عن الزكاة

فتاوى ابن عثمين

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين وبعد:
فإنه من المعلوم عند كل واحد من المسلمين أن الزكاة ركن من أركان الإسلام، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام».
ومن المعلوم لكل قارىء يقرأ القرآن أن الزكاة قرينة الصلاة في كثير من المواضع، بل في أكثر المواضع.
وقد قال الله تعالى مبيناً فوائدها لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {خُذْ مِنْ أَمْوَ?لِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوَ?تَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَ?للَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }.
فبين الله سبحانه وتعالى فوائد الزكاة فذكر منها فائدتين:
الفائدة الأولى: أنها تطهر الإنسان من الذنوب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الصدقة تطفىء الخطيئة كما تطفىء الماء النار». فهي تطهر الإنسان من ذنبه، لأن الذنوب نجس وقذر كما قال الله تعالى: {ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءَامَنُو?اْ إِنَّمَا ?لْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ?لْمَسْجِدَ ?لْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـ?ذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ?للَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ إِنَّ ?للَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } لكن المشرك لما لم يكن عنده عمل صالح صارت نجاسته نجاسة مطلقة، أما المؤمن ذو المعاصي فإن نجاسته بحسب ما فيه من المعصية، فالصدقة تطهر الإنسان من ذنبه وتكفر عنه سيئاته.
الفائدة الثانية: التزكية وتنمية الأخلاق والإيمان، لأن الزكاة تزيد في إيمان العبد فإنها عمل صالح، وكل عمل صالح فإنه يزيد في إيمانه، وهي أيضاً تزيد في أخلاقه، فإنها تلحق المزكي بأهل الكرم والجود والإحسان.
ومن المعلوم لكل قارىء للقرآن أن الله توعد من بخل بالزكاة بوعيد عظيم شديد. فمن ذلك قوله تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ?لَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَـ?هُمُ ?للَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ وَللَّهِ مِيرَاثُ ?لسَّمَـ?وَ?تِ وَ?لأَْرْضِ وَ?للَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }.
وهذا التطويق فسره النبي صلى الله عليه وسلم وهو أعلم الخلق بمعاني كتاب الله، بأنه يمثل له ـ أي المال ـ يوم القيامة شجاعاً أقرع، والشجاع هو ذكر الحيات العظيم، والأقرع أملس الرأس الذي ليس على رأسه زغب، وذلك لكثرة سمه والعياذ بالله، قد تمزق شعره، له زبيبتان، يعني غدتين مملوءتين بالسم، يأخذ بلهزمتيه ـ يعني بلهزمتي صاحب المال الذي بخل به يعني يعضه ـ يقول: «أنا مالك أنا كنزك»، وإنما يأخذ اللهزمتين، لأن صاحب المال في الدنيا يأكله بشدقيه، ويفخر به على الناس بالقول، فيملأ شدقيه بالفخر، فكانت العقوبة أن هذا المال يأخذ بلهزمتيه ويقول: أنا مالك، أنا كنزك، وتأمل كيف تكون حسرته حيث يقول هذا المال الذي يعذبه في ذلك اليوم: أنا مالك أنا كنزك، فهذا المال الذي كان يحاسب عليه في الدنيا ويمنع ما أوجب الله عليه فيه، يقول المال يوم القيامة موبخاً له مؤنباً له: أنا مالك، أنا كنزك، وقال الله عز وجل: {وَ?لَّذِينَ يَكْنِزُونَ ?لذَّهَبَ وَ?لْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ?للَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى? عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى? بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـ?ذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ}.
والذين يكنزون الذهب والفضة هم الذين لا يؤدون زكاتها حتى وإن جعلوها على رءوس الجبال.
أما الذين يؤدون زكاتها فليست بكنز لهم ولو دفنوها في الأرض السابعة.
وكيف يكون هذا الكي؟
استمع إلى تفسيره من أعلم الناس بكتاب الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها ـ وفي رواية ـ زكاتها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار وأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار».
هكذا يكوى بها، لا يكوى بها في يوم، أو شهر، أو سنة، بل في يوم مقداره خمسون ألف سنة.
والواحد منا في هذه الدنيا لا يصبر على شرارة من نار الدنيا مع أن نار الدنيا دون نار الا?خرة بكثير، فقد فضلت نار الا?خرة على نار الدنيا بتسعة وستين جزءاً يضاف إليها جزء نار هذه الدنيا فتكون في الحرارة بمقدار سبعين مرة من نار الدنيا. أسأل الله أن يجيرني وإياكم منها.
والزكاة صدقة من الصدقات لقوله تعالى: {إِنَّمَا ?لصَّدَقَـ?تُ لِلْفُقَرَآءِ وَ?لْمَسَـ?كِينِ وَ?لْعَـ?مِلِينَ عَلَيْهَا وَ?لْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ?لرِّقَابِ وَ?لْغَـ?رِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَ?بْنِ ?لسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ?للَّهِ وَ?للَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }.
وإذا كانت الزكاة من الصدقات فإن كل نص يحث على الصدقة، ويرغب فيها ويبين فضلها تدخل فيه الزكاة من باب أولى، بل إني أقول: إن الأعمال الواجبة أحب إلى الله تعالى من الأعمال المستحبة، لما ثبت في الحديث القدسي الصحيح أن الله عز وجل يقول: «ما تقرب إلّي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه»، عكس ما يفهمه بعض الناس، يظنون أن التطوع أفضل من الواجب، فأنت لو صرفت درهماً من الزكاة كان ذلك أفضل وأحب إلى الله، مما لو صرفت درهماً من صدقة التطوع.
وهكذا لو صليت ركعة من الفرائض كانت أحب إلى الله وأفضل، مما لو صليت ركعة من النوافل.
وإنـك لتعجـب أن بعض الناس إذا كان يصلي نافلة تجده عنـده من الخشوع وحضور القلب بين يدي الله ما ليس عنده إذا صلى الفريضـة، ولا أدري هـل هذا من الشيطان، أو أن هذا لأن الفـريضـة اعتادهـا الإنسـان وتكـررت عليه كل يوم خمس مرات؟!
وقد قيل: «إذا كثر الإمساس قل الإحساس»، ولكن يجب عليك أيها الأخ المسلم أن تعلم أن التقرب إلى الله فيما فرضه عليك أهم وأحب إلى الله وأفضل من أن تتقرب إليه بالتطوع، لأن الفرائض أصل، والتطوع نافلة وفرع.
ولهـذا جـاء في الحديث: أن النوافل تكمل بها الفرائض يوم القيامة.
والزكاة ثالث أركان الإسلام، من جحد وجوبها كفر، ومن تركها بخلاً وتهاوناً فقد قال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ في إحدى الروايات عنه: إن تارك الزكاة بخلاً وتهاوناً يكون كافراً، كتارك الصلاة كسلاً وتهاوناً، ولكن الأدلة تدل على أن من بخل بالزكاة لا يكفر، ولا يخرج من الإسلام، ولكن عليه الوعيد الشديد لقوله تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ?لَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَـ?هُمُ ?للَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ وَللَّهِ مِيرَاثُ ?لسَّمَـ?وَ?تِ وَ?لأَْرْضِ وَ?للَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }.
فسر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الا?ية بقوله: «من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان يأخذ بلهزمتيه يقول: أنا مالك أنا كنزك»، يقول ذلك توبيخاً وتقريعاً. ولكن لات حين مناص فات الأوان، وخلف مالاً عليه غرمه، ولغيره غنمه.
واستمع إلى الا?ية الثانية فيمن منع الزكاة وهي قوله تعالى: {وَ?لَّذِينَ يَكْنِزُونَ ?لذَّهَبَ وَ?لْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ?للَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى? عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى? بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ} ويقال لهم توبيخاً وتقريعاً: {هَـ?ذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ }.
أيها الأخ المسلم هل تدري معنى كنز الذهب والفضة؟
إن كنز الذهب والفضة بينه الله تعالى في قوله: {وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ?للَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } وهذا هو الكنز، أن لا تنفقها في سبيل الله، أي في شريعته التي أوجب الله عليك أن تنفقها فيه. وأهم ما تنفق فيه الأموال الزكاة.
إذن المراد بالكنز ما يجب بذله من المال، هذا هو الكنز حتى لو كان هذا المال على ظهر جبل بارزاً ظاهراً، ولكنه لا يؤدى فيه ما يجب فإنه كنز.
وإذا أدى الإنسان ما يجب في ماله فليس بكنز ولو دفنه تحت الأرض {فَتُكْوَى? بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـ?ذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ } فهذه أربع جهات الأرض: الأمام، والخلف، واليمين، والشمال، فمن الأمام تكوى بها الجباه، ومن الخلف الظهور، ومن اليمين والشمال الجنوب.
{يُحْمَى? عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى? بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـ?ذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ } فما مقدار حرارة نار جهنم؟ إنها فضلت على نار الدنيا بتسعة وتسعين جزءاً، فنار الدنيا كلها مهما عظمت فإن نار الا?خرة قد فضلت عليها بتسعة وتسعين جزءاً.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم»، وهذه الشمس العظيمة الحرارة حرارتها من فيح جهنم.
وقد ذكر أهل العلم أن حرارتها لا تطاق، وأنه لو أخرج لها أعظم فلاذ على وجه الأرض، فإن هذا الفلاذ يتطاير كما يتطاير الدخان من شدة حرارة الشمس، وهذا واقع فإن بيننا وبين الشمس هذه المسافات العظيمة، ومع هذا تصل حرارتها إلى هذا الذي تحسونه في أيام الصيف.
إذن فالنار لا يمكن أن ندرك حقيقة حرها، ولكن ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التقريب فضلت على هذه النار الدنيا كلها بتسعة وتسعين جزءاً، يصفح هذا الذهب والفضة يصفح صفائح من النار فهي نار محماة في نار ـ والعياذ بالله ـ يكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ومع ذلك هل تترك هذه الصفائح لتبرد وتخف؟ لا كلما بردت أعيدت إلى نار جهنم حتى تعود حرارتها كما كانت ثم يعاد الكي بها.
وأعتقـد أن كـل مؤمن يؤمن بما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يبخل بالزكاة مهما كانت، ومهما كثرت حتى لو كانت مليوناً.
والزكاة لا تجب في كل ما يملكه الإنسان، وإنما تجب في أشياء معينة:
أولاً: الذهب والفضة: فإن الزكاة واجبة في الذهب والفضة على أي صفة كانت، سواء كانت نقوداً أو تبراً، وهو القطع من الذهب والفضة أو حليًّا، أو أواني، أو غير ذلك، مع أنه لا يجوز للإنسان أن يشرب في آنية الذهب والفضة كما هو معروف، المهم أن الزكاة تجب في الذهب والفضة بكل حال، لقول الله تعالى: {وَ?لَّذِينَ يَكْنِزُونَ ?لذَّهَبَ وَ?لْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ?للَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } ويقال لهم: {هَـ?ذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ }. فيعذب هؤلاء المانعين الذين يمنعون ما أوجب الله عليهم في أموالهم، وأهمها الزكاة يعذبون بعذاب جسمي وعذاب قلبي، فالعذاب الجسمي : جباههم، وجنوبهم، وظهورهم، والعذاب القلبي يقال لهم: {هَـ?ذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ } فالتوبيخ والتنديم لا شك أنه يؤلم النفس فيعذبون عليها ـ والعياذ بالله ـ على منع ما يجب عليهم في أموالهم ظاهراً وباطناً.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار،وأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه، وجبينه،وظهره، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد ثم يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار».
فقوله صلى الله عليه وسلم: «ما من صاحب ذهب ولا فضة» عام لم يقيده النبي عليه الصلاة والسلام بشيء، وبناء على ذلك فإن الصحيح من أقوال أهل العلم أن الزكاة واجبة في الحلي من الذهب والفضة، ويدل لهذا أحاديث خاصة في الحلي منها حديث عبدالله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم أتته امرأة وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: «أتؤدين زكاة هذا؟» قالت: لا. قال: «أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار؟» فخلعتهما وألقتهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: «هما لله ورسوله». وهذا الحديث قواه الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ في بلوغ المرام فقال: أخرجه الثلاثة وإسناده قوي. وذكر له شاهدين أحدهما من حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ والثاني من حديث أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ.
وعلى هذا فلا قول لأحد بعد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يمكن لأي إنسان أن يحتج بين يدي الله عز وجل يوم القيامة بقول فلان وفلان إلا بقول النبي عليه الصلاة والسلام، فإن الإنسان تقوم عليه الحجة به، أما قول غير الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه لن ينفعك يوم القيامة، ولهذا يقول الله تعالى: {وَيَوْمَ يُنَـ?دِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ ?لْمُرْسَلِينَ } ولم يقل: ماذا أجبتم فلاناً وفلاناً. بل قال: ماذا أجبتم المرسلين؟ فماذا يكون جوابك يوم القيامة إذا سئلت: ماذا أجبت رسولي؟ بإيجاب الزكاة في الحلي وقد جاءك عنه نص عام ونص خاص؟ وهذا القول هو مذهب أبي حنيفة ـ رحمه الله ـ ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ.
والقول الثاني: أنه لا زكاة في الحلي إذا كان مُعدًّا للبس أو العرية، فتكون المسألة مسألة نزاع بين العلماء، والحكم بين العلماء في مسألة النزاع قوله تعالى: {وَمَا ?خْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ?للَّهِ ذَلِكُمُ ?للَّهُ رَبِّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ?للَّهِ ذَلِكُمُ ?للَّهُ رَبِّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } لا إلى فلان ولا إلى فلان، ولا يرجح بكثرة عدد، ولا بقوة علم، ولكن بما دل عليه الكتاب والسنة، وقال تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ?للَّهِ وَ?لرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِ?للَّهِ وَ?لْيَوْمِ ?لأَْخِرِ ذ?لِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }، ونحن إذا رددنا هذه المسألة إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلموجدنا أن القول الراجح هو قول من يقول بوجوب الزكاة في حلي الذهب والفضة.
ولا تجب الزكاة في الذهب والفضة إلا إذا بلغ نصاباً:
والنصاب من الذهب عشرون مثقالاً، ومن الفضة مائة وأربعون مثقالاً، وقد حررت هذه فبلغت بالذهب خمسة وثمانين غراماً تزيد قليلاً أو تنقص قليلاً، وفي الفضة ستة وخمسين ريالاً عربياً من الفضة، أو ما يقابلها من الأوراق النقدية، وكما نعرف أن الأوراق النقدية ترتفع أحياناً، وتنخفض أحياناً، فكانت هذه الأوراق النقدية أول ما خرجت الواحدة تساوي ريالاً من الفضة، أما الا?ن فالواحدة لا تساوي إلا عُشر ريال من الفضة، بعشر ورق من هذه الأوراق فيكون النصاب من هذه الأوراق خمسمائة وستون، فإذا زاد فعلى حسبه، فلو كان عند المرأة حلي من الذهب يبلغ ثمانين غراماً فقط فليس فيه زكاة، لأنه لم يبلغ النصاب، ولو كان عند الإنسان من الفضة خمسون ريالاً فليس فيها زكاة، ولو كان عند الإنسان نصف نصاب من البر ونصف نصاب من الشعير، فلا تجب الزكاة في أي واحد منهما مع أن القصد فيهما واحد وهو الاقتيات، فكذلك الذهب والفضة، لا يضم أحدهما إلى الا?خر في تكميل النصاب إلا إذا كان للتجارة. ولو كان عند الإنسان بنات صغار كل واحدة أعطاها من الحلي أقل من النصاب، فلا يضم الحلي إلى بعضه ليكمل النصاب، لأن كل واحدة تملك حليها ملكاً خاصًّا، فتعتبر كل واحدة منهن بنفسها، ولا يكون حينئذ فيه زكاة.
يقول بعض الناس: إذا كانت المرأة ليس عندها مال تدفع الزكاة منه، وليس عندها إلا الحلي فهل يجوز أن يقوم زوجها بأداء الزكاة عنها؟ فالجواب: نعم إذا رضيت بذلك فلا بأس، أو يقوم أحد من أقاربها كأخيها وأبيها فلا حرج أيضاً، فإن لم يقم أحد بذلك وليس عندها إلا الحلي فإنها تخرج من حليها أو تبيع من هذا الحلي وتزكي.
ومقدار زكاة الذهب والفضة ربع العشر، أي: واحد من أربعين، وعلى هذا فإذا كان عند الإنسان مال من الذهب والفضة أو الأوراق النقدية فليقسمه على أربعين، وما خرج من القسمة فهو الزكاة، فإذا كان عنده على سبيل المثال أربعون ألفاً فزكاتها ألف ريال، وإذا كان عنده أربعمائة ألف فزكاتها عشرة آلاف ريال وهكذا.
الثالث: عروض التجارة: وهي كل ما أعده الإنسانللتجارة والربح من أي مال كان، فإذا قدرنا أنه رجل يتاجر بالماشية فهي عروض تجارة، أو يتاجر بالسيارات فهي عروض تجارة، وكذلك تجارة الأراضي، أو الأقمشة، أو الساعات وهكذا. المهم أن كل مال أعددته للتجارة فهو عروض تجارة تجب فيه الزكاة.
ولمعرفة مقدار زكاته، فإننا نقول له: قدر هذا المال إذا تم الحول وانظر كم قيمته، ثم اقسم القيمة على أربعين فما حصل فهو الزكاة، لأن عروض التجارة فيها ربع العشر، ووجه ذلك أن الغرض من عروض التجارة تكثير المال باعتبار القيمة، ولهذا تجد صاحب العروض لا يقصد عين السلعة، فقد يشتري السلعة في الصباح وإذا كسب منها في آخر النهار، فإنها يبيعها بخلاف الإنسان الذي عنده سلعة للاقتناء، فإنه سيبقي هذه السلعة ولا يبيعها؛ لأن له غرضاً في عينها، أما صاحب العروض فغرضه تكثير الأموال باعتبار القيمة، ومن ثم يمكن أن نستدل على وجوب زكاة العروض بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى» فإن صاحب العروض لا يريد إلا القيمة في الواقع.
وعلى هذا فعروض التجارة يضم بعضها إلى بعض، فإذا كان عند الإنسان أقلام وأوراق ودفاتر كل واحد منها إذا نظرنا إليه وحده لم يبلغ النصاب، لكن بالنظر إلى الجميع تبلغ النصاب فيضم بعضها إلى بعض.
ولو أن إنساناً صاحب تجارة، كان يبيع ويشتري فاشترى سلعة قبل تمام الحلول بعشرة أيام، فهل نقول له: لا تزكها إلا إذا تمت الحول؟ أو نقول: زكها إذا تم حول مالك، وإن لم يكن لها إلا عشرة أيام؟ فالجواب هو الثاني، لأن عروض التجارة لا يشترط لها الحول إذا كانت مشتراة بما يتم حوله، وهذه مسألة تشكل على بعض الناس، ولهذا يكثر السؤال عنها.
الرابع: بهيمة الأنعام: وهي الإبل، والبقر، والغنم، وهذه يشترط لوجوب الزكاة فيها أن تكون سائمة. والسوم: هو الرعي أي ترعى أكثر الحول، فإذا كانت هذه الإبل، أو البقر، أو الغنم معلوفة أي: أنها تعلف وليست ترعى، أو أنها ترعى شهر أو شهرين في السنة، والباقي تعلف فليس فيها زكاة مادامت متخذة للتنمية والاقتناء فليس فيها زكاة، فإذا كان هذا الذي يعلف عروض تجارة فهذا يجب عليه أن يزكيه وإن كان يعلفه وغرمه على علفها كغرم التاجر في أجرة الدكان وما أشبه ذلك.
الخامس: الخارج من الأرض من الحبوب والثمار: فتجب فيه الزكاة إذا بلغ النصاب، ومقدار النصاب في الخارج من الأرض ثلاثمائة صاع بصاع النبي صلى الله عليه وسلم، وصاع النبي صلى الله عليه وسلم زنته كيلوان وأربعون غراماً ـ هكذا قدرناه ـ وعلى هذا فإذا بلغ الخارج من الأرض من الحبوب والثمار هذا المقدار من الأصواع فإنه تجب فيه الزكاة، وما دون ذلك فليس فيه زكاة.
وهنا مسألة ينبغي أن نتنبه لها: فبعض الناس يكون له بيت واسع وفيه عدد من النخيل وهذه النخيل تخرج ثمراً يبلغ النصاب، ومع ذلك فإن الناس غافلون عن أداء زكاتها؛ لأنهم يقولون: إنها في البيت. فيظنون أن الزكاة إنما تجب في البساتين، وهذا لا شك أنه غفلة، وإلا فالناس ولله الحمد لا يهمهم أن يخرجوا منها الزكاة.
ومقدار زكاة الخارج من الأرض إذا كان يسقى بمؤنة نصف العشر، وإن كان يسقى بغير مؤنة فالعشر كاملاً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فيما سقت السماء العشر، وفيما كان عثرياً نصف العشر»، والفرق بينهما ظاهر؛ لأن الذي يسقى بمؤنة يتعب عليه الفلاح، والذي يسقى بغير مؤنة لا يتعب عليه.
أهل الزكاة:
واعلم أن الزكاة لا تبرأ بها الذمة حتى تصرفها في الأصناف الذين أوجب الله صرفها فيهم، كما قال تعالى: {إِنَّمَا ?لصَّدَقَـ?تُ لِلْفُقَرَآءِ وَ?لْمَسَـ?كِينِ وَ?لْعَـ?مِلِينَ عَلَيْهَا وَ?لْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ?لرِّقَابِ وَ?لْغَـ?رِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَ?بْنِ ?لسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ?للَّهِ وَ?للَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }.
أولاً وثانياً: {للفقراء والمساكين}: هذان الصنفان يجمعهما الحاجة، لكن الفقراء أحوج من المساكين، لأن الله تعالى بدأ بهم، وإنما يبدأ بالأهم فالأهم، فالفقراء كما قال الفقهاء ـ رحمهم الله ـ هم الذين يجدون أقل من نصف الكفاية، سواء كان المورد مستمراً، أو ثابتاً.
مثال ذلك: رجل عنده مغل ـ أي عقار أو وقف ـ يدر عليه في السنة عشرة آلاف ريال، وينفق في السنة واحداً وعشرين ألف ريال، فهذا فقير؛ لأنه يجد أقل من نصف الكفاية، وعلى هذا فنعطيه ما يكمل به كفايته، فنعطيه في هذا المثال أحد عشر ألفاً.
أما المسكين فهو أحسن حالاً من الفقير؛ لأنه يملك نصف الكفاية ودون تمام الكفاية.
مثال ذلك: لو أن رجلاً عنده مغل وقف أو عقارات يؤجره يبلغ عشرة آلاف ريال، لكنه يحتاج في السنة إلى خمسة عشر ألف ريال فنعطيه خمسة آلاف ريال.
فهذان الصنفان يعطيان ما يكفيهما لمدة سنة.
ولو أن رجلاً راتبه خمسة آلاف ريال، وينفق خمسة آلاف ريال، ولكنه محتاج إلى الزواج والمهر عشرة آلاف ريال، فإنه يعطى ما يكفيه للزواج، وهو عشرة آلاف ريال، وإذا كان المهر أربعين ألفاً فإنه يعطى الأربعين ألفاً.
إذن الحاجة إلى الزواج كالحاجة للأكل والشرب، لأن الزواج من ضروريات الحياة، والنبي صلى الله عليه وسلم أمر به الشباب فقال: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء».
فالمحتاج للزواج يعطى ما يزوج به، لأن الزواج ـ كما تقدم ـ من أشد حاجات الإنسان وضروراته، حتى إن كان موظفاً وعنده ما يأكل وينفق، ولكنه لا يجد ما يتزوج به، فإنه يعطى من الزكاة قدر المهر حسب العرف.
وننبه هنا إلى أن أعظم النكاح بركة أقله مؤنة، وإنما يزوج الرجل لا دراهمه، فينبغي للولي أن ينظر في دين الرجل وخلقه، كما جاء في الحديث: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه».
وكذلك فبعض الناس الا?ن لا يزوجون بناتهم إلا إلى ابن العم أو ابن الأخ وما أشبه، وهذه عنصرية من رواسب الجاهلية، وهو إثم عظيم ومعصية لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهو كذلك ظلم للبنت واحتكار ما ليس بحق للولي. والواجب على القاضي أن يتدخل في الأمر إذا رفع إليه، ويوقف هذا الولي، إما أن يزوجها، أو يزوجها القاضي مادام المتقدم لها كفء في دينه وخلقه. وبهذا تبطل هذه العادة السيئة.
وإن تقدم للمرأة من ليس أهلاً في دينه وخلقه ورضيت هي ورفض وليها، فيقدم رأي الولي ولا تزوج من هذا الشخص مهما تعلقت به.
وإن تقدم رجلان كلاهما ذو خلق ودين فرضيت بأحدهما ورفضت الا?خر، فتزوج بمن اختارته وإن أبى الولي، فإن أجبرها على الزواج من الثاني الذي رفضته فالنكاح فاسد ولا تحل به المرأة للزوج، لنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن تنكح البكر حتى تستأذن، فإن زوجها وليها وهي كارهة فهذا ليس عليه أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، فهو مردود، فيجب فسخ النكاح وتعود المرأة إلى حرية نفسها حتى ييسر الله لها من تتزوجه.
وإنما يخالف هواها إذا مالت لمن لا يرضى دينه ولا خلقه، فلا تطاع وإن بقيت بدون زواج.
وكذلك لا تجبر المرأة على من لا تريد وإن كان ذا خلق ودين.
ثالثاً: {وَ?لْعَـ?مِلِينَ عَلَيْهَا وَ?لْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ?لرِّقَابِ وَ?لْغَـ?رِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَ?بْنِ ?لسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ?للَّهِ وَ?للَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }: وهم الذين رتبهم ولي الأمر ليأخذوا الزكاة من أصحابها ويصرفوها في مصرفها. أما من وكلته أنت ليوزع زكاتك فليس من العاملين عليها؛ لأن الله تعالى ذكر: {وَ?لْعَـ?مِلِينَ عَلَيْهَا وَ?لْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ?لرِّقَابِ وَ?لْغَـ?رِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَ?بْنِ ?لسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ?للَّهِ وَ?للَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } ولم يقل «العاملين فيها» لأن (على) تفيد الولاية.
رابعاً: {وَ?لْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ?لرِّقَابِ وَ?لْغَـ?رِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَ?بْنِ ?لسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ?للَّهِ وَ?للَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }:
قال العلماء: سادة العشائر والقبائل الذين يرجى إسلامهم، أو يرجى كف شرهم، أو يرجى إسلام نظيرهم، فهؤلاء هم المؤلفة قلوبهم.
يكون رجلاً كافراً لكن إذا أعطيناه من الزكاة لان قلبه وآمن فنعطيه من الزكاة، ورجل مؤمن لكنه ناقص الإيمان فنعطيه من الزكاة، لأجل أن يقوى إيمانه فهذا أيضاً يصح، لأن هذا من المؤلفة قلوبهم، ورجل مؤمن كامل الإيمان لكن له نظير من الولاة خبيث شرير يؤذي المسلمين فنعطي هذا الرجل لأجل إسلام نظيره ونتقي شره.
المهم أن المؤلفة قلوبهم كل من يعطون لدفع شرورهم، أو شر نظرائهم، أو إيمانهم، أو تقوية إيمانهم، لكن هل يشترط أن يكون ذلك المؤلف سيداً مطاعاً في قومه، أو يعطى وإن كان غير سيد وغير مطاع في قومه، فيرى بعض العلماء أنه لابد أن يكون سيداً مطاعاً في قومه؛ لأننا إذا أعطيناه لتأليف قلبه، وائتلف قلبه إلينا صار نفعه عاماً وليس خاصاً فيه وفي قومه.
أما إذا كان شخصاً عاديًّا وهو ضعيف الإيمان وغرضنا أن نعطيه من الزكاة لتقوية إيمانه فيرى بعض هؤلاء العلماء الذين يشترطون في المؤلف أن يكون سيداً يرون أنه لا يعطى من الزكاة؛ لأن المنفعة المرتجاة منه خاصة، ولكن القول الصحيح عندي أنه يعطى وإن كان فرداً لعموم الا?ية: {وَ?لْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ?لرِّقَابِ وَ?لْغَـ?رِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَ?بْنِ ?لسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ?للَّهِ وَ?للَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } ولأنه إذا كان الرجل يعطى لحياته الجسدية إذا كان فقيراً يحتاج إلى طعام أو شراب ولباس، فإن إعطاءه لحياة قلبه من باب أولى، لأن حاجة الإنسان إلى الإيمان أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب واللباس، فإذا وجدنا شخصاً أسلم حديثاً يحتاج إلى أن يقوى إيمانه فلا حرج علينا أن نعطيه من الزكاة مادمنا نعرف أنه مقبل. ولا ريب أن الهدية تذهب السخيمة وتوجب المودة.
ومعنى السخيمة: الحقد والبغضاء، وأما توجب المودة فظاهر، ولهذا جاء في الحديث: «تهادوا تحابوا فإن الهدية تذهب السخيمة»، وهذا أمر مشاهد.
خامساً: {وَفِى ?لرِّقَابِ وَ?لْغَـ?رِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَ?بْنِ ?لسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ?للَّهِ وَ?للَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } قال تعالى: {إِنَّمَا ?لصَّدَقَـ?تُ لِلْفُقَرَآءِ وَ?لْمَسَـ?كِينِ وَ?لْعَـ?مِلِينَ عَلَيْهَا وَ?لْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ?لرِّقَابِ وَ?لْغَـ?رِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَ?بْنِ ?لسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ?للَّهِ وَ?للَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } ثم قال: {وَفِى ?لرِّقَابِ وَ?لْغَـ?رِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَ?بْنِ ?لسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ?للَّهِ وَ?للَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } وهنا اختلف الأسلوب لأنه في الأربعة باللام، أما الرقاب فقال: {وَفِى ?لرِّقَابِ وَ?لْغَـ?رِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَ?بْنِ ?لسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ?للَّهِ وَ?للَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } ولم يقل (وللرقاب) واختلاف الحرف يوجب اختلاف المعنى. والرقاب هي ثلاثة أشياء:
الأول: مملوك نشتريه من الزكاة لنعتقه.
الثاني: مكاتب ثبت عليه دين لسيده فنعينه في دينه.
الثالث: أسير مسلم عند الكفار نفديه بمال من الزكاة، أو مختطف عند أناس ظلمة وطلبوا فدية، فنفديه من الزكاة.
أما الرقيق الذي اشتريناه لنعتقه، يعني عبد عند سيده قلنا له: أعتق العبد ويحصل لك الأجر، قال: لا أنا محتاج للدراهم فنعطيه من الزكاة ونشتري العبد ثم نعتقه.
والمكاتب قال تعالى: {وَ?لَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَـ?بَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَـ?نُكُمْ فَكَـ?تِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَءَاتُوهُمْ مِّن مَّالِ ?للَّهِ ?لَّذِى? ءَاتَـ?كُمْ وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَـ?تِكُمْ عَلَى ?لْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ ?للَّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }. فالعبد إذا طلب من سيده أن يعتقه على مال ووافق السيد: وقال كاتبتك على أن تدفع لي كذا وكذا من المال، فنعينه على قضاء دين كتابته من الزكاة.
والأسير المسلم عند الكفار، مثل ما يكون بين طائفة من المسلمين وطائفة من الكفار قتال فيأسرون أحداً من المسلمين عندهم، ويقولون: لا ندفع إليكم هذا السير إلا بمال، فيجوز أن نعطي هؤلاء الكفار لفكاك الأسير من الزكاة، لأننا فككنا بذلك رقبة.
وكذلك الإنسان المختطف عند ظلمة لا نستطيع أن نخلصه منهم يقولون: لا نطلقه إلا بفدية من المال، فإن في هذه الحال نعطيه من الزكاة لإعتاق هذا المختطف.
سادساً: {وَ?لْغَـ?رِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَ?بْنِ ?لسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ?للَّهِ وَ?للَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }: والغارمون هم المدينون الذين عليهم دين للناس، والغرم ينقسم إلى قسمين: غرم لإصلاح ذات البين، وغرم لحوائج خاصة للشخص.
فأما الأول فمثل: أن يقع بين قبيلتين شجار ونزاع وعدوان من بعضهم على بعض فيأتي رجل خير طيب، ويقول لهاتين القبيلتين: أنا أصلح بينكما بمال أدفعه لكل واحدة منكما، ويلتزم في ذمته بمليون ريال خمسمائة لهذه الطائفة، وخمسمائة لهذه الطائفة.
فهذا نعطيه من الزكاة لإيتاء هذا الغرم، لأن هذا الرجل محسن وقائم بين الناس بالإصلاح، فكان من مكافأته ومجازاته أن نتحمل عنه ما التزمه من الزكاة حتى ولو كان غنيًّا.
وأما الغارم لنفسه في حاجاته الخاصة. فرجل اشترى بيتاً ليسكنه بخمسمائة ألف ريال فيجوز أن نعطيه لقضاء دينه من الزكاة؛ لأنه غارم لكن بشرط أن يكون فقيراً لا يملك ما يقضى به الدين، فإن كان يملك ما يقضى به الدين فإنا لا نعطيه من الزكاة؛ لأنه مستغن عنها بما عنده.
ولو أننا ذهبنا إلى الدائن وقضينا الدين من غير أن يشعر المدين فننظر إلى الا?ية: {وَفِى ?لرِّقَابِ وَ?لْغَـ?رِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَ?بْنِ ?لسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ?للَّهِ وَ?للَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } أي «وفي الغارمين» (وفي) للظرفية، أما الفقراء فقال الله عز وجل: «للفقراء» واللام للتمليك، ولهذا يجوز أن نذهب إلى الدائن ونقضي دين الغريم ولو بدون علمه؛ لأن الله تعالى لم يشترط تمليكه، فلم يقل: (وللغارمين) وإنما قال: {وَفِى ?لرِّقَابِ وَ?لْغَـ?رِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَ?بْنِ ?لسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ?للَّهِ وَ?للَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } وفي للظرفية فإذا دفعنا الزكاة في الغرم حصل المقصود.
ولكن أيهما أحسن أن نعطي الغارم المال ليقضي به دينه، أو أن نذهب نحن إلى الدائن ونسدد الدين؟
الواقع أنها تختلف: فإذا كان الغارم صاحب دين وثقة، ونعرف أنه حريص على قضاء دينه،فالأفضل أن نعطيها الغارم ليقضي دينه هو بنفسه، لئلا يخجل إذا قضينا نحن دينه عنه.
أما إذا كان الغارم شخصاً مفسداً للمال مبذراً له، وإذا أعطيناه المال ليقضي به دينه فذهب ليشتري به الأمور التي يستغني عنها وظل دينه على ذمته فهذا نذهب نحن إلى الطالب ونسدد الدين وإن لم يعلم؛ لأن الذي ينبغي أن نراعي المصالح، والله عز وجل لم يشترط تمليك الغارم.
مسألة: رجل توفي وعليه دين فهل يجوز أن نقضي دين المتوفى من الزكاة؟
إن كان هذا المدين الذي مات قد خلف تركه فلا نقضي عنه، لأنه غني بما خلف، ويجب على ورثته أن يبادروا لقضاء دينه من ماله؛ لأن المال ماله، وحق الورثة لا يكون إلا بعد قضاء الدين، فإذا لم يكن له مال فهل نقضي دينه من الزكاة؟
فأكثر العلماء على أنه لا يجوز قضاء دينه من الزكاة، بل حكى ابن عبدالبر وأبو عبيد إجماع العلماء على أنه لا يجوز أن يقضى دين الميت من الزكاة: فالمذاهب الأربعة كلها على المنع، وغيرهم من العلماء إلا القليل كلهم على المنع، أنه لا يقضى دين الميت من الزكاة.
وذهب قلة من العلماء إلى أنه يجوز أن يقضى دين الميت من الزكاة واستدلوا بقوله: {وَفِى ?لرِّقَابِ وَ?لْغَـ?رِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَ?بْنِ ?لسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ?للَّهِ وَ?للَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } أن الله لم يشترط تمليك الغارم، والميت محتاج إلى قضاء دينه، ولكن القول الراجح أنه لا يجوز أن يقضى دين الميت من الزكاة.
سابعاً: {وَفِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَ?بْنِ ?لسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ?للَّهِ وَ?للَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } سبيل الله هو القتال لتكون كلمة الله ـ عز وجل ـ هي العليا، وليس المراد بسبيل الله جميع طرق الخير كما قيل، لأنه لو كان المراد بذلك جميع طرق الخير لم يكن للحصر فائدة في قوله تعالى: {إِنَّمَا ?لصَّدَقَـ?تُ لِلْفُقَرَآءِ وَ?لْمَسَـ?كِينِ وَ?لْعَـ?مِلِينَ عَلَيْهَا وَ?لْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ?لرِّقَابِ وَ?لْغَـ?رِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَ?بْنِ ?لسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ?للَّهِ وَ?للَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } فلو قلنا: إن جميع طرق الخير داخلة ما بقي فائدة للحصر، وعلى هذا فالمراد {وَفِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَ?بْنِ ?لسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ?للَّهِ وَ?للَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } الجهاد في سبيل الله، والجهاد في سبيل الله ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بميزان عدل قسط غير جائر، سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليرى مكانه أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله».
ومن قاتل لغير ذلك فلا يستحق شيئاً من الزكاة.
والمقاتل في سبيل الله يعطى من الزكاة مالاً، أو سلاحاً يشترى ويعطى له.
وهنا ننبه على أنه وإن قتل الرجل في سبيل الله فلا يقال هو شهيد، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من مكلوم يكلم في سبيل الله ـ والله أعلم بمن يكلم في سبيله ـ إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دماً، اللون لون الدم، والريح ريح المسك».
فقوله عليه الصلاة والسلام: «والله أعلم بمن يكلم في سبيله» دليل على أن الأمر راجع إلى ما في قلبه، وهو غير معلوم لنا. ولأنك لو شهدت أنه شهيد، لجاز لك أن تشهد أنه في الجنة، وهذا لا يجوز إلا لمن شهد له الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
ونشهد لكل شهيد أنه في الجنة، لكن ليس لرجل بعينه، كما نشهد لكل مؤمن بالجنة، لكن لا لشخص بعينه، ففرق بين التعميم والتخصيص.
وكذلك لا يقال: فلان شهيد إن شاءالله، لأن إن شاءالله تستخدم للتحقق، ولكن نقول: نرجو أن يكون من الشهداء.
فهل نعطي المجاهدين أو نشتري لهم؟ {وَفِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَ?بْنِ ?لسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ?للَّهِ وَ?للَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } يشمل إعطاء المجاهدين، وشراء الأسلحة لهم؛ لأن الكل داخل في قوله: {وَفِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَ?بْنِ ?لسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ?للَّهِ وَ?للَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } ولم يشترط الله عز وجل التمليك حتى نقول: إنه لابد أن يعطى المجاهد فقط.
ومن الجهاد في سبيل الله طلب العلم الشرعي، بل قد يكون أوجب وأولى من الجهاد بالسلاح، لاسيما إذا اشرأبت أعناق البدع وظهرت الغوغاء في الفتاوى، وارتكب كل إنسان رأيه وإن كان قاصراً في علمه، لأن هذه بلية عظيمة أن يبدأ ظهور البدع في المجتمع، ولا يجد المبتدع من يردعه عن بدعته بالبرهان الصحيح، أو أن تكثر الفتاوى التي تصدر من قاصر، أو مقصر، إما من قاصر في علمه، أو مقصر في التحري وطلب الحق، ففي مثل هذه الحال يكون طلب العلم من أوجب الواجبات، ولابد أن يكون لدينا علم تام راسخ ندفع به الشبهات، ونحقق به المسائل والأحكام الشرعية حتى لا يضيع الشرع ويتفرق الناس.
إذن فطلب العلم الشرعي من الجهاد في سبيل الله، فلو جاءنا رجل ليس عنده مال وهو قادر على التكسب لكنه يريد أن يتفرغ لطلب العلم الشرعي فإنه يجوز أن نعطيه من الزكاة ليتوفر له الوقت فنعطيه ما يقوم بكفايته من الملابس، والأكل، والشرب، والسكن والكتب اللازمة التي يحتاج إليها فقط.
ثامناً: {وَ?بْنِ ?لسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ?للَّهِ وَ?للَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } والسبيل هو الطريق وسمي ابن السبيل؛ لأنه ملازم للطريق، والملازم للشيء قد يقال من باب التوسـع في اللغـة العربيـة: إنه ابنه كما يقال: (ابن الماء) لطير الماء.
فابن السبيل هو المسافر الذي انقطع به السفر، ولم يجد ما يوصله إلى بلده، فيعطى من الزكاة ما يوصله إلى بلده، وإن كان في بلده غنيًّا.
مثال: لو أن رجلاً في بلده عنده ملايين الدراهم وقد أتى في سفره بدراهم كثيرة، ولكن ضاعت منه، أو سُرقت فأصبح الا?ن محتاجاً، فإننا نعطيه ما يوصله إلى بلده؛ لأنه محتاج، والزكاة قد شرعت لدفع حاجات المسلمين.
هذه الأصناف التي ذكرها الله عز وجل يجب أن تصرف الزكاة إليها لقوله تعالى: {فَرِيضَةً مِّنَ ?للَّهِ وَ?للَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }، وفي ختم الا?ية بالعلم والحكمة دليل على أن المسألة ليس للرأي فيها مجال، وأن الله تعالى قسمها قسماً اقتضته حكمته المتضمنة للعلم.
مسألة: رجل فقير أعطيناه من الزكاة لمدة سنة ثم أغناه الله في أثناء السنة، هل يجب عليه أن يرد ما أعطيناه؟ فلا يجب عليه رد الزكاة؛ لأنه ملك حين أعطيناه إياه.
مثال آخر: رجل أعطيناه مالاً يوفي به دينه فذهب إلى الدائن وقال: أنا سأوفيك الدين، وكان الذي أعطيناه عشرة آلاف ريال وتبين أنه لم يبق عليه من دينه إلا خمسة آلاف ريال فقط، فهل يرد علينا الخمسة الزائدة؟
نعم، يجب أن يرد الخمسة الزائدة؛ لأن الله تعالى يقول: {وَ?لْغَـ?رِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَ?بْنِ ?لسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ?للَّهِ وَ?للَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } عطفاً على قوله: {وَفِى ?لرِّقَابِ وَ?لْغَـ?رِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَ?بْنِ ?لسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ?للَّهِ وَ?للَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } ومعنى ذلك أن الغارم لا يملك ما يعطى، وإنما يملك الوفاء به فقط. فإذا تبين أنه ليس غريماً به وجب عليه أن يرده إلينا.
مثال آخر: رجل موظف راتبه ثلاثة آلاف ريال، ولكنه شاب لم يتزوج ويحتاج إلى زواج، فهل يجوز أن نعطيه من الزكاة ما يتزوج به؟
نعم يعطى من الزكاة ما يتزوج به، حتى لو كان المهر خمسة آلاف ريال ومعه ثلاثة فنكمل له ألفي ريال، ولو كان عشرة آلاف ريال نكمل له سبعة آلاف، وإن كان عشرين نكمل له سبعة عشر ألف.
مثال آخر: رجل عنده زوجة ويريد زوجة أخرى وليس عنده مهر لها، فهذا ينظر في حاله، فإذا كانت الزوجة الواحدة لا تكفيه نعطيه للزوجة الثانية، وللثالثة كذلك وللرابعة كذلك.
ونحن نرى بعض الا?باء ـ نسأل الله لهم الهداية ـ يكون عندهم مال كثير، ويكون عنده ابن يحتاج إلى زواج، وإذا طلب منه أن يزوجه، يقول له: زوج نفسك، وهذا حرام على الأب، ويجوز للابن في هذه الحال إذا قدر على شيء من مال أبيه أن يأخذه ويتزوج به؛ لأن هـذا مـن كفايتـه، وأخذ الإنسان كفايته ممن تجب عليه النفقة جائز.
والدليـل: حديث هند بنت عتبة ـ رضي الله عنها ـ أنها شكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم زوجها أنه لا يعطيها ما يكفيها من نفقة ولدها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خذي من ماله ما يكفيك ويكفي بنيك بالمعروف».
فهؤلاء هم المستحقون للزكاة ومن عداهم، فإنه لا يستحق، ولكن إذا ابتليت بشخص يأتي إليك ويقول: أعطني من الزكاة فأنا أستحق، فهل تصدقه وتعطيه من الزكاة؟ ينظر فإذا كان يغلب على ظنك صدقه فأعطه، وإن كان يغلب على ظنك كذبه فلا تعطه، وإذا كنت جاهلاً متردداً هل يستحق أم لا؟ فأعطه بعد أن تخبره بأنه لا حظ في الزكاة لغني ولا لقوي مكتسب، ولهذا لما جاء رجلان إلى رسـول الله صلى الله عليه وسلم ونظـر فيهما صلى الله عليه وسلم فوجدهما جلدين ـ أي قويين ـ قال: «إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب».
وهل يجوز إعطاء الأقارب من زكاتك؟
نعم يجوز؛ لأن الا?ية عامة ليس فيها استثناء، وذلك بشرط أن لا يكون في ذلك توفيراً لمالك، فإن كان في ذلك توفيراً لمالك بحيث إذا أعطيتهم وفرت عليك مالك فهذا لا يجوز، ومتى يكون توفيراً لمالك؟
إذا كانت نفقته واجبة عليك، فإذا أعطيته من الزكاة وفرت عليك النفقة، وحينئذ تكون كأنك لم تؤد الزكاة.
وإذا كان القريب لا تجب عليك نفقته وأعطيته وهو من أهل الزكاة فلا بأس، وهي صدقة وصلة.
مثال: رجل له أخ فقير ولأخيه أبناء وهم فقراء، فيجوز أن يعطيه، لأنه في هذه الحال لا تجب نفقته لأخيه.
مثال آخر: رجل عنده مال لكنه مال قليل لا يكفي الإنفاق على قريبه الذي تجب له النفقة عليه، فهل يجوز أن نعطيه من الزكاة؟
نعم يجوز أن نعطيه من الزكاة.
وصورة ذلك: امرأة عندها حلي ولها أم، لكن مالها لا يتسع للإنفاق على أمها، فهل يجوز أن تعطي أمها من زكاتها؟
نعم يجوز؛ لأنها في هذه الحال لا توفر المال على نفسها.
مثال آخر: رجل له ابن وهذا الابن عليه ديون للناس بسبب خسائر ألمت به، فهل يجوز للأب أن يقضي دين ولده من الزكاة؟
الجواب: نعم يجوز، لأن الأب لا يلزمه أن يقضي الدين عن ولده، فإذا سدد عنه من الزكاة لم يكن موفراً لماله، ولهذا يجوز دفع الزكاة إلى الأقارب بكل حال إذا كانوا من الغارمين، يعني من الذين عليهم ديون لا يستطيعون وفاءها، فالقاعدة العامة: «أنه إذا كان في دفع الزكاة لشخص ما توفير لمالك فإن دفعها لهذا الإنسان لا يجزىء»، لأنك تكون بذلك رفعت عن نفسك ضرراً وجلبت لها نفعاً، وهذا يؤثر في إجزاء الزكاة.
بحث في زكاة الديون
الديون: هي الأموال التي في ذمة الناس، فلو أن إنساناً له ديون على الناس، فهل في هذه الديون زكاة؟
نقول: إن كانت الديون عند ملي، يعني قادر على الوفاء بحيث إذا قلت: أعطني. أعطاك ففيها زكاة؛ لأن الدين الذي عند الملي كالدراهم التي في صندوقك بمجرد ما تقول: أعطني. قال: تفضل، ففيها الزكاة كل سنة.
لكن أنت بالخيار إن شئت أخرجت زكاتها مع مالك، وإن شئت تنتظر حتى تقبضها منه، فإذا قبضتها منه زكيتها.
يعني إذا كان لك عند شخص ملي عشرون ألف ريال، وحال الحول على مالك، وهي من جملة مالك، فإن شئت فأخرج زكاة العشرين ألف مع مالك، وإن شئت أخرها ـ يعني زكاة العشرين ألف ـ حتى تقبضها.
فإذا فرضنا أنك قبضتها بعد خمس سنوات فتخرج زكاة خمس سنوات.
وإن كانت الديون على فقير، أو على غني لا يمكنك مطالبته فلا زكاة فيها، لأنك عاجز عن الانتفاع بها حسًّا أو شرعاً، عاجز عن الانتفاع بها حسًّا، إذ لا يمكن أن تشكوه ثم تستخرج حقك.
عاجز عن الانتفاع بها شرعاً، إذا كانت عند فقير معسر؛ لأن الدين الذي على فقير لا يمكنك شرعاً طلبه ولا المطالبة به.
وإنني أحذر أولئك التجار الذين ابتلوا بالشح ونزع من قلوبهم رحمة الخلق وخوف الخالق، حيث إذا هلّ الدين على فقير غير متلاعب، نعرف أنه غير متلاعب لكن أصيب بجوائح أفقدته المال، فإن بعض الأغنياء الذين يدينونه لا يرحمونه ـ والعياذ بالله ـ فيشكونه حتى يسجن، ويحرم من أهله، ويبقى مدة طويلة في السجن، هم لا يستفيدون، وهو أيضاً لا يستفيد، مع كونهم قد عصوا خالقهم الذي رزقهم المال. ولعلهم في يوم من الأيام يفتقرون كما افتقر ويلاقون ربهم فيعاقبهم، لأن الله تعالى يقول: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى? مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }.
وأنا لا أدري أين يذهب التجار الذين يحبسون هؤلاء الفقراء، الذين نعلم أنهم لم يتلاعبوا، ولم يفسدوا أموال الناس، ولكن أصيبوا بجوائح، كسحت أموالهم، كرخص الأسعار، أو تلف الأموال ثم يحبسونهم، فما الفائدة من الحبس؟!
فهل إذا حبس تنزل عليه الدراهم من السماء؟ لا، فإذا كان طليقاً ربما يحصل باستجداء الناس، أو بالعمل، أو بالاتجار أو ما أشبه ذلك.
ولكن إذا حبس ما الفائدة إلا ضياع أهله وأولاده، وانحباس حريته مع أن هؤلاء ظلمة، والله سيعذبون يوم القيامة إن لم يعف الله عنهم؛ لأن الله قال: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى? مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }.
وانظر إلى هذه الجملة كيف جاءت بهذه الصيغة {فَنَظِرَةٌ إِلَى? مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } وحذف الخبر ليكون أول ما يقع على السمع الإنظار، ولم يقل: فعليهم نظرة، بل قال: {فَنَظِرَةٌ إِلَى? مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }. يعني فشأنهم النظرة يعني الانتظار إلى ميسرة، ليس لهم شأن سوى هذا، ومع ذلك يطالبون المدين ويتبعونه ويسجنونه فلا يرحمونه، ولا يخافون الخالق الذي أمدهم بالرزق، فحذار من هذا العمل.
كما أنني أيضاً أحذر المدينين من التلاعب بأموال الناس، فإن بعض المدينين أيضاً يأخذ الأموال ويلعب بها ثم يدعي الإعسار وهو معسر حقيقة، لكن إعساره كا





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق