الفشل المدرسي .. ورجل الغد .3

* ـ سببان رئيسيان يحددان قرار التلميذ بالتوقف عن الدراسة :
­- صعوبة التعلم .
­- اضطراب في السلوك .
إنّ معظم الدراسات التي تناولت هذا الجانب من الفشل المدرسي وجدت أن التلاميذ الراغبين في التوقف ، مشاركتهم محدودة في القسم ، اهتمامهم ضعيف بالدراسة ، واجباتهم المنزلية مهملة ، غياباتهم كثيرة ، سلوكهم مرفوض من الأساتذة ومن إدارة المؤسسة ، نتائجهم الدراسية هزيلة ، رغبتهم في الخروج من القسم قوية بسبب الملل الذي ينتابهم .
إن الوسط العائلي شديد الصلة بالنجاح المدرسي ، وكل خلل ينتاب العائلة قد تكون نتائجه مباشرة على التلميذ .. فالمستوى العلمي المحدود للوالدين ، الصراعات داخل البيت، العنف، الطلاق أسباب رئيسية تؤدي إلى الفشل في التحصيل العلمي للتلميذ وبالتالي إلى الانقطاع والتوقف عن الدراسة .
قام بعض الباحثين بتقصي التلاميذ الذين ينتابهم خطر الانقطاع فوجدوا معظمهم من المجموعات التالية :
الذكور أكثر عرضة من الإناث ـ الريف والمناطق النائية يمثلان النسبة الكبيرة للانقطاع الدراسي مقارنة بالمناطق الحضرية ـ معاناة الأسر من التهميش والفقر ـ كثرة العيال ـ المستوى الدراسي المحدود للوالدين ـ معاناة التعليم العام من هذه الظاهرة أكثر من التعليم الخاص ـ الانقطاع عن الدراسة وليد أزمة القيم ـ انهيار الأسرة والأزمة الاقتصادية ـ تفاوت المدارس والثانويات من حيث نسبة المنقطعين، مما يوحي بعمل بعض الثانويات وتقاعس البعض الآخر .

ـ أرجع بعض الباحثين أسباب الانقطاع عن الدراسة إلى :
1. الرغبة في التوقف والانقطاع عن الدراسة .
2. الرغبة في العمل .
3. البلادة وعدم القدرة على الأعمال الفكرية .
سنحاول تحليل هذه الأسباب وتوضيح بعض ما يكتنفها من غموض ، فالرغبة في الانقطاع دون مبرر يجعل الكلمة فضفاضة تحتمل أكثر من معنى .. وكذلك الرغبة في العمل دون سبب مقبول .
لعل التحصيل الدراسي الهزيل هو السبب الرئيسي للانقطاع الدراسي، إلا أن التلاميذ يحاولون التملص من تبعات الفشل، وبالتالي يبررون سلوكهم وانقطاعهم عن الدراسة .. لا يعترف الطالب بضعفه ولا بفشله ، كل ما في الأمر يرجعه إلى ظروف دفعته إلى الخروج المبكر من المدرسة أو الثانوية .
إعادة السنة فرصة للتلميذ لدراسة البرنامج من جديد إلا أنها كثيرا ما تعطي نتائج سلبية ، فتدفع بالطالب إلى التوقف عن الدراسة .
العامل السوسيو اقتصادي ، فالأسر التي تعاني من الفقر والحرمان تدفع أبناءها إلى العمل لتقديم يد المساعدة لها ، وكذلك العائلات المحرومة من الثقافة والتعليم ، إهمالها وتقاعسها في تربية الأبناء يشجع هؤلاء على التوقف والانقطاع .
وكذلك العائلات التي تعاني من الطلاق والأمراض الوراثية ، كثيرا ما تكون عرضة للانقطاع عن الدراسة .
هذه العوامل الأساسية تضاف إليها عوامل أخرى خاصة مثل القيم التي تحاول المدرسة نشرها في أوساط التلاميذ تناسب فئة الإناث أكثر من فئة الذكور ... فالنظام ، الهدوء ، الاستماع، الانضباط.. كلها قيم كثيرا ما يتمرد عليها الذكور وبالتالي تترتب عليها اضطرابات في السلوك .
من خلال هذه الأسباب يتضح دور الأسرة والمدرسة جليا ، فالرغبة في الانقطاع عن الدراسة دون مبرر واضح، تتحمل تبعاته المدرسة ، لأنها لم توفر للتلميذ الجو الملائم للتعليم ، ولم تسع إلى معرفة مشاكله الاجتماعية والتربوية ، ولم تقدم له يد المساعدة لتخطي العراقيل التي تنتابه ولا يقوى على تجاوزها .
كذلك يظهر دور الأسرة في عدم متابعتها لنشاط هذا التلميذ داخل المدرسة وعدم اقترابها منها وإيصال جسر المودة والتعارف بينهما خدمة للتلميذ ... إلى جانب الأسباب الاقتصادية التي تعاني منها الأسرة كالفقر والحاجة فتشجع الطفل على العمل بدل الدراسة ، وهذا ما يقع في كثير من دول العالم .
الفشل يتيم الأبويين ، كما يقول المثل ... لا أحد من الناس يملك الشجاعة فيتبناه ... ناهيك عن الفشل المدرسي الذي تحاول المدرسة من جهة والأسرة من جهة أخرى التنصل من تبعاته ولو إلى حين ... لأن الفاعلين الرئيسيين في خصام عنيد ، لم يجلسا إلى طاولة واحدة فيتحاورا، ويأخذ كل ذي حق حقه، ويتحمل كل ذي مسؤولية مسؤوليته .
يرى لويس باستور أن الجسم إذا خلّص من جميع الميكروبات والجراثيم ، أصبح سليما معافى، وأصبحت جميع أعضائه تشتغل على ما يرام. يضيف كلود برنار الأهم هو ملاحظة هذا الجسم ومراقبته عندما يشتغل على هذه الصورة الجيدة .
كذلك هي علوم التربية التي من أولوياتها البحث عن أحسن الظروف الملائمة للتعليم وأنجع الطرق والوسائل التربوية لصناعة رجل الغد .
ولكن ، إن كانت المدرسة تعاني من أسباب الفشل والتسرب المدرسي ، والأسرة تتقاعس في تحمل رسالتها تجاه أبنائها وبناتها، أيكون لما توصلت إليه أرقى النظريات التربوية فائدة ترجى ؟!
مهما يكن فالتلميذ الذي يفشل في دراسته سيفشل ـ عموما ـ في حياته المستقبلية ، وإذا سلمنا بسلامة الفكرة وصوابها فإن المدرسة والأسرة ينتجان الفاشلين في حياتهم أكثر من الناجحين ؟!
إنّ المقام لا يليق للبكاء ولا للعويل بقدر ما يليق بمحاولة تفهم هذه الظاهرة وتقديم الحلول الناجعة لها .





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق