فصل هل ترى المؤمنات الله في الآخرة ‏؟‏

فتاوى ابن تيمية

فصل
المقتضى لكتابة هذا ‏:‏ أن بعض الفقهاء كان قد سألني لأجل نسائه من مدة‏:‏ هل ترى المؤمنات الله في الآخرة ‏؟‏ فأجبت بما حضرني إذ ذاك ‏:‏ من أن الظاهر أنهن يرينه، وذكرت له أنه قد روى أبو بكر عن ابن عباس أنهن يرينه في الأعياد، وأن أحاديث الرؤية تشمل المؤمنين جميعًا من الرجال والنساء، وكذلك كلام العلماء، وأن المعنى يقتضى ذلك حسب التتبع، وما لم يحضرني الساعة‏.‏
وكان قد سنح لي فيما روى عن ابن عباس‏:‏ أن سبب ذلك أن الرؤية المعتادة العامة في الآخرة تكون بحسب الصلوات العامة المعتادة، فلما كان الرجال قد شرع لهم في الدنيا الاجتماع لذكر الله ومناجاته، وترائيه بالقلوب والتنعم بلقائه في الصلاة كل جمعة، جعل لهم في الآخرة اجتماعًا في كل جمعة لمناجاته ومعاينته والتمتع بلقائه‏.‏
ولما كانت السنة قد مضت بأن النساء يؤمرن بالخروج في العيد حتى العواتق والحيض، وكان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج عامة نساء المؤمنين في العيد، جعل عيدهن في الآخرة بالرؤية على مقدار عيدهن في الدنيا‏.‏
وأيد ذلك عندي ما خرجاه في الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلي قال‏:‏ كنا جلوسًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر فقال‏:‏ ‏(‏إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تُضَامُّون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا‏)‏ ثم قرأ ‏:‏‏{‏وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا‏}‏ ‏[‏طه 130‏]‏،وهذا الحديث من أصح الأحاديث على وجه الأرض المتلقاة بالقبول، المجمع عليها عند العلماء بالحديث وسائر أهل السنة‏.‏
ورأيت أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر المؤمنين بأنهم يرون ربهم، وعقبه بقوله‏:‏ ‏(‏فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها فافعلوا‏)‏، ومعلوم أن تعقيب الحكم للوصف، أو الوصف للحكم بحرف الفاء يدل على أن الوصف علة للحكم، لاسيما ومجرد التعقيب هنا محال؛ فإن الرؤية في الحديث قبل التحضيض على الصلاتين وهي موجودة في الآخرة، والتحضيض موجود قبلها في الدنيا‏.‏
والتعقيب الذي يقوله النحويون لا يعنون به ‏:‏ أن اللفظ بالثاني يكون بعد الأول، فإن هذا موجود بالفاء وبدونها وبسائر حروف العطف‏.‏ وإنما يعنون به معنى ‏:‏ أن التلفظ الثاني يكون عقب الأول، فإذا قلت‏:‏ قام زيد، فعمرو أفاد أن قيام عمرو موجود في نفسه عقب قيام زيد، لا أن مجرد تكلم المتكلم بالثاني عقب الأول، وهذا مما هو مستقر عند الفقهاء في أصول الفقه، وهو مفهوم من اللغة العربية إذا قيل‏:‏ هذا رجل صالح فأكرمه، فهم من ذلك أن الصلاح سبب للأمر بإكرامه، حتى لو رأينا بعد ذلك رجلاً صالحًا لقيل كذلك الأمر، وهذا أيضًا رجل صالح أفلا تكرمه‏؟‏ فإن لم يفعل فلابد أن يخلف الحكم لمعارض وإلا عد تناقضًا‏.‏
وكذلك لما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا شيئًا قَدَّمَه، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا شيئًا قَدَّمه، وينظر أمامه فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يتقى النار ولو بشق تمرة فليفعل، فإن لم يستطع فبكلمة طيبة‏)‏ ،فهم منه أن تحضيضه على اتقاء النار هنا لأجل كونهم يستقبلونها وقت ملاقاة الرب، وإن كان لها سبب آخر‏.‏
وكذلك لما قال ابن مسعود‏:‏ سارعوا إلى الجمعة، فإن الله يبرز لأهل الجنة في كل جمعة في كَثِيبٍ من كثب الكافور، فيكونون في القرب منه على قدر تسارعهم في الدنيا إلى الجمعة، فهم الناس من هذا أن طلب هذا الثواب سبب للأمر بالمسارعة إلى الجنة‏.‏
وكذلك لو قيل‏:‏إن الأمير غدًا يحكم بين الناس أو يقسم بينهم،فمن أحب فليحضر،فهم منه أن الأمر بالحضور غدًا لأخذ النصيب من حكمه أو قسمه،وهذا ظاهر‏.‏
ثم إن هذا الوصف المقتضى للحكم تارة يكون سببًا متقدمًا على الحكم في العقل وفي الوجود كما في قوله‏:‏ ‏{‏وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 38‏]‏، وتارة يكون حكمه متقدمًا على الحكم في العلم،والإرادة متأخرة عنه في الوجود كما في قولك‏:‏الأمير يحضر غدًا، فإن حضر كان حضور الأمير يتصور ويقصد قبل الأمر بالحضور معه، وإن كان يوجد بعد الأمر بالحضور وهذه تسمى العلة الغائية، وتسميها الفقهاء حكمة الحكم، وهي سبب في الإرادة بحكمها،وحكمها سبب في الوجود لها‏.‏
والتعليل تارة يقع في اللفظ بنفس الحكمة الموجودة،فيكون ظاهره أن العلة متأخرة عن المعلول، وفي الحقيقة إنما العلة طلب تلك الحكمة وإرادتها‏.‏ وطلب العافية وإرادتها متقدم على طلب أسبابها المفعولة، وأسبابها المفعولة متقدمة عليها في الوجود ونظائره كثير‏.‏ كما قيل‏:‏‏{‏فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ‏}‏‏[‏النحل‏:‏ 98‏]‏، و‏{‏إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏6‏]‏ ويقال ‏:‏ إذا حججت فتزود‏.‏ فقوله صلى الله عليه وسلم ‏:‏‏(‏إنكم سترون ربكم، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاتين‏)‏ إلى ‏:‏ ‏(‏فافعلوا‏)‏، يقتضى أن المحافظة عليها هنا لأجل ابتغاء هذه الرؤية، ويقتضى أن المحافظة سبب لهذه الرؤية، ولا يمنع أن تكون المحافظة توجب ثوابًا آخر ويؤمر بها لأجله، وأن المحافظة عليها سبب لذلك الثواب وأن للرؤية سببًا آخر؛ لأن تعليل الحكم الواحد بعلل واقتضاء العلة الواحدة لأحكام جائز‏.‏وهكذا غالب أحاديث الوعد كما في قوله‏:‏ ‏(‏من صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه‏)‏، و‏(‏من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه‏)‏، وقوله‏:‏‏(‏لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم‏)‏ ونحو ذلك، فإنه يقتضي أن صلاة هاتين الركعتين سبب للمغفرة،وكذلك الحج المبرور، وإن كان للمغفرة أسباب أخر‏.‏
وأيد هذا المعنى أن الله تعالى قال‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ‏}‏‏[‏الأنعام ‏:‏52‏]‏، وقد فسر هذا الدعاء بصلاتي الفجر والعصر، ولما أخبر أنهم يريدون وجهه بهاتين الصلاتين، وأخبر في هذا الحديث أنهم ينظرون إليه، فتحضيضهم على هاتين يناسب ذلك أن من أراد





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق