ـ معطيات جودة المعلم :

ـ الإعداد الجيد للمعلم قبل التصدر :
من متطلبات النجاح في الأعمال ، المعرفة والإلمام بتفاصيلها ، وقد جاء في التوجيه القرآني “وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ” (الإسراء ، آية : 36) ، وأشار الزرنوجي (1977 : 101) إلى أن إتقان المعلم لمادته العلمية يمكنه من أداء درسه بنجاح ، وينصح (ابن جماعة ، 1933 : 45) المعلم “بألا يتنصب للتدريس إذا لم يكن أهلاً له ومن تصدر قبل أوانه فقد تصدى لهوانه” .
فالمعلم لا يكون تعليمه جيداً ما لم تكتمل معرفته بمادته التي يدرسها وحتى “يلمّ بطبيعتها ، من حيث محتواها وما تشتمل عليه من تفاصيل وفروع وحتى يكون مستوعباً لا متفهماً لأصولها” (ابن جماعة ، 1933 : 55) ، ومن منطلق الحرص على تطوير برنامج إعداد المعلم ، برز في الآونة الأخيرة اتجاه نحو عدم تعيينه إلا بعد اجتياز فترة امتياز عام ، كما هو الحال في إعداد الأطباء وفي كثير من الدول المتقدمة ، يتم تدريب الخريج على المهارات العملية اللازمة ، لممارسة المهنة ، تحت إشراف أساتذته من ذوي الخبرة العملية العالية ، داخل معاهد وكليات التربية النموذجية (الزواوي ، 2003 : 13) .
وفي دراسة علمية أكد باحثان في هذا المقام على ضرورة التركيز على انتقاء العناصر الجيدة من الطلبة للالتحاق بكليات ومعاهد التربية ، وقد “أكدت بعض الدراسات ، على أنه لم تظهر شروط قبول تتسم بالجدية والحزم فيما يخص الطلبة المراد التحاقهم بكليات التربية وأن معيار الاختيار – غالباً – يكون معدل الدرجات التي يحصل عليها الطالب في العام الأخير من المرحلة الثانوية ” (راشد ، 1996 : 17) .
وإذا كانت كليات التربية لا تشكل عامل جذب للمتميزين من الطلبة الذين يقبلون على التخصصات العملية ذات البريق والمكانة الاجتماعية كالطب والهندسة ، فإن هذا يستلزم العمل على تحسين رواتب المعلمين وتطوير مكانتهم الاجتماعية والإعلاء من شأنهم مما يشكل دافعاً قوياً للطلبة الجدد ، نحو الالتحاق بكليات التربية والتطلع إلى ممارسة مهنة التعليم في المستقبل .

2 ـ اختيار أصحاب الكفاءة وفق معايير محددة :
وينطبق هذا على كل عامل في حقل التعليم ، سواء كان معلماً أو إدارياً تربوياً أو مشرفاً تربوياً ، وقد بين الرسول الأمانة ووضع الرجل في غير مكانه المناسب ، ففي الحديث الشريف “إذا ضيّعت الأمانة فانتظروا الساعة قالوا : وكيف إضاعتها ؟ قال : إذا وسّد الأمر إلى غير أهله” (البخاري ، 1987 ، ج1 : 21) .
فلا يجوز لمن هو في موقع المسئولية ، أن يستجيب للضغوط والمؤثرات غير الموضوعية وهو يقدم على تعيين أحد من العاملين التزاماً بقوله : “من استعمل رجلاً من عصابة وفي تلك العصابة من هو أرضى لله منه ، فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين” (الحاكم ، 1990 ، ج4 : 104) .
فالأصل في الوظائف أن يقدم الأصلح والأكفأ ، وهذا من هدي النبي عليه الصلاة والسلام ، فلم يكن يسند الأعمال إلا لمن يرى فيه القدرة على أدائها بكفاءة ، ولا يعطي المواقع لمن يطلبها ولا يستطيع الوفاء بمتطلباتها ومن الأمثلة قوله عليه الصلاة والسلام لأبي ذر رضي الله عنه “يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليها” (مسلم ، ب.ت ، ج 3 : 1457) .. وجاء في الحديث الشريف “إنا والله لا نولّي هذا العمل أحداً يسأله أو أحداً أحرص عليه” (مسلم ، ب.ت ، ج 6 : 482) .
وفيما يخص تعيين المعلمين، أكّد (ابن جماعة ، 1933 : 85) على ضرورة الاستعانة “بمن كملت أهليته وكان أحسن تعليماً وأجود تفهيماً ” ويلفت (ابن جماعة ، 1933 : 86) انتباهنا إلى أن معيار الصلاح في المعلم ليس بالضرورة ذيوع الشهرة وبعد الصيت فقد يتوفر الصلاح وتتحقق الكفاءة فيمن لم ينل حظه من الشهرة ، فالمعيار هنا تحقيق النفع على أيدي المعلم ويتضح ذلك من خلال قوله – مخاطباً المتعلم – وليحذر (المتعلم) من التقيّد بالمشهورين وترك الأخذ عن الخاملين وغير المشهورين ، فإذا كان الخامل من ترجى بركته، كان النفع به أعم والتحصيل من جهته آثم .
* ـ ويمكن إجمال أبرز معايير الكفاءة في المعلم على النحو التالي :
* أن يكون غزيراً في مادته العلمية ، يعرف ما يعمله أتمّ المعرفة وأعمقها ، لديه إطلاع واسع وله من يوثقه من المشايخ العلماء في عصره (ابن جماعة ، 1933 : 87) .
* أن تتوافر فيه القدرات الذهنية والبدنية التي تتطلبها طبيعة العمل (الهنيدي، 1999 : 100) وينسجم هذا مع قوله تعالى – على لسان نبيه شعيب عليه السلام - : “يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ” (القصص ، آية : 26) فالقوة التي وردت في الآية السابقة ، قوة شاملة في العلم والجسم والتحمل ، بحيث تظهر هذه القوة في سلوك المعلم إذا تكلم كان واثقاً من قوله وإذا اشتغل كان راسخاً في عمله (الحاج محمد ، 1989 : 93) .
* الالتزام الأخلاقي والتحلي بالأدب وحسن الخلق (عبد العال ، 1985 : 1 ، 2) فمع التميز العلمي للمعلم ، لا بد من تميز أخلاقي ، يتمثل في حسن الخلق والتواضع ومجانبة الكبر وسعة الصدر (الآنسي وزميله ، 1989 : 305) ، ويشير (يالجن ، 1991 : 16) إلى الأخلاق الإسلامية مثلت جانباً بارزاً في الشخصية العربية والإسلامية بعد العقيدة ، كما أنها من عوامل تقدم المسلمين في ميادين الحياة وفي مجال الحضارة والإبداعات .
* خشية الله عز وجل والورع والتقوى (الزرنوجي ، 1989 : 119) .
* الاستعداد الفطري لممارسة المهنة ، وأكد على ذلك (ابن خلدون ، ب.ت : 536 ، 537) حيث اشترط ضرورة توفر الاستعداد عند المعلم ليكون معلماً فالتعليم مهنة من جملة المهن والتفنن في العلم والإجادة فيه ملكة خاصة ، تمكن أصحابها من الإحاطة بمبادئ التعلم وقواعده وأساليبه وما لم توجد هذه الملكة ، لا يحصل التفنن والإجادة وهذه الملكة شيء غير الفهم والوعي ، لأن الفهم والوعي ، يشترك فيهما من يحذق المهنة ومن لا يحذقها .
وتروي لنا كتب السيرة ، أنه عندما أسلم وفد ثقيف كتابهم أمّر عليهم عثمان بن أبي العاص وكان من أحدثهم سناً وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : لكنه كان أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن فقال أبو بكر لرسول الله إني قد رأيت هذا الغلام من أحرصهم على التفقه في الدين وتعلم القرآن (ابن هشام ، 1987 ، ج2 : 124) .
ولضمان كفاءة المرشح للعمل في التعليم ، لا بد من اختياره وفحصه بالاعتماد على أدوات تقويم محددة بما فيها إجراء المقابلة الشخصية المباشرة .

3 ـ استدامة النمو المهني لدى العاملين :
التعلم مهنة والعمل المهني بطبيعته يتطلب نمواً مستمراً في ظل التطور العلمي والتقني والزيادة المتراكمة في مجال المعرفة والتغير المستمر في البيئة الاجتماعية (نور الدين، 1992: 29) ويتحقق هذا النمو من خلال ، برامج تدريب متواصلة ، لا تقتصر على الناحية المعرفية والفنية للمعلمين ، بل ينبغي أن تشمل كذلك الجوانب الأخرى من شخصية المعلم – النفسية والاجتماعية لكون مهنة التعليم شاقة ومتعبة ، سرعان ما تؤدي إلى وضع غير متزن لدى المعلمين وتفقدهم الدافعية والرغبة في العمل (Kyriacou, 1987: 146-150) ، وإلى جانب التدريب المستمر للمعلم ، عبر المراكز المخصصة لذلك ، لا بد من الاهتمام بتشجيع النمو المهني الذاتي لديه ذلك أن “التفقه في مجال عمله واجب وفرض عين وهذا يقتضي من العامل متابعة كل جديد في نطاق عمله وصولاً إلى الإتقان والإبداع” (القنجري، 1980 : 95) .
فالمعلم يفترض ألا ينقطع عن التعلم والمداومة على الإطلاع في فروع العلم والمعرفة التي يقوم بتدريسها ويتطلب ذلك منه “دوام الحرص على الازدياد بملازمة الجد والاجتهاد والاشتغال والإشغال قراءة وإقراءً ومطالعة وفكراً وتعليقاً وحفظاً وتصنيفاً وبحثاً ولا يضيّع شيئاً من أوقات عمره في غير ما هو بصدده من العلم إلا بقدر الضرورة” (عبد العال، 1983:118) .

4 ـ التعاون والعمل بروح الفريق :
حث المولى سبحانه وتعالى عباده على التعاون في مجال الخير بقوله : “وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ” (المائدة ، آية : 2) .
فالعمل الجماعي القائم على التعاون بين الأفراد العاملين في المؤسسة التعليمية ، يتيح الفرصة لتفجير المواهب والطاقات الابتكارية كما يسهل عملية تبادل الخبرات ، ويساهم في بلورة رؤية واحدة مشتركة تمثل توجهاً موحداً ، يتحاشى التكرار والتناقض والتضارب ، ويعمل على تحديد المهام والواجبات بدقة وقد عبر عن العمل بروح الفريق الواحد قوله تعالى : “وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ” (الأنفال ، آية : 46) .
ومن النماذج الجلية في تظافر الجهود والتعاون البناء بقصد الإعمار والإصلاح ومواجهة التحديات والأخطار ما جاء في قصة ذي القرنين حينما طلب منه قومه بناء سد بينهم وبين المفسدين في الأرض ، فطلب العون من الله عز وجل ابتداءً ثم طلب منهم العون من أجل تنفيذ المهمة وإتقان العمل وإحكامه ويتضح ذلك من خلال قوله عز وجل : “قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا” (الكهف ، الآية : 94-97) .
ولا يقتصر التعاون بين العاملين ، داخل المؤسسة التعليمية الواحدة ، بل لا بد وأن يمتد إلى المؤسسات الأخرى في البلد الواحد وحتى خارج حدود البلد مع الدول الأخرى ذات التجارب المتقدمة في مجال تجويد وتطوير التعليم ، ويعبر عن هذه الفكرة في اليوم ، ما يسمى بمصطلح التشبيك (Network) وأصل هذه الفكرة والمبدأ، قوله الحديث الشريف : “المؤمن للمؤمن، كالبنيان يشد بعضه بعضاً وشبك بين أصابعه” (البخاري، 1987، ج2 : 863) .

5 ـ التزام مبدأ الشورى وتبادل الرأي :
حث الإسلام على التشاور بين المسلمين ، بما يعود بالمنفعة وتحقيق المصلحة العامة وقد خاطب المولى سبحانه وتعالى نبيه قائلاً “فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ” (آل عمران ، آية : 159) .
وفي موضع آخر من كتابه العزيز وصف المؤمنين بقوله : “وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ” (الشورى، آية: 38)، ويعلق صاحب الظلال على الآية السابقة بقوله : “وكان الله يعلم أن خير وسيلة لتربية الأمة وإعدادها للقيادة الرشيدة، أن تربي بالشورى وأن تدرب على حمل التبعة وأن تخطئ – مهما يكن الخطأ جسيماً وذا نتائج مريرة – لتعرف كيف تصحح خطأها وكيف تحتمل تبعات رأيها وتصرفها، فهي لا تتعلم الصواب إلا إذا زاولت الخطأ” (قطب، 1980، ج1 : 501) .
ومن قبيل الاستشارة لتطوير وتحسين العمل التعليمي ، سؤال أهل الاختصاص والخبرة عملاً بقوله عز وجل : “فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ” (النحل ، آية : 43) ، وفي موضع آخر من كتابه العزيز “وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ” (فاطر ، آية : 14) .
وقد أبدى موسى عليه السلام ، استعداداً قوياً لتعلم واكتساب الخبرة والمهارة الجديدة فجاء على لسانه في محكم التنزيل “هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا” .
وبالإجمال يمكن استثمار المشورة وتبادل الرأي بين فريق العمل في حقل التعليم ، من أجل تطوير العمل ، وإذا ما حدث اختلاف في وجهات النظر ، يمكن الاستفادة منها في حل المشكلات وليس في إنتاج صراعات جديدة أو فتح الآفاق أمام تنافس سلبي مدمّر .

6 ـ استخدام التحفيز :
أقر الإسلام مبدأ التحفيز لمن أحسن العمل ، كما يفهم ذلك من خلال قوله عز وجل : “هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ” (الرحمن ، آية : 60) ، وحذر القرآن الكريم من غمط حق الناس والتنكر لجهودهم “وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ” (الأعراف ، آية : 151) .
وحث الرسول عليه الصلاة والسلام على ذلك فقال : “من صنع إليكم معروفاً فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه” (أبو داود ، ب.ت ، ج2 : 128) .
ويحفز المولى عز وجل عباده المؤمنين على ممارسة العمل الصالح المتقن من خلال بيان ثماره ومردوده في الدنيا والآخرة “مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ” (النحل ، آية : 97) .
ومن الجدير ذكره في هذا المقام ، أن المكافأة إنما تكون على درجة الإتقان ، وليست على نوع العمل وهذا يعني أن تتنوع الكفاءات وتتساوى القيم والمقاييس (الغزالي ، ب.ت : 117 ، 118) ، والتحفيز في المنهج الإسلامي - لكل محسن ومتقن في عمله وأداءه ، كما تبين في الحديث الشريف السابق - نوعان مادي وآخر معنوي ، فالمادي يكون بتقديم المكافأة المالية على قدر الجهد والفعالية والإسهام في إنجاز المطلوب وتحقيق الأهداف المنشودة وتطوير عمل المؤسسة التعليمية ولعل من أكبر المحفزات المعنوية بالنسبة للعامل المؤمن ، اعتقاده الجازم بأن الله سبحانه وتعالى عادلٌ في خلقه وهو الشكور ، وأن سعيه في الخير لا يضيع ولا يكفر ودل على ذلك قوله تعالى : “وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى” (النجم ، الآيات : 39-41) ، وفي موضع آخر من كتابه العزيز “فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ” (الأنبياء ، آية : 94) .
ومن أقوى المحفزات المعنوية لدى الفرد المسلم سعيه إلى إرضاء الله عز وجل والتقرب إليه بالعمل الصالح الخالص والثبات على ذلك ، حتى وإن كان هذا لا يرضي الآخرين .
ومن مظاهر التحفيز المعنوي للعاملين ، توفير مناخ إنساني بينهم ، قائم على الحب والاحترام والتقدير ، بما يشعرهم بالأمن الوظيفي والاستقرار ويشجعهم على بذل مزيد من الجهد والتفاني من أجل تحقيق أعلى درجات الجودة في المنتج وقد خاطب الله عز بقوله : “وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ#61554;وجل نبيه حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ” (آل عمران ، آية : 159) ، وجاء في الهدي النبوي الشريف “إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه” (أبو يعلى ، 1984 ، ج11 : 421) .

7 ـ التقويم المستمر للأداء :
من بدهيات القول ، أن التقويم يعد أداة أساسية في الحكم على نجاح العملية التعليمية وتحديد إذا ما كانت بالفعل حققت الأهداف المنشودة أو قصرت وأخفقت في ذلك ، ويشير بعض الباحثين إلى أننا في حاجة اليوم إلى ثورة شاملة لمراجعة المناهج التعليمية في بلاد المسلمين (الزواوي ، 2003 : 101) .
وأشار (القابسي ، 1990 : 162) إلى أن تقويم المتعلم والتأكد من إتقانه للتعلم في فترات معينة ، هو المؤشر الدال على حسن تعليم المعلم .
وحث (ابن جماعة ، 1933 : 53) المعلم على تقويم طلبته للتأكد من مدى استيعابهم وتحصيلهم في نهاية الدرس وفي ذلك يقول : “فإذا فرغ الشيخ من شرح درسه ، فلا بأس بطرح مسائل تتعلق به على الطلبة ليمتحن بها فهمهم” .
وأكد (ابن جماعة ، 1933 : 54) على تنوع الوسائل المستخدمة لتقويم أداء الطلبة لقوله – مخاطباً المعلم - : و”يطالبهم في أوقات بإعادة محفوظاتهم ويسألهم عما ذكر لهم من مهمات”.
وأياً كان العنصر المراد تقويمه في العملية التعليمية ، سواء تعلق ذلك بمدخلاتها أو بمخرجاتها ، فإن التقويم يحدث بطريقتين ؛ الأولى من خلال الجهة المسئولة والمشرفة على المؤسسة باستخدام وسائل وأدوات مختلفة : اختبارات ، استطلاعات رأي ، الاستعانة بخبراء متخصصين في ضبط الجودة وتقييم أداء المؤسسات التعليمية ، إجراء دراسات علمية ذات طابع تقويمي وتجريبي وغير ذلك مما يمكن تنفيذه عبر وحدة خاصة لضمان الجودة ، يفترض أن تتوافر في كل مؤسسة تعليمية ، وأما النوع الثاني من التقويم فهو الذي يحدث بمبادرة ذاتية من الفرد العامل نفسه، من منطلق إطلاعه على نفسه “بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ” (القيامة ، الآيتان : 14 ، 15)، وقد حث القرآن الكريم على مبدأ التقويم الذاتي “كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا” (الإسراء ، آية : 11) ، فلا بد من نشر ثقافة التقويم الذاتي في مؤسساتنا التعليمية وعلى أولي الأمر المسئولين أن يقدموا من أنفسهم نموذجاً يقتدى به في التقويم الذاتي للأداء ، وقد جاء على لسان الإمام علي رضي الله عنه “ينبغي لمن ولي أمر ، أن يبدأ بتقويم نفسه قبل أن يشرع في تقويم رعيته ، وإلا كان بمنزلة من رام استقامة ظل العود قبل أن يستقيم ذلك العود” (ابن أبي الحديد ، 1987 : 153) .
وحتى يؤتي التقويم – بنوعيه – ثماره الطيبة ، نحتاج إلى ترسيخ أسلوب التفكير الناقد لدى العالمين وهو الذي يحمل صاحبه المسئولية تجاه ما يقوم به من أعمال ويبعده عن الاغترار بالنفس والإعجاب بها “فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى” (النجم ، آية : 32) ، كما أن هذا الاتجاه في التفكير يساعد الإنسان على الاستفادة من أخطاءه وتلافي تكرارها ، وقد جاء في الحديث الشريف “لا يلدغ المؤمن من جحرٍ واحدٍ مرتين” (البخاري ، 1987 ، ج5 : 2271) .





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق