حديث‏:‏ رؤية المؤمنين ربهم في الجنة

فتاوى ابن تيمية

قال الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية قدس الله روحه‏:‏
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا‏.‏
حديث ‏:‏ رؤية المؤمنين ربهم في الجنة في مثل يوم الجمعة من أيام الدنيا، رواه أبو الحسن الدارقطني في كتابه في الرؤية وما علمنا أحدًا جمع في هذا الباب أكثر من كتاب أبي بكر الآجري وأبي نعيم الحافظ الأصبهاني رواه من حديث أنس مرفوعًا، ومن حديث ابن مسعود موقوفاً، ورواه ابن ماجه من حديث ابن مسعود مرفوعًا‏.‏
فأما حديث أنس، فرواه الدارقطني من خمس طرق أو ست طرق، في غالبها ‏:‏ أن الرؤية تكون بمقدار صلاة الجمعة في الدنيا‏.‏ وصرح في بعضها ‏:‏ بأن النساء يرينه في الأعياد‏.‏
وأما حديث ابن مسعود، ففي جميع طرقه مرفوعها وموقوفها التصريح بذلك، وإسناد حديث ابن مسعود أجود من جميع أسانيد هذا الباب، ورواه أبو عبد الله بن بطة في ‏[‏الإبانة‏]‏ بإسناد آخر من حديث أنس أجود من غيره، وذكر فيه‏:‏ وذلك مقدار انصرافكم من الجمعة‏.‏ ورواه أبو أحمد بن عدي من حديث صالح بن حيان، عن ابن بريدة، عن أنس، وما أعلم لفظه‏.‏
ورواه أبو عمرو الزاهد بإسناد آخر لم يحضرني لفظه،ورواه أبو العباس السراج‏:‏ حدثنا على بن أشيب،حدثنا أبو بدر، حدثنا زياد بن خَيْْثَمة،عن عثمان بن مسلم،عن أنس بن مالك،وليس فيه الزيادة،ورواه أبو يعلى الموصلي في مسنده عن شَيْبَان بن فَرُّوخ، عن الصَّعْق بن حزن، عن علي بن الحكم الْبُنَانِيّ، عن أنس نحوه، ولا أعلم لفظه‏.‏
ورواه أبو بكر البزار وأبو بكر الخلال وابن بطة من حديث حذيفة بن اليمان مرفوعًا، ولم يذكر فيه هذه الزيادة، لكن قال في آخره‏:‏ ‏(‏فلهم في كل سبعة أيام الضعف على ما كانوا فيه قال وذلك قول الله في كتابه ‏:‏‏{‏فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏‏)‏ ‏[‏السجدة‏:‏17‏]‏‏.‏ ورواه الآجري وابن بطة أيضًا مرفوعًا من حديث ابن عباس وفيه‏:‏ ‏(‏وأقربهم منه مجلسًا أسرعهم إليه يوم الجمعة وأبكرهم غدوا‏)‏‏.‏
وله طريق آخر من حديث أبي هريرة، ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الحميد بن أبي العشرين،عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية،عن أبي هريرة، وقال الترمذي‏:‏ هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه‏.‏ وقد روى سُوَيْد بن عمرو عن الأوزاعي شيئًا من هذا‏.‏ وقالوا ‏:‏ ورواه سويد بن عبد العزيز عن الأوزاعي قال‏:‏ قال‏:‏ حديث عن سعيد‏.‏ وروى أيضًا معناه عن كعب الأحبار موقوفًا، وفيه معنى الزيادة‏.‏
وأصل حديث ‏(‏سوق الجنة‏)‏ قد رواه مسلم في صحيحه،ولم يذكر فيه الرؤية‏.‏ وهذه الأحاديث عامتها إذا جرد إسناد الواحد منها لم يخل عن مقال قريب أو شديد، لكن تعددها وكثرة طرقها يغلب على الظن ثبوتها في نفس الأمر،بل قد يقتضي القطع بها‏.‏
وأيضًا، فقد روى عن الصحابة والتابعين ما يوافق ذلك، ومثل هذا لا يقال بالرأي، وإنما يقال بالتوقيف‏.‏
فروى الدارقطني بإسناد صحيح عن ابن المبارك‏:‏ أخبرنا المسعودي، عن المِنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال‏:‏سارعوا إلى الجمعة، فإن الله يبرز لأهل الجنة في كل جمعة في كِثِيبٍ من كافور، فيكونون في قرب منه على قدر تسارعهم إلى الجمعة في الدنيا‏.‏ وأيضا بإسناد صحيح إلى شَبَابة بن سَوَّار، عن عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، عن المنهال بن عمرو،عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن عبد الله بن مسعود قال‏:‏ سارعوا إلى الجمعة، فإن الله عز وجل يبرز لأهل الجنة في كل يوم جمعة فى كثيب من كافور أبيض فيكونون في الدنو منه على مقدار مسارعتهم في الدنيا إلى الجمعة، فيحدث لهم من الكرامة شيئًا لم يكونوا رأوه فيما خلا‏.‏ قال ‏:‏ وكان عبد الله بن مسعود لا يسبقه أحد إلى الجمعة، قال‏:‏ فجاء يومًا وقد سبقه رجلان فقال‏:‏رجلان وأنا الثالث، إن الله يبارك في الثالث‏.‏
ورواه ابن بطة بإسناد صحيح من هذا الطريق، وزاد فيه ‏:‏ ثم يرجعون إلى أهليهم فيحدثونهم بما قد أحدث لهم من الكرامة شيئًا لم يكونوا رأوه فيما خلا‏.‏ هذا إسناد حسن حسنه الترمذي وغيره‏.‏
ويقال‏:‏ إن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، لكن هو عالم بحال أبيه متلق لآثاره من أكابر أصحاب أبيه، وهذه حال متكررة من عبد الله رضي الله عنه فتكون مشهورة عند أصحابه فيكثر المتحدث بها، ولم يكن في أصحاب عبد الله من يتهم عليه حتى يخاف أن يكون هو الواسطة؛ فلهذا صار الناس يحتجون برواية ابنه عنه وإن قيل‏:‏ إنه لم يسمع من أبيه‏.‏
وقد روى هذا عن ابن مسعود من وجه آخر، رواه ابن بطة في ‏[‏الإبانة‏]‏ بإسناد صحيح عن الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد، عن عمرو بن قيس إلى عبد الله بن مسعود قال‏:‏ إن الله يبرز لأهل جنته في كل يوم جمعة في كثيب من كافور أبيض، فيكونون في الدنو منه كتسارعهم إلى الجمعة، فيحدث لهم من الحياة والكرامة ما لم يروا قبله‏.‏
وروى عن ابن مسعود من وجه ثالث رواه سعيد في سننه‏:‏ حدثنا فرج بن فضالة، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن مسعود، أنه كان يقول‏:‏ بكِّروا في الغدو في الدنيا إلى الجمعات؛ فإن الله يبرز لأهل الجنة في كل يوم جمعة علي كثيب من كافور أبيض، فيكون الناس منه في الدنو كغدوهم في الدنيا إلى الجمعة‏.‏
وهذا الذي أخبر به ابن مسعود أمر لا يعرفه إلا نبي أو من أخذه عن نبي، فيعلم بذلك أن ابن مسعود أخذه عن النبي صلى الله عليه وسلم،ولا يجوز أن يكون أخذه عن أهل الكتاب لوجوه‏:‏
أحدها ‏:‏ أن الصحابة قد نهوا عن تصديق أهل الكتاب فيما يخبرونهم به، فمن المحال أن يحدث ابن مسعود رضي الله عنه بما أخبر به اليهود على سبيل التعليم ويبني عليه حكمًا‏.‏
الثاني‏:‏ أن ابن مسعود رضي الله عنه خصوصًا كان من أشد الصحابة رضي الله عنهم إنكارًا لمن يأخذ من أحاديث أهل الكتاب‏.‏
والثالث‏:‏ أن الجمعة لم تشرع إلا لنا، والتبكير فيها ليس إلا في شريعتنا، فيبعد مثل أخذ هذا عن الأنبياء المتقدمين، ويبعد أن اليهودي يحدث بمثل هذه الفضيلة لهذه الأمة، وهم الموصوفون بكتمان العلم والبخل به وحسد هذه الأمة‏.‏
ورواه ابن ماجه في سننه من وجه آخر مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم عن علقمة قال‏:‏ خرجت مع عبد الله بن مسعود إلى الجمعة فوجد ثلاثة قد سبقوه فقال‏:‏ رابع أربعة، وما رابع أربعة ببعيد، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏إن الناس يجلسون من الله يوم الجمعة على قدر رواحه





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق