الفرق بين الإيمان والإسلام

فتاوى ابن تيمية

اعلم أن ‏[‏الإيمان‏]‏ و‏[‏الإسلام‏]‏ يجتمع فيهما الدين كله، وقد كثر كلام الناس في ‏[‏حقيقة الإيمان والإسلام‏]‏، ونزاعهم،واضطرابهم‏.‏وقد صنفت في ذلك مجلدات، والنزاع في ذلك من حين خرجت الخوارج بين عامة الطوائف‏.‏
ونحن نذكر ما يستفاد من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، مع ما يستفاد من كلام اللّه تعالى فيصل المؤمن إلى ذلك من نفس كلام اللّه ورسوله، فإن هذا هو المقصود‏.‏ فلا نذكر اختلاف الناس ابتداء، بل نذكر من ذلك في ضمن بيان ما يستفاد من كلام اللّه ورسوله ما يبين أن رد موارد النزاع إلى اللّه وإلى الرسول خير وأحسن تأويلا، وأحسن عاقبة في الدنيا والآخرة‏.‏
فنقول‏:‏ قد فرق النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل عليه السلام بين مسمى ‏[‏الإسلام‏]‏ ومسمى ‏[‏الإيمان‏]‏ ومسمى ‏[‏الإحسان‏]‏‏.‏ فقال‏:‏‏(‏الإسلام‏:‏ أن تشهد أن لا إله إلا اللّه، وأن محمداً رسول اللّه، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا‏)‏‏.‏
وقال‏:‏‏(‏الإيمان‏:‏ أن تؤمن باللّه، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره‏)‏‏.‏
والفرق مذكور في حديث عمر الذي انفرد به مسلم، وفي حديث أبي هريرة الذي اتفق البخاري ومسلم عليه، وكلاهما فيه‏:‏ أن جبرائيل جاءه في صورة إنسان أعرابي فسأله‏.‏ وفي حديث عمر‏:‏ أنه جاءه في صورة أعرابي‏.‏
وكذلك فسر ‏[‏الإسلام‏]‏ في حديث ابن عمر المشهور، قال‏:‏ ‏(‏بني الإسلام على خمس‏:‏شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمداً عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة،وحج البيت، وصوم رمضان‏)‏‏.‏
وحديث جبرائيل يبين أن الإسلام المبني على خمس هو الإسلام نفسهليس المبني غير المبني عليه، بل جعل النبي صلى الله عليه وسلم الدين ثلاث درجات أعلاها‏:‏الإحسان، وأوسطها‏:‏ الإيمان، ويليه‏:‏الإسلام، فكل محسن مؤمن،وكل مؤمن مسلم،وليس كل مؤمن محسناً،ولا كل مسلم مؤمنا، كما سيأتي بيانه إن شاء اللّه في سائر الأحاديث،كالحديث الذي رواه حماد بن زيد،عن أيوب،عن أبي قلابة، عن رجل من أهل الشام،عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال له‏:‏‏(‏أسلم تسلم‏)‏‏.‏قال‏:‏وما الإسلام‏؟‏ قال‏:‏‏(‏أن تسلم قلبك للّه،وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك‏)‏‏.‏قال‏:‏فأي الإسلام أفضل‏؟‏ قال‏:‏‏(‏الإيمان‏)‏‏.‏ قال‏:‏ وما الإيمان ‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أن تؤمن باللّه وملائكته، وكتبه ورسله، وبالبعث بعد الموت‏)‏‏.‏ قال‏:‏ فأي الإيمان أفضل‏؟‏ قال‏:‏‏(‏الهجرة‏)‏‏.‏قال‏:‏وما الهجرة‏؟‏قال‏:‏‏(‏أن تهجر السوء‏)‏‏.‏قال‏:‏فأي الهجرة أفضل‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏الجهاد‏)‏‏.‏قال‏:‏وما الجهاد‏؟‏ قال‏:‏‏(‏أن تجاهد،أو تقاتل الكفار إذا لقيتهم،ولا تَغْلُل،ولا تَجْبُن‏)‏‏.‏ ثم قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏عملان هما أفضل الأعمال، إلا من عمل بمثلهما قالها ثلاثا حجة مبرورة، أو عمرة‏)‏ رواه أحمد، ومحمد بن نصر المروزي‏.‏
ولهذا يذكر هذه ‏(‏المراتب الأربعة‏)‏ فيقول‏:‏ ‏(‏المسلم من سَلِم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، والمهاجر من هجر السيئات، والمجاهد من جاهد نفسه للّه‏)‏‏.‏ وهذا مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عبد اللّه بن عمرو،وفَضَالة بن عبيد وغيرهما بإسناد جيد، وهو في السنن، وبعضه في الصحيحين‏.‏ وقد ثبت عنه من غير وجه أنه قال‏:‏‏(‏المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم‏)‏‏.‏ومعلوم أن من كان مأموناً على الدماء والأموال؛ كان المسلمون يسلمون من لسانه ويده،ولولا سلامتهم منه لما ائتمنوه‏.‏وكذلك في حديث عبيد بن عمير، عن عمرو بن عَبَسة‏.‏
وفي حديث عبد اللّه بن عبيد بن عمير أيضاً عن أبيه،عن جده؛ أنه قيل لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما الإسلام‏؟‏ قال‏:‏‏(‏إطعام الطعام، وطِيبُ الكلام‏)‏‏.‏ قيل‏:‏ فما الإيمان‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏السَّمَاحة والصبر‏)‏‏.‏ قيل‏:‏ فمن أفضل المسلمين إسلاماً‏؟‏ قال‏:‏‏(‏من سَلِم المسلمون من لسانه ويده‏)‏‏.‏قيل‏:‏ فمن أفضل المؤمنين إيمانًا‏؟‏ قال‏:‏‏(‏أحسنهم خُلُقاً‏)‏‏.‏ قيل‏:‏ فما أفضل الهجرة‏؟‏ قال‏:‏‏(‏من هَجَر ما حَرَّم اللّه عليه‏)‏‏.‏ قال‏:‏أي الصلاة أفضل‏؟‏ قال‏:‏‏(‏طول القُنُوت‏)‏‏.‏ قال‏:‏أي الصدقة أفضل‏؟‏ قال‏:‏‏(‏جُهْد مُقل‏)‏‏.‏ قال‏:‏ أي الجهاد أفضل‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أن تجاهد بمالك ونفسك،فيُعَقْرُ جَوَادُك، ويُراق دَمُك‏)‏‏.‏ قال أي الساعات أفضل‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏جَوْف الليل الغَابِر‏)‏‏.‏
ومعلوم أن هذا كله مراتب، بعضها فوق بعض، وإلا فالمهاجر لابد أن يكون مؤمناً، وكذلك المجاهد؛ ولهذا قال‏:‏‏(‏الإيمان‏:‏ السماحة والصبر‏)‏، وقال في الإسلام‏:‏ ‏(‏إطعام الطعام، وطيب الكلام‏)‏‏.‏والأول مستلزم للثاني؛ فإن من كان خلقه السماحة، فعل هذا بخلاف الأول؛ فإن الإنسان قد يفعل ذلك تَخَلُّقاً،ولا يكون في خلقه سماحة وصبر‏.‏ وكذلك قال‏:‏‏(‏أفضل المسلمين من سلم المسلمون من لسانه ويده‏)‏‏.‏وقال‏:‏‏(‏أفضل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً‏)‏ ،ومعلوم أن هذا يتضمن الأول؛ فمن كان حسن الخلق فعل ذلك‏.‏
قيل للحسن البصري‏:‏ما حُسْن الخلق‏؟‏ قال‏:‏ بَذْل النَّدَى، وكَفُّ الأذى،وطلاقة الوجه‏.‏ فكف الأذى جزء من حسن الخلق‏.‏
وستأتي الأحاديث الصحيحة بأنه جعل الأعمال الظاهرة من الإيمان كقوله‏:‏‏(‏الإيمان بِضْعٌ وسبعون شُعْبَة، أعلاها قول لا إله إلا اللّه، وأدناها إمَاطَة الأذى عن الطريق‏)‏‏.‏ وقوله لوَفْد عبد القَيْس‏:‏‏(‏آمركم باللّه وحده،أتدرون ما الإيمان باللّه وحده‏؟‏شهادة أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له،وإقام الصلاة،وإيتاء الزكاة،وأن تؤدوا خُمُسَ ما غَنِمْتُم‏)‏‏.‏
ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال تكون إيمانًا باللّه بدون إيمان القلب؛ لما قد أخبر في غير موضع، أنه لابد من إيمان القلب، فعلم أن هذه مع إيمان القلب هو الإيمان، وفي المسند عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏الإسلام عَلاَنِيَة، والإيمان في القلب‏)‏‏.‏ وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏‏(‏إن في الجسد مُضْغَة، إذا صَلُحَت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد،ألا وهي القلب‏)‏‏.‏ فمن صلح قلبه صلح جسده قطعاً، بخلاف العكس‏.‏
وقال سفيان بن عُيَيْنَة‏:‏ كان العلماء فيما مَضى يكتب بعضهم إلى بعض بهؤلاء الكلمات‏:‏ من أصلح سَرِيرَته،أصلح اللّه علانيته، ومن أصلح ما بينه وبين اللّه، أصلح اللّه ما بينه وبين الناس، ومن عمل لآخرته، كَفَاه اللّه أمر دنياه‏.‏ رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ‏[‏الإخلاص‏]‏‏.‏
فعلم أن القلب إذا صلح بالإيمان، صلح الجسد بالإسلام، وهو من الإيمان؛ يدل على ذلك أنه قال في حديث جبرائيل‏:‏‏(‏هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم‏)‏‏.‏فجعل الدين هو الإسلام،والإيمان،والإحسان‏.‏فتبين أن ديننا يجمع الثلاثة، لكن هو درجات ثلاث‏:‏ مسلم ثم مؤمن ثم محسن،كما قال تعالى‏:‏‏{‏ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏32‏]‏، والمقتصد والسابق كلاهما يدخل الجنة بلا عقوبة، بخلاف الظالم لنفسه‏.‏وهكذا من أتى بالإسلام الظاهر مع تصديق القلب،لكن لم يقم بما يجب عليه من الإيمان الباطن،فإنه معرض للوعيد،كما سيأتي بيانه إن شاء اللّه‏.‏
وأما ‏[‏الإحسان‏]‏ فهو أعم من جهة نفسه، وأخص من جهة أصحابه من الإيمان‏.‏ و‏[‏الإيمان‏]‏أعم من جهة نفسه،وأخص من جهة أصحابه من الإسلام‏.‏فالإحسان يدخل فيه الإيمان، والإيمان يدخل فيه الإسلام،والمحسنون أخص من المؤمنين،والمؤمنون أخص من المسلمين‏.‏ وهذا كما يقال‏:‏ في ‏[‏الرسالة والنبوة‏]‏، فالنبوة داخلة في الرسالة، والرسالة أعم من جهة نفسها،وأخص من جهة أهلها؛فكل رسول نبي،وليس كل نبي رسولاً، فالأنبياء أعم، والنبوة نفسها جزء من الرسالة، فالرسالة تتناول النبوة وغيرها بخلاف النبوة؛ فإنها لا تتناول الرسالة‏.‏
والنبي صلى الله عليه وسلم فسر ‏[‏الإسلام والإيمان‏]‏ بما أجاب به، كما يجاب عن المحدود بالحد،إذا قيل‏:‏ما كذا‏؟‏ قيل‏:‏ كذا، وكذا‏.‏ كما في الحديث الصحيح، لما قيل‏:‏ ما الغِيبَة‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏ذِكْرُك أخاك بما يَكْرَه‏)‏‏.‏ وفي الحديث الآخر‏:‏‏(‏الكِبْر بَطَر الحق،وغَمْط الناس‏)‏‏.‏ وبَطَر الحق‏:‏ جحده ودفعه‏.‏ وغَمْط الناس‏:‏ احتقارهم وازدراؤهم‏.‏
وسنذكر إن شاء اللّه تعالى سبب تنوع أجوبته، وإنها كلها حق‏.‏
ولكن المقصود أن قوله‏:‏‏(‏بُنِي الإسلام على خمس‏)‏، كقوله‏:‏‏(‏الإسلام هو الخمس‏)‏ كما ذكر في حديث جبرائيل؛ فإن الأمر مركب من أجزاء، تكون الهيئة الاجتماعية فيه مبنية على تلك الأجزاء ومركبة منها؛ فالإسلام مبني على هذه الأركان وسنبين إن شاء اللّه اختصاص هذه الخمس بكونها هي الإسلام، وعليها بني الإسلام، ولم خصت بذلك دون غيرها من الواجبات‏؟‏
وقد فسر‏[‏الإيمان‏]‏ في حديث وَفْد عبد القيس بما فسر به الإسلام هنا، لكنه لم يذكر فيه الحج، وهو متفق عليه، فقال‏:‏‏(‏آمركم بالإيمان باللّه وحده، هل تدرون ما الإيمان باللّه وحده‏؟‏‏)‏ قالوا‏:‏ اللّه ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمداً رسول اللّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم أو خمساً من المغنم‏)‏‏.‏
وقد روى في بعض طرقه‏:‏‏(‏الإيمان باللّه، وشهادة أن لا إله إلا اللّه‏)‏‏.‏
لكن الأول أشهر‏.‏وفي رواية أبي سعيد‏:‏‏(‏آمركم بأربع،وأنهاكم عن أربع‏:‏ اعبدوا اللّه ولا تشركوا به شيئاً‏)‏، وقد فسر في حديث شعب الإيمان الإيمان بهذا وبغيره، فقال‏:‏‏(‏الإيمان بِضْعٌ وستون أو بضع وسبعون شعبة،أفضلها قول لا إله إلا اللّه، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شُعْبَة من الإيمان‏)‏‏.‏
وثبت عنه من وجوه متعددة أنه قال‏:‏‏(‏الحياء شعبة من الإيمان‏)‏ من حديث ابن عمر، وابن مسعود، وعمران بن حُصَين،وقال أيضاً‏:‏ ‏(‏لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين‏)‏،وقال‏:‏‏(‏لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه‏)‏، وقال‏:‏‏(‏واللّه لا يؤمن، واللّه لا يؤمن، واللّه لا يؤمن‏)‏‏.‏ قيل‏:‏ من يا رسول اللّه‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏الذي لا يأمن جاره بوائقه‏)‏، وقال‏:‏‏(‏من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان‏)‏‏.‏ وقال‏:‏‏(‏ما بعث اللّه من نبي إلا كان في أمته قوم يهتدون بهديه، ويَسْتَنُّون بسُنَّتِه‏.‏ ثم إنه يخلف من بعدهم خُلُوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حَبَّة خَرْدَل‏)‏،وهذا من أفراد مسلم‏.‏
وكذلك في أفراد مسلم قوله‏:‏ ‏(‏والذي نفسي بيده، لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تَحَابُّوا،أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم‏؟‏أفشوا السلام بينكم‏)‏، وقال في الحديث المتفق عليه من رواية أبي هريرة، ورواه البخاري من حديث ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏‏(‏لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يَنْتَهِبُ النُّهْبَة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن‏)‏‏.‏
فيقال‏:‏اسم ‏[‏الإيمان‏]‏ تارة يذكر مفرداً غير مقرون باسم الإسلام،ولا باسم العمل الصالح،ولا غيرها، وتارة يذكر مقروناً، إما بالإسلام،كقوله في حديث جبرائيل‏:‏ ‏(‏ما الإسلام وما الإيمان‏؟‏‏)‏،وكقوله تعالى‏:‏‏{‏ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ِ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏35‏]‏،وقوله عز وجل‏:‏‏{‏ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏14‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ ‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏35، 36‏]‏‏.‏
وكذلك ذكر الإيمان مع العمل الصالح، وذلك في مواضع من القرآن، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ‏}‏‏[‏البينة‏:‏7‏]‏، وإما مقروناً بالذين أوتوا العلم، كقوله تعالى‏:‏‏{‏ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ ‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏56‏]‏،وقوله‏:‏‏{‏ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏11‏]‏‏.‏ وحيث ذكر الذين آمنوا فقد دخل فيهم الذين أوتوا العلم؛ فإنهم خيارهم، قال تعالى‏:‏‏{‏ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏7‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏162‏]‏‏.‏
ويذكر أيضًا لفظ المؤمنين مقروناً بالذين هادوا والنصارى والصابئين،ثم يقول‏:‏ ‏{‏مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏62‏]‏، فالمؤمنون في ابتداء الخطاب غير الثلاثة، والإيمان الآخر عَمَّهُم؛ كما عَمَّهُم في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ‏}‏ وسنبسط هذا إن شاء اللّه تعالى‏.‏
فالمقصود هنا العموم والخصوص بالنسبة إلى ما في الباطن والظاهر من الإيمان‏.‏ وأما العموم بالنسبة إلى الملل، فتلك مسألة أخرى‏.‏ فلما ذكر الإيمان مع الإسلام، جعل الإسلام هو الأعمال الظاهرة‏:‏ الشهادتان، والصلاة، والزكاة،والصيام، والحج‏.‏ وجعل الإيمان ما في القلب من الإيمان باللّه، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر‏.‏ وهكذا في الحديث الذي رواه أحمد، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏‏(‏الإسلام علانية، والإيمان في القلب‏)‏‏.‏
وإذا ذكر اسم الإيمان مجرداً، دخل فيه الإسلام والأعمال الصالحة،كقوله في حديث الشعب‏:‏‏(‏الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها‏:‏ قول لا إله إلا اللّه، وأدناها‏:‏ إماطة الأذى عن الطريق‏)‏‏.‏ وكذلك سائر الأحاديث التي يجعل فيها أعمال البر من الإيمان‏.‏
ثم إن نفي ‏[‏الإيمان‏]‏ عند عدمها،دل على أنها واجبة، وإن ذكر فضل إيمان صاحبها ولم ينف إيمانه دل على أنها مستحبة؛ فإن اللّه ورسوله لا ينفي اسم مسمى أمر أمر اللّه به، ورسوله إلا إذا ترك بعض واجباته،كقوله‏:‏‏(‏لا صلاة إلا بأم القرآن‏)‏، وقوله‏:‏ ‏(‏لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له‏)‏ ونحو ذلك‏.‏
فأما إذا كان الفعل مستحباً في العبادة لم ينفها لانتفاء المستحب، فإن هذا لو جاز، لجاز أن ينفي عن جمهور المؤمنين اسم الإيمان والصلاة والزكاة والحج؛ لأنه ما من عمل إلا وغيره أفضل منه‏.‏ وليس أحد يفعل أفعال البر مثل ما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم؛ بل ولا أبو بكر ولا عمر‏.‏ فلو كان من لم يأت بكمالها المستحب يجوز نفيها عنه، لجاز أن ينفي عن جمهور المسلمين من الأولين والآخرين، وهذا لا يقوله عاقل‏.‏
فمن قال‏:‏ إن المنفي هو الكمال، فإن أراد أنه نفي الكمال الواجب الذي يذم تاركه، ويتعرض للعقوبة، فقد صدق‏.‏ وإن أراد أنه نفي الكمال المستحب،فهذا لم يقع قط في كلام اللّه ورسوله، ولا يجوز أن يقع؛ فإن من فعل الواجب كما وجب عليه، ول





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق