان عالماً...؟؟
الجواب: لا.. الأصل فيه أن يكون جاهلاً إلا إذا تعلم
قال تعالى: “والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لاتعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون”(النحل :78)
إذن..الاختلال سيحصل في حياتنا مالم نسع سعياً حثيثاً وواعياً إلى أن نحصل على التوازن المطلوب.


التوازن بين الفلاح والنجاح


غالبا الفلاح_الذي هو الفوز الأخروي_مرتبط بالطاعة،مرتبط بالعبادة،مرتبط بالتقرب إلى الله تعالى.
ولما نطلق كلمة النجاح نطلقها غالباً على الفوز الدنيوي ولما نقول:فلان رجل صالح..لاننص أنه ناجح في عمله أو غير ناجح فهو من المحتمل أن يكون ناجحاً في عمله، ومن المحتمل العكس..لكن نقول:هو رجل صالح.. أما النجاح فإنا نستخدمه الآن للنجاح الدنيوي.
وعندما ندقق نجد أن ليس هناك مشكلة في القضية؛ لأن النجاح الدنيوي إذا تم في إطار شرعي، وكانت هناك نية صالحة ،فهو متصل بالفلاح الأخروي.
ولو عدنا إلى التاريخ قليلاً إلى ماقبل 50 سنة لوجدنا أن فكرة النجاح في الأمة بشكل عام كانت فكرة ضعيفة..
فكرة الصلاح بمفاهيم تلك الأيام –حسب ما يفهم الناس من الصلاح- كانت أقوى،وفكرة النجاح كانت ضامرة..
وطبعاً هذا خلل..

لكن الذي نلمح إليه الآن أن هناك توجهاً قوياً ليس لدى الشباب فقط،بل في حس الأمة، وفي ضميرها، وفي البنية العميقة لشخصياتنا..هناك توجهاً شديداً إلى التساؤل عن:
كيف ننجح ، وكيف نتفوق..وكيف.. وكيف..؟؟؟
وفكرة الصلاح ،وفكرة الفلاح ،صارت تتراجع الآن لدى كثير من الناس.

وإذا أردت أن تعرف وضع مجتمع فانظر بأي شيء يتحدث الناس في مجالس سمرهم، لأن الحديث في مجالس السمر يشكل همومهم،يشكل رغباتهم،يشكل تطلعاتهم.. ومعظم حديث الناس:فلان ربح كذا..وفلان- ما شاء الله-طبيب ممتاز..وفلان كذا..وفلان كذا...فالحديث كله صار عن قضية النجاح،وهو ليس مرتبطاً بالاستقامة،بل بالقوة...!
هذه الروح التي تسري فينا الآن ،وهي الحرص على النجاح، وإهمال قضية الفلاح والصلاح هي من آثار العولمة،وهي من تسربات الثقافة الغربية على ثقافتنا ،وإلى وعينا..

إن وعي الأمة يُحتل شيئاً فشيئاً بالمفاهيم الغربية التي تُجافي البنية العميقة لثقافتنا الإسلامية.
ويقول الكاتب:وأنا من أكثر من يدعو إلى النجاح ،ومازلت أقول : إن أمة الإسلام بحاجة على أكبر عدد من الناجحين؛ لأنه نتيجة ضمور مفاهيم النجاح الشخصي والعام ،ومفاهيم القوة عبرة عشرة قرون ماضية .. أدى إلى تهميش الأمة وإلى أن تصبح الأمة كلاً مستباحاً للآخرين.. وحصدنا نتائج ذلك،ولاشك،ومازلنا نعاني من ذلك؛ لذلك نحن بحاجة إلى الناجحين.

لكن أريد أن أقول وأؤكد ،وقد ذكرت هذا من قبل وأريد أن أعيده أيضاً مرات عدة:
كل نجاح دنيوي لا يساعدك على الفوز الأخروي هو نجاح مؤقت،ولو تم بطرق مشروعة ..وكل نجاح يتم بطريق غير مشروع هو وهم.
فالذي يجمع ثروة عن طريق الربا..أو عن طريق الرشوة.. أو عن طريق مخالفة النظم السارية والمعتمدة..أو عن طريق الخداع ..أو عن طريق الغش ..أو عن طريق الكذب...كأنه يجمع حطباً ليحرق نفسه بناره، وهو نجاح وهمي،وليس حقيقياً..
والنجاح _كما ذكرت _الذي يتم بطريقة مشروعة إذا لم يساعدك على الفوز الأخروي هو نجاح مؤقت لن تأخذ منه معك أي شيء أبداً.. وسيبقى هنا في الدنيا..
إذن ..التوازن في هذا الموضوع أن نحقق نجاحاً يقربنا من الله ،وكيف يقربنا على الله..؟؟
الجواب: يقربنا إذا تم بطريقة مشروعة ،وكن فيه نية حسنة.
يقول مثلاً :أجمع المال لأفتح مصنعاً،وإن شاء الله سأشغل في هذا المصنع عشرة من أبناء المسلمين ؛ ليساهموا بدورهم بستر عشر عوائل من عوائل المسلمين،وإن شاء الله سابني بالفائض من هذا المال _بحول الله وطوله –مسجداً أو أساهم مع بعض الأخوة في تأسيس قناة فضائية متزنة..وإن شاء الله لن أخرج الزكاة 2.5% فقط ،بل سأزيد عليها لتصبح 5% بإذن الله؛مابين صدقة ،وزكاة لنفع المسلمين..
هذا النجاح حينما يتحقق،ويتم بنية صالحة، ويتم بطرق مشروعة..هو سبيل إلى التقرب إلى الله..
إذن عندنا الصلاح والفلاح من جهة، وعندنا النجاح والتفوق من جهة أخرى ..وعلينا أن نعود إلى فكرة الصلاح ،وإلى فكرة الفلاح...الطيبة..فكرة ابن الحلال ،والتي بدأ الناس للأسف ينسونها...
يقول لك: فلان يا أخي هو سبع...فلان أسد .. وهو يحضر لقمته من فم الأسد..وهو يدبر حاله ..ولا تخف عليه ..!
نريد أن لا نفقد كلمة (ابن الحلال)، وفكرة الإنسان الطيب، والإنسان الصالح، الخلوق، الأليف، الكريم ..نريد ألا تذهب هذه الصفات بيننا؛ لأنها ماء الحياة .
فيا أيها الحريصون على النجاح لاتنسوا الفلاح ،ولاتنسوا النجاح الذي يوصلكم على الفلاح...
ويا أيها المغرفونفي الأعمال الصالحة ، والمخفقون في دنياهم .اتقوا الله..

من كتاب التوازن في حياة المسلم


للدكتور عبد الكريم بكار





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق