أخلاقيات الدفاع عن النفس عند الفلسطينيين

ثقافة عامة

الفهم الأساسي لأي وضع يعتمد على تحديد البيئة المحيطة بهذا الوضع ومن صاحب القوة فيه. إذا اقتحم شخص ما منزلنا ليسرق شيئاً ما، سنعتبر أنه من حقنا استخدام القوة لوقفه، هذا الموقف يستدعي لجوءنا للعنف، ومن دون وجود هذا المحيط لذلك الموقف لا يعتبر بعض الناس أن سلوكنا ذلك كان عدائيا، وكمثال على ذلك: إذا استخدمنا القوة لمنع شخص من التجول في الشارع فسنعتبر أننا المهاجمون.
إذًا فربط الموقف بالبيئة التي تحيط به هو مفتاح فهم استخدام القوة كحق ووسيلة دفاع.
لسوء الحظ غالبا ما تحكى لنا قصص دون توضيح بيئة القصة، أو يعطوننا بيئة تم اختيارها لتناسب اهتمامات شخص آخر. القضية العربية الإسرائيلية مثال جيد عن الذي يتصرف بشكل دفاعي؛ ما البيئة التي بدأ فيها العداء، مَن تعمد إيذاء مَن؟ ومن الذين لهم الحق في الدفاع عن أنفسهم؟ هذه هي الأسئلة التي لم تطرح أبداً في التقارير الإخبارية، ولكنها خطيرة في تحديد أسئلة الدفاع النفس.

**نموذج إسرائيل***
أوجدت دولة إسرائيل أساساً لكي يسكنها اليهود وغير اليهود على السواء، يعيشون جنباً إلى جنب حتى تقرر هيئة الأمم المتحدة تقسيم أرضهم إلى ولايات يهودية وولايات غير يهودية، غير اليهود عارضوا ذلك التغيير، تماما مثلما سيعارض أي شخص منا من يريد أن يقتسم معه بيته، وبسبب عرقنا أو ديننا نجبر على ترك منازلنا، والنتيجة حرب تريد بها الدولة أن تشكل أغلبية يهودية بالإجبار مثل تهجير الكثير من غير اليهود في الدولة بقدر الإمكان، وإسرائيل تشير إلى هذه الحرب على أنها ( حرب استقلال ) .
لم تكن تلك النهاية، فبعد حرب 1967 طالبت إسرائيل بالأرض التي استولت عليها أثناء الحرب. مرة أخرى أرادوا الأرض في الضفة الغربية وغزة كجزء من إسرائيل، ولكن غير اليهود يعيشون هناك، وهذا جعل إسرائيل في متاهة، ماذا سيفعلون بالملايين من غير اليهود، والذين تشير إليهم بـ (الفلسطينيين)، الذين هم في الحقيقة السكان الأصليون لفلسطين؟.
في الحقيقة، كل اليهود الذين كانوا في الأصل سكانا لفلسطين أصبحوا على الفور من الشعب الإسرائيلي، لقد تم إجبار غير اليهود فقط في فلسطين على ترك أرضهم والتنكر لوطنيتهم والتي ندعوهم بها ( فلسطينيين ).
أكثر ما نركز عليه في هذه القضية العربية الإسرائيلية اليوم هي الأرض التي احتلتها إسرائيل خلال حرب 1967. معظم الفلسطينيين غير اليهود لا يصرون على إعادة تشكيل الحدود على مثل ما كانت عليه قبل حرب 1967 فعرضوا حلاً لإعادة رسم حدود دولة إسرائيل خلال حرب 1967 إلى جانب دولة فلسطينية للفلسطينيين غير اليهود.
إحدى أكثر المواضيع المثيرة للجدل تربط مرة أخرى برغبة إسرائيل في الوصول إلى أغلبية يهودية من أجل أن تحكم إسرائيل على أنها دولة يهودية لا يمكنها أن تسمح للفلسطينيين غير اليهود الذين شردوا من منازلهم بأن يعودوا إلى أسرهم، حتى الإصرار على عودة أولئك الفلسطينيين غير اليهود هو أساساً ما ينظر إليه الفلسطينيون على أنه خيط تلك القضية ..، وأنهم اضطهدوا بسبب عرقيتهم .
التمييز بسبب العرقية لا يعرض القضية بوضوح أبداً ولا يفسرها أمام الجمهور الغربي، كانت إسرائيل دائما أساسا لاهتمامات الغرب بالسياسة الجغرافية، وطالما تُمد الولايات المتحدة إسرائيل بالإعانات العسكرية أكثر من أي دولة أخرى في العالم، والنتيجة أيضا اختلال التوازن بين البيئة وآثار القوة، فسيؤخذان في الاعتبار عند شرح المشكلة.
فلنستخدم قياس التشابه مرة أخرى: فعندما يقتحم رجل منزلاً، ويكون الزوج موجوداً فيمكن أن يقيده بدون استخدام السلاح، أما إذا كانت المرأة في المنزل وحدها فلن تستخدم قوتها الجسدية لتقيد ذلك الرجل، وسوف تلجأ إلى وسائل أكثر عنفا كاستخدام السلاح الذي سيجرح اللص. هل ما نزال نعتبر هذا دفاعاً عن النفس؟ بالطبع سنفعل لأن هذا الرجل اختار أن يقتحم منزلنا .
المنطلق نفسه سيطبق على دولة لديها قوة عسكرية ضخمة تريد أن تنهب شعباً ضعيفاً لا يستطيع أن يساعد نفسه، مرة أخرى القضية الإسرائيلية الفلسطينية مثال جيد، إسرائيل لديها إحدى أقوى القوى العسكرية في العالم، والتي تمد أساساً من الولايات المتحدة , الفلسطينيون ليس لديهم قوة عسكرية في الحقيقة اعتماداً على اتفاق موقع عليه، فالشعب الفلسطيني لم يسمح له أن يحمل السلاح ليدافع عن نفسه.

**هل هذا دفاع عن النفس .. أم إرهاب؟***
لذا ما الذي يحدث عندما تتصرف إسرائيل بأسلوب يجبر الفلسطينيين للدفاع عن أنفسهم؟ وكما رأينا فمنذ البداية تكونت دولة إسرائيل أساساً على مبدأ سرقة الأرض من أصحابها. إسرائيل كانت أقوى فلم يستطع الفلسطينيون تصويب ذلك الخطأ بالقوة أيضاًَ.
ثم في عام 1967 احتلت إسرائيل مزيدًا من الأرض كان يعيش فيها الفلسطينيون المشردون، حاول الفلسطينيون مرة أخرى الدفاع عن أنفسهم، ولكن إسرائيل نجحت في تقييدهم عن طريق الاحتلال الوحشي . فقط (التفجير الاستشهادي) المتواصل استطاع أن يعاقب إسرائيل على أسلوبها الثاني في الاحتلال.
بعد ذلك تأتي عملية أوسلو للسلام، وقَّعت الجهتان الاتفاق، ولكن إسرائيل استمرت في سرقة الأرض لبناء مستعمرات يهودية في غزة والضفة الغربية، مرة أخرى ليس لدى الفلسطينيين طريق للدفاع عن أنفسهم. المدنيون لم يسمح لهم حتى بحمل السلاح التزاماً باتفاقية أوسلو، بعض الفلسطينيين حاولوا الهجوم بالتفجيرات الاستشهادية ولكن لقبوا “بإلإرهابيين”، والولايات المتحدة وإسرائيل أصروا على اعتقادهم، وتحت الإصرار استجابت لهما السلطة الفلسطينية.

**هل سلوك أولئك الذين يفجرون أنفسهم يعد دفاعا عن النفس ؟***
بالنظر إلى البيئة التي تحيط بهم وبقضيتهم، سندرك جيداً أنه لديهم الحق ليتصرفوا في موقف الدفاع عن النفس، ماذا عن التفجير الانتحاري ضد المدنيين الإسرائيليين؟ هل يعد ذلك دفاعاً عن النفس؟
من أجل الإجابة على ذلك السؤال يجب أن نرى كيف أن تفاوت القوى يؤثر على ما تستطيع جهة أن تفعله تجاه جهة أخرى كما ذكر سابقاً، أنشأت إسرائيل مستعمرات يهودية في جميع الضفة الغربية التي يحرسونها بمراكز تفتيش عسكرية .
الفلسطينيون لا يستطيعون أن يتنقلوا من مدينة إلى أخرى دون الانتظار في صف طويل لعدة ساعات، فقط ليقابلهم جنود إسرائيليون مسلحون يمكنهم أن يطلبوا منهم أي شيء: هل يمكن تخيل كيف يمكن أخذ طفل مريض إلى المستشفى وأنت مطالب بالانتظار في إحدى تلك الصفوف؟ هل يمكن تخيل كيف ستذهب للعمل؟
والآن فانظر إلى الحياة في الدولة الإسرائيلية، لا يوجد هناك أي فلسطيني مسلم يعوق المرور في الشوارع، ويطلب من الإسرائيليين إبراز الأوراق / الهوية / لكي يتمكنوا من المرور . المدنيون الإسرائيليون يستطيعون التجول بحرية من وإلى العمل أو من وإلى المستشفى .
وفي الأخير لا بد أن يسبب الإحباط التفجيرات، وحتى نماذج أكثر دراماتيكية للتفاوت في ميزان القوى، عندما تقرر إسرائيل أنه من الضروري الدفاع عن نفسها، ويمكن أن تأخذ قوتها العسكرية التي تكلف بليون دولار وتغزو المدن الفلسطينية وتلقي القبض على أي شخص تشك بأنه مشتبه به، في الحقيقة إسرائيل تعتقل آلاف الفلسطينيين في سجون المخيمات .
هل يستطيع الفلسطينيون غير المسلحين أن يغزوا إسرائيل ويعتقلوا الناس الذين يشعرون بأنهم يهددونهم ؟ فلنجب بكل بساطة وصراحة على هذا السؤال بقولنا إنه ليس هناك أي جندي إسرائيلي أو مستوطن في السجون الفلسطينية .
لذا فالفلسطينيون يشبهون المرأة الوحيدة في المنزل والتي ليس لديها زوج ليقيد المهاجم بقوته الجسدية، ما هي الوسيلة التي تبقي للفلسطينيين للدفاع عن أنفسهم ؟ مرة أخرى المدنيون يمنعون من حمل السلاح لذا يستخدمون أجسادهم كبديل للسلاح - كقنابل لتفجير الأهداف المقصودة، ومرة أخرى بسبب التفاوت في القوى فإنهم لا يستطيعون أن يفجروا موقع مقر قوات الدفاع الإسرائيلية؛ لذا فهم يضربون من هو إلى جانب إسرائيل ومن يستطيعون الوصول إليه .
أحيانا هذه الأهداف تكون الجنود الذين يقفون عند نقاط التفتيش ويسومونهم سوء العذاب، وأحيانا تكون من الشعب الإسرائيلي الذي يشاهدونه يتجول بحرية، في حين أن حياتهم (الفلسطينيين) قد دمرت بالقوات العسكرية الإسرائيلية.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق