(1345 ـ تحذير الناسك مما أحدثه ابن محمود في المناسك(40) لصاحب السماحة مفتي الديار السعودية فضيلة الش

فتاوى ابن براهيم

يأبى الله ورسوله والمؤمنون ، فلا يسقط رمي الجمار عن المعذور ،وإنما يسقط عنه المباشرة فقط ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسقط عن الرعاة ، ولأن الأصل هو الوجوب ، فلا يسقط إلا بدليل شرعي ، ولا دليل ، بل الأمر كما عرفت في رعاة الإبل . وقياسه على المبيت فاسد ، لوجود الفارق كما تقدم . وهذا الرجل يهذي ولا يدري ، بل يجب على المعذور أن يستنيب ، لدليلين شرعيين (أحدهما ) ما ثبت من السنة في جواز النيابة في جميع الحج ، فكما تدخله النيابة في جميعه تدخل في بعضه بشروطه المبينة في كلام أهل العلم (الثاني) ما ورد من النيابة عن الصبيان فيما يعجزون عنه من الرمي والتلبية ، وقد ترجم على ذلك ابن ماجه في سننه فقال (باب الرمي عن الصبيان) :
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا عبد الله بن نمير ، عن أشعث ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال :” حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم”(62) وقد مر بك قريباً الجواب عما استدل به من سقوط طواف الوداع عن الحائض من غير بدل ، واكتفيت بذلك عن إعادته ها هنا بما يكفي .
قوله : والأمر الثاني أنه يجوز رمي الجمار في أية ساعة شاء من ليل أو نهار ، وكلام الأئمة في تحديد وقته بما بين الزوال إلى الغروب إنما يحسن الإفتاء به والعمل بموجبه في حالة القدرة والسعة ، لا في حال الضيق والمشقة ، فلا يفتي بالإلزام به في مثل هذا الزمان إلا من يحاول حطمة الناس وعدم رحمتهم . والفتوى تختلف باختلاف الزمان والمكان ، فلو كان التقدير بهذا الزمن القصير شرطاً لسقط للعجز عن أدائه ، أو لجاز تقديمه محافظة على فعله ، لأن الجزم بلزومه مستلزم للحكم بسقوطه ، حيث أنه صار في حق أكثر الناس من تكليف ما لا يستطاع .
إذا شئت أن تعصى وإن كنت قادراً فمر الذي لا يستطاع من الأمر
يقال : لا ريب أن هذا شرع دين لم يأذن به الله ، والعلماء به وأهل خشيته لا يجرؤون هذه الجراءة العظيمة ، فينطقون بهذه الجملة الشاملة العميمة ، إنما النطق بمثلها يكون ممن إليه التشريع صلى الله عليه وسلم كما قال صلى الله عليه وسلم : ” يابني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار ” .
لقد جهل هذا الرجل نفسه . وتحت هذه الجملة من الجهل والقول على الله ورسوله ما لا يعلمه إلا الله ثم العلماء بشرعه ودينه .
وقضية هذا العموم أن من رمى أية ساعة من ليلة النحر أو غيرها من الليالي أو أية ساعة من يوم عرفة أو ما قبلها أو ما بعدها من يوم النحر وأيام التشريق أو ما بعد أيام التشريق أجزأه ، كالعموم الذي تقدم في قوله صلى الله عليه وسلم في الطواف بالبيت والصلاة عنده :” أية ساعة شاء من ليل أو نهار”(63) .
فإن قيل : لا يلزم من إطلاقه هذا العموم والشمول .
قيل : بلى ، لأن المقام مقام توقيت وعدمه فيكون إطلاقه نافياً للتوقيت مطلقاً .
إذا علم هذا فإن رمي الجمرات أيام التشريق الثلاثة لا يصح قبل الزوال : بالكتاب والسنة والإجماع .
أما الكتاب ، فقوله تعالى( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا((64) .
وأما السنة فرميه صلى الله عليه وسلم بعد الزوال على وجه الامتثال والتفسير المفيد للوجوب ، كما في حديث جابر ، وحديث ابن عمر وحديث ابن عباس ،وحديث عائشة ،وقوله صلى الله عليه وسلم ” خذوا عني مناسككم ” وقد تقدمت .
وأما الإجماع فأمر معلوم ، وقد نص عليه في بعض كتب الخلاف والإجماع . ولا يرد عليه ما ذكره هذا الرجل عن طاووس وعطاء وغيرهما فإن هذا لا يعد خلافاً أبداً ، ولا يعتبر خلافاً عند العلماء ، لأنه لاحظ له من النظر بتاتاً ، بل هو مصادم للنصوص .
وأيضاً كلامه هذا مناقض لما قدمه من نهي النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس وأُغيلمة بني عبد المطلب أن يرموا قبل طلوع الشمس مما يدل على أن الرمي موقت محدد .
وزعمه أنه لا يحسن الإفتاء بتحديد وقت رمي الجمار أيام التشريق بما بين زوال الشمس وغروبها في مثل هذا الزمان . إلى آخره .
يقال : التوقيتات الشرعية للعبادات لا تتغير الفتوى فيها أبداً وقائل ذلك يلزمه في هذه المقالة ما لو طرد لأتى بالأبطال على أكثر العبادات الشرعية المؤقتة بالأوقات بإخراجها عن وقتها بتقديمها عليه المفوت شرط صحتها وغير ذلك ، وتوقيت الرمي زمن النبي صلى الله عليه وسلم هو وقته اليوم ووقته إلى يوم القيامة . والمريض الشديد المرض وغيره من أرباب الأعذار لا يجوز له تأخير الصلاة عن وقتها بدون نية الجمع بشرطه ، كما لا يجوز له إجماعاً تقديمها أو بعضها على وقتها . فما بين زوال الشمس وغروبها هو وقت الرمي مطلقاً ، لما تقدم . فإذا تحقق العذر في ترك مباشرة الرمي انتقل إلى البدل المدلول على صحته بالسنة كما تقدم ، ودل على وجوبه قوله تعالى :(فاتقوا الله ما استطعتم((65) فإن تقوى الله سبحانه ليست مختصة بالمباشرة ـ كما فهمه هذا الرجل مما يقتضي أن الإنسان إذا عذر في ترك المباشرة يبقى غير مأمور بتقوى الله ـ بل هو وإن عذر في المباشرة يبقى عليه من تقوى الله أشياء أخر ، وذلك بأن يصير إلى البدل فيما له بدل ، وبأن يستنيب فيما تدخله النيابة وأن يفدي فيما تجب فيه الفدية . وحينئذ يعرف أنه لا ملازمة بين الرخصة في عدم المباشرة للواجب وبين أن يبقى الإنسان غير مأمور بالتقوى فتقوى الإنسان الصحيح أو المريض القادر على القيام ربه هي أن يصلي الفرض قائماً . وتقوى من لا يقدر على القيام ربه أن يصلي جالساً . وتقوى العاجز عن الصلاة جالساً ربه أن يصلي مضطجعاً .
قوله : والعاقل إذا رأى ما يفعله الناس عندها يعلم على سبيل اليقين أن فعلهم بعيد عن مقاصد الدين ، لأن الله سبحانه وتعالى لم يتعبد عباده بالهلكة وأنه لا بد أن يوجد في الشريعة السمحة ما يخرج الناس عن هذه المآزق الخطرة إلى الرحب والسعة ، لأن من قواعد الشرع أنه إذا ضاق الأمر اتسع ، والمشقة تجلب التيسير وأنه يجوز ارتكاب أدنى الضررين لدفع أعلاهما .
يقال : لا يسلم لهذا الرجل ما زعمه من بعد الزحام عن مقاصد الدين ، بل البعيد عن مقاصد الدين هو ما كان من ذلك مقصوداً بذاته لمن يرمون الجمار ، وما كان زائداً عن الزحام من ضرب أو دفع ونحو ذلك . أما ما هو من الزحام من لوازم وضروريات الاجتماع على هذه العبادة والحرص على أدائها ليخرج من العهدة بيقين مما لا يؤذي به أحداً فإن ذلك ينسب إلى الدين ، ولا حرج ولا عار على من زاحم على واجب العبادة ، وفي الزحام على مندوباتها كتقبيل الحجر الأسود ونحوه الخلاف . وبكل حال ففي الشريعة السمحة مما يتخلص به من الزحام الشديد بترك مباشرة الرمي للعذر الشرعي بالعدول إلى الاستنابة الشرعية ، وهذا من الرحب والسعة التي اشتملت عليها الشريعة .
ولكن هذا الرجل يأبى قبول سعة الشريعة التي هي سعتها على الحقيقة مما لا يكون ناقضاً لأصل العبادة ، ويدعو إلى سعة مزعومة مفتراه مزيفة فيها من تفويت شرط صحة العبادة ما يعرفه أهل العلم بدليل الكتاب والسنة والإجماع ، فلو لم يكن على الرخصة ا لشرعية في جواز الاستنابة في الرمي دليل شرعي معين لكانت أولى بالأخذ بها وسلوك سبيلها في التسهيل ودفع المشقة من رخصة قد استوت مع هذه الرخصة في عدم الدليل مثلاً ، إذ رخصته بالتجويز قبل الوقت مع فقدها الدليل مصادمة للدليل ، ورخصة المسلمين بجواز الاستنابة في الرمي مع استنادها إلى الدليل لم تصادم الدليل . فأين هذه من هذه لو كان هذا الرجل يدر السبيل ، ويعول على الدليل ، ويجانب الفلسفة والتخييل .
ويخشى على هذا الرجل أن تتناوله هذه الآية الكريمة :(ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نولِه ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً((66) فيحرم الرجوع والمتاب ، ويصمم على ما أملاه عليه فكره في ذلك الكتاب ، بل يخشى عليه أعظم من ذلك وهو ضلال الجهال في تلك المسائل التي أساء فيها المقال ،كما يخشى عليه ما هو أعظم من ذلكوأطم من فتح باب إلغاء النصوص ، ومساعدة شطار اللصوص ، المعدين لنقض أحكام الشريعة بالخصوص .
وما ذكره : من أن الأمر إذا ضاق اتسع . هو حق ،ولكنه به ما انتفع ، لحصر سعته بما صور وابتدع ، والغى رخص من تقيد بالرخص الشرعية واتبع .
قوله : يبقى أن يقال : إن الناس لا يزالون يحجون على الدوام وفيهم العلماء الأعلام ، وجهابذة الإسلام ،ولم يعهد عن أحد منهم أنه جوز الرمي قبل الزوال ولا فعله بنفسه . وأجاب عن هذا السؤال الذي أورده قائلاً : إن هذه المقالة شنشنة أهل الجمود المتعصبين على مذهب الآباء والجدود ، فهم دائماً يدفعون الدليل بمثل هذا التعليل ، وقالوا :(إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون((67) .
يقال : من عناية الله تبارك وتعالى لدينه وشرعه أن يجري على لسان من خالف الحق ما هو من أقوى الحجج عليه . فهذا الرجل اعترف ها هنا بأن العلماء الأعلام وجهابذة الإسلام على الدوام يحجون ولم يعهد عن أحد منهم أنه جوز الرمي قبل الزوال ، ولا فعله بنفسه . فلقد صدق ،وبالحق ها هنا نطق . وهذا مما يأتي على جميع ما مر من مفترياته بالهد والنقض ، وإمامهم في عدم تجويز الرمي قبل الزوال هو سيد الأنام ، صلى الله عليه وسلم ، فلعمري ما فعله ولا جوزه ، وهم كذلك ما فعلوه ولا جوزوا ، فليقم هذا الرجل البرهان على التجويز ،وليرم هؤلاء الأئمة الأعلام بما لديه من السهام ،وإذا فعل حصل الوئام ، وانتفى عنه الملام ، ولكن كلا وهيهات أن تشتمل كنانته من السهام ، ما يصلح لهد حصن الأئمة الأعلام ، وجهابذة الإسلام ، الذين يحجون على الدوام ،ولم يجوزوا لأحد حج معهم من الأنام ، أن يرمي قبل الزوال ، ولم يخالفوا شرع إمام كل إمام ، فضلاً عن أن تصلح لأن يقذف بها هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته الثابتة من فعله التشريعي الخارج مخرج الامتثال والتفسير المقتضى للوجوب ، ومن قوله صلى الله عليه وسلم :” خذوا عني مناسككم ” .
وقد تصور هذا الرجل أن طاووساً وعطاءً والرافعي والأسنوي يصلون أن يتعارض أقوالهم نصوص الكتاب والسنة والإجماع وغيرهم .
بقي لدى هذا الرجل سهم واحد رمى به أئمة الإسلام والعلماء الأعلام الذين يحجون على الدوام ،ولم يقدموا الرمي قبل الزوال ولم يجيء عنهم تجويزه بحال , وظن أنه لا يبقى لهم باقية ، وأن رميته إياهم به تكون هي القاضية ،وبعد أن وسمهم بالجمود والتعصب على مذهب الآباء والجدود ، وذلك ا لسهم هو قوله تعالى:(إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون( ولعمري لئن كانوا هكذا ،وإمامهم في مسلكهم ذلك خير الورى ، فعلى الدنيا العفى ، لانتشار الجهل والجفى واقفار أرضها من القول بالحق والوفى .
وقد أحس هذا الرجل ها هنا بأنه وقع في أسوأ ورطة فقال : وبالتأمل لما قلناه يعلم أن كلاً منا ليس بأول مطر صاب أرض الفلاة ، ولا هو بأول أذان أُقيمت له الصلاة .
فوجد وحشة الوحدة ، وظلمة فقد الحجة ، فسلى نفسه بذكر من تصور أن قولهم بمثل مقاله ينفي الوحدة . ولعمري ما له في هذا الطريق من رفيق . وهؤلاء الدين اعتمدهم في مسلكه ، لم يشاركوه في سوء صنيعه ومهلكه ، فهم إن صح النقل عنهم إنما هو القول بالجواز ، لا الرد على العلماء ، ولا السعي في أن يجمعوا على خلاف السنة ، والخروج عن طريق أهل الجنة جميع الورى ، ولم يرموا واحداً من الأمة بالجمود ، والتقيد بدين الأباء والجدود ، فضلاً أن يرموا بذلك كافة العلماء . وحينئذ تكون مقالته أول مطر سوء أصاب أرض الفلاة ، وأول بوق آذنٍ برفض السنة أصغى إليه الجفاة . فو الله ما دعا قبله إلى هذه المقالة من إنسان ، ولا جلب بخيله ورجله في زلزلة مناسك الحج ذو إيمان .
قوله : وقد سبق تسمية من قال بجوازه مطلقاً ، وأنه مذهب الطاووس وعطاء ،وجزم به الرافعي ، وحققه الأسنوي ، وهو مذهب الحنفية ،ورواية عن الإمام أحمد في المتعجل .
يقال : إن أراد أن هؤلاء تصلح أقوالهم لمصادمة السنة كفانا مؤونة الرد عليه . وإن أراد المسألة خلافية فالذي عليه أهل العلم قاطبة أن مثل هذا الخلاف لا يعد خلافاً ،ومستندهم من الاصول الشرعية في ذلك مقرر في كتب الأصول وغيرها .
قوله : فقول هؤلاء العلماء في توسعة وقته هو مما تقتضيه الضرورة وتوجيه المصلحة في مثل هذه الأزمنة ، على أنه لا يصادم نص الشارع بل يوافقه . ولو لم يرد أنه رمى يوم العيد قبل الزوال ، ولا قال لمن سأله عن التقديم والتأخير :” إفعل ولا حرج” لكان سكوته عن بيانه هو من العفو الدال على جواز فعله ، فإن الحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه الله ، وما سكت عنه فهو عفو ، فاقبلوا من الله عفوه ، واحمدوه على عافيته (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة((68) (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله ك ان بكم رحيماً((69) .
يقال :(أولاً) الأوقات التي وقتها الله ورسوله للعبادات ليس لأحد من العلماء تغييرها بتقديم أو تأخير أو زيادة أو نقصان ، فإن التوقيت من الدين ، ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله .
(ثانياً) لا تسلم الضرورة التي زعمها هذا الرجل ، وقد قدمنا في ذلك ما يكفي .
(ثالثاً) إن سلم وجود الضرورة فالمخرج منها بالرخصة الشرعية وهي الاستنابة ، وقد قدمنا دليل جوازها ، وأنها هي الحقيقة بأن تسمى رخصة ، وأن ما رآه هذا الرجل هو من شرع دين لم يأذن به الله .
(رابعاً) أن القول بجواز تقديم رمي أيام التشريق على وقته مصادم للنص ، والنص هو كما تقدم رمي النبي صلى الله عليه وسلم بعد الزوال في ثلاثة الأيام جميعها تشريعاً منه للأمة : من حيث المكان ، ومن حيث العدد ، ومن حيث الزمان . ففعله ذلك صلى الله عليه وسلم على وجه الامتثال والتفسير يكون للوجوب من حيث المكان والزمان والعدد لا فرق بينهن في ذلك .
(خامساً) يقال : لو أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى في يوم من أيام التشريق الثلاثة قبل الزوال ورمى في اليومين الآخرين بعد الزوال لساغ الاستدلال به على جوازه في اليومين الآخرين ، ولا أظن أحداً من الأمة سبقه إلى هذا الاستدلال ، فهو استدلال ساقط ، ولا نكون ممتثلين لقول النبي صلى الله عليه وسلم ” خذوا عني مناسككم ” إلا بأن نغاير بين يوم النحر وأيام التشريق في وقت الرمي وهذه العبادة ـ أعني رمي جمرة العقبة يوم النحر ـ وإن كانت بصورتها مثل رمي أيام التشريق فقد فارقت غيرها في عدة أحكام : منها أنها إذا فعلت مع التقصير أو فعلت مع طواف الإفاضة حصل التحلل الأول ، وإذا فعلت مع الإثنين الآخرين حصل الحل كله ، ولم يثبت شيء من ذلك للجمرات أيام التشريق ، فامتنع قياس رمي أيام التشريق عليها .
هذا لو لم يخصصها رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الوقت ، فكيف وقد خصصها به .
فعسى هذا الرجل أن ينتبه من غفلته ، ويستيقط من رقدته ، ويتوب إلى الله من التهجم على أحكام شرعه ودينه بما ليس من العلم في شيء . والحمد لله على وضوح النهار وجلاء الغبار .
(سادساً) لا دليل في قوله صلى الله عليه وسلم يوم النحر لمن سأله عن تقديم الحلق على الرمي ونحو ذلك بقوله :” إ فعل ولا حرج” على جواز رمي الجمرات أيام التشريق قبل الزوال أصلاً وذلك أن التقديم والتأخير الذي نفى النبي صلى الله عليه وسلم الحرج عن فاعله مختص بأعمال يوم النحر التي هي : الرمي والنحر ، والحلق أو التقصير ، وطواف الإفاضة ، كما هو معلوم لكل أحد يفهم عن الله ورسوله من قوله في الحديث “يومئذٍ” ولو لم ترد هذه الكلمة لما كان في قول النبي صلى الله عليه وسلم ” إفعل ولا حرج” دليل على أن جنس التقديم والتأخير في أيام منى وغيرها بالنسبة إلى الحج غير جائز ، بل يكون ذلك مختصاً بتلك المسألة التي سئل عنها ، وذلك أن كلمة : ” إفعل ولا حرج ” لا عموم فيها والعموم إنما هو في قول الراوي :” فما سئل يومئذٍ عن شيء قدم أو أخر إلا قال افعل ولا حرج ” ولهذا احتاج إلى التقييد المفيد اختصاصه بأعمال ذلك اليوم بقوله :” يومئذ” التي منعت أن يلحق بهذا اليوم سواه . فتبين ها هنا بطلان قياسه على رمي جمرة العقبة يوم النحر وإفلاسه من دلالة حديث ” فما سئل يومئذ عن شيء” إلى آخره على مراده ، فبقى سفر اليدين من المستند ، ورجع بخفي حنين فيما قصد .
وكان من أدلة هذا الرجل على جواز رمي الجمرات أيام التشريق قبل الزوال عدم نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، كما يفهمه قوله ها هنا : فما سكت عنه فهو عفو . بل صرح به فيما سلف من رسالته .
فيقال : إن صح لك هذا صح لك أن تجوز الرمي بأكثر من سبع حصيات لكون النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عن ذلك .
فإن قلت : لا أفعل ، لاقتصار النبي صلى الله عليه وسلم سبع مع قوله :” خذوا عني مناسككم ” قيل لك : لم لا تقتصر على الوقت الذي رمى فيه محتجاً بقوله صلى الله عليه وسلم ” خذوا عني مناسككم” فإننا لا نكون آخذين عنه مناسكنا حقاً إلا إذا رمينا بسبع حصات كما رمى ، ورمينا المكان الذي رمى ، وصدر منها ذلك في الزمان الذي رمى فيه ، فإن اعتبار الزمان للعبادة هو أحد التوقيتين ، فإن لهذه العبادة توقيتين : مكاني ، وزماني . وهما أخوان ، فمن فرق بينهما فقد فرق بين ما جمع الله .
وأيضاً لم ينه النبي صلى الله عليه وسلم عن رمي غير الجمرات الثلاث . أفيسوغ لنا أن نستدل بعدم النهي على أن نرمي موضعاً رابعاً . سبحانك هذا بهتان عظيم . وقد قدمت أن الرخص الشرعية لون ، وتقديم العبادات على وقتها لون آخر .
وسيجد قارئ هذا الجواب تكراراً في مواضع حدانا عليه تكرار هذا الرجل فكررنا كما كرر ، وصلى الله على عبده ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .

________________________________________
(40) وموضوعه : بيان أن رمي الجمرات أيام التشريق الثلاثة لا يصح قبل الزوال بالكتاب والسنة والاجماع ،وأنه لا يجوز الرمي ليلاً ولا يسقط عمن لا يستطيعه ـ وقد طبع هذا الرد مطبعة الحكومة بمكة عام 1376هـ .
(41) سورة الحشر ـ آية 7 .
(42) سورة البقرة ـ آية 203 .
(43) أخرج مسلم . وزاد ابن ماجه ” وارفعوا عن بطن عرنة”
(44) أخرجه أصحاب السنن .
(45) متفق عليه .
(46) أخرجه مالك .
(47) متفق عليه .
(48) أخرجه مسلم
(49) أخرجه البخاري .
(50) وهو قول ابن عمر ” ... كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا ” .
(51)
(52) الذي أخرجه الخمسة وصححه الترمذي ” أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لرعاة الابل في البيتوتة عن متى يرمون يوم النحر ، ثم يرمون ليومين ثم يرمون يوم النفر ” .
(53) سورة النور آية 63
(54) سورة النساء آية 59 .
(55) سورة آل عمران ـ آية 7 .
(56) سورة البقرة ـ آية 203
(57) سورة التغابن ـ آية 16 .
(58) رواه مسلم .
(59) سورة البقرة ـ آية 196 .
(60) أخرجه الستة .
(61) سورة البقرة ـ آية 268 .
(62) رواه مسلم .
(63) أخرجه الخمسة .
(64)
(65) سورة الحشر ـ آية 16 .
(66) سورة النساء ـ آية 115 .
(67) سورة الزخرف ـ آية 23 .
(68) سورة البقرة ـ آية 196 .
(69) سورة النساء ـ آية 29 .





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق