ذات خديعة الصفحة 1 من 6

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

يحكى أن...

هناك في مكان ما على هذا الوجود المرصَّع بالغرائب والعجائب، بالإذهال والدهشة والانشداه، بلدٌ صغير يافع، تجتمع فيه الطفولة المدمَجة بالبراءة والنقاء والصفاء، بلد يمتدُّ من إصبع الولادة الغضَّة إلى ذراع الجنين المتحرِّر من رحم يضجُّ بالحياة والغبطة والنماء والأزهار، اسم هذا البلد غريب إلى حد الاستهجان والاستنكار، ومألوف وكأنه ولد مع ولادات الأكوان وبدايات الحيوات، تتناوشه التناقضات من كل الأطراف، ويحيط به المألوف الواضح الجلي من كل المسامات، تداخلت فيه أنفاس الجوري، وحقن بسموم العقارب والأفاعي، خضع لتفتح الياسَمين المستلِّ روعته من خرير الجدول المعقود على ذؤابة الأرض، وفقد أنفاسه أمام الأَصَلات العاصرة المراقبة لكل شهقة ونبضة من شهقاته ونبضاته.

امتدَّ على خاصرة المتوسط، حتى بدا، وكذلك المتوسط، كأنهما صنوان في الشكل واللون والرائحة، والظل والسفر من الشاطئ إلى الشواطئ، فالشاطئ اسم هذا البلد؛ فلسطين، واسم ياسَمينه وجوريه ودِفْلاه وياسَمينه: فلسطين، اسم بسمتِه ودمعته، حزنه وفرحه، لوعته وغبطته، اسم كل رعشة فيه منذ بَدْء الخلق وحتى نهاية الخلق: فلسطين.

ذات ألم وغفلة وانهيار...
فتحتِ النجوم والأقمار والشموس أجفانها بتراخٍ، عروسٌ في صباح دُخلتِها، تمطَّت قليلاً، فاهتزَّت على ضجيج الصرخة المسفوحة بمدى السقوط والتهاوي، أصغت الأكوان، انتفضَت الشموسُ، غُلَّت الأقمار، وثار غبارٌ من صحارى الوجود، تكثف واجتمع والتحم، أخضعته الرياح إلى قوتها، سحبته إلى نواتها، تحوَّل إلى دوامات قمعية متحركة، غطى النظر، وسيطر على الأفق، توارت الرؤى والرؤيا، تحرك الناس، هذه العروس البِكْر التي صمدت أمام كل محاولات الاغتصاب والتعرية، المتجدِّدة البكارة والنضارة والسطوع، لا يمكن تركها بين أنياب مخلوقات خرجت من ظلمة الأشباح لتكون صاحبة القرار في عذرية وطن لا تُفَك عذريته.

يومها، كما مع الأنبياء والرسل عليهم أفضل الصلوات والتبريكات، دارَت رقاب الفقراء والموجوعين، كرحى تُدِيرها العواصف والزوابع، حملوا نواياهم الطيبة المغرقة في الطِّيبة والصدق والتصديق، ورفعوا الياسَمين على عروش السِّنْديان والحور والبلُّوط والصَّنَوْبَر، وزاوجوا بين النَّعْنَع والزَّعْتر، وخضَّلوا بعَرَقِ سواعدِهم وجباههم ترابَ الجذور العميقة في الأرض، يومها صدقوا، كما صدق الكثير من المسلمين، بأن العودة قريبةٌ إلى حد الرؤية من “البؤبؤ”، لكنهم في لحظة منتزعة من الإرهاق، المعجون بالألم المتفجر، أدركوا بأن حياتَهم ستكونُ على أرصفةِ الغربة، المكسوَّة بالعار والهزيمة، وأنهم سيكونون حيث يحلُّون مادة من موادِّ التجارة، وبضاعة للتضحية والجزر والتنكيل، والغريب أنهم سيواجهون كل هذا وما هو أصعب وأغرب باسم فلسطين، ذات الاسم الذي وُلِد في ضمائرهم ولادة الحياة فوق الوجود.

قيل عن تغريبة بني هلال الكثير، أما نحن، فقد قيل: إنها تشريقتنا، قد يكون بنو هلال قد اختاروا الغرب لأسباب يعرفونها، لكننا لم نختَرِ الشرق أبدًا، كانت تغريبتنا في ذات الرعشة المتوترة، تنقسم وتتفرق، نحو الشرق والغرب والشمال والجنوب، وما بين زوايا الجهات ومجاهل الثنايا، حتى الشواطئ والموانئ كانت أيضًا ترسم هجرتَنا، فكما ركِبنا اليابسة على أقدامٍ عارية متورِّمة تَنْزِف عرقًا ودمًا وأملاً وحلمًا، ركِبنا الهواء، وامتطَيْنا الماء، كنا نحن مَن يُحِيط بالجهات والاتجاهات، وكنا أيضًا نشعُرُ بتكون الخراج والصديد والقيح بأعماقنا، كان الألم يُرافِقنا كملكة نملٍ تضع بيوضها بدواخلنا، لتخرج جيوشها وتمسك بنا من تلابيبِ قحف القلب، وبؤرة الفؤاد، ونواة الروح؛ حتى نبقى مشدودين على صليب الوجع والضنك، شئنا ذلك أم لم نشأ.

وبدأنا رحلةً من رحلات، ورحلات من رحلة، لا تتشابهُ بصورها ومساحاتها وطرقها مع رحلات ابن بطوطة والبيروني، أو رحلة السيرافي، وابن جبير الأندلسي، ولسان الدين الخطيب، والمسعودي، أو حتى مع رحلة ابن “خُرْدَاذبَهْ” بحثًا عن يأجوج ومأجوج، رغم عظم المهمة في البحث، والضنك في الوسائل التي اتُّبِعت لإيجاد قوم عرَفنا عنهم ولم نعرف مكانَهم، كانت رحلاتنا التي بدأت منذ زمن، والتي ما زالت تتوالد وتتناسل غربةً واغترابًا، أشكالاً وأوصافًا، تقنيات ووسائل أعظم في واقعية خرافتِها من رحلات السندباد أو جلجامش البابلية والأوديسا الإغريقية، أو حتى من رحلة المعرِّي في رسالة الغفران.







طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق