مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم الصفحة 1 من 40

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك علي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اعلم رحمك الله: أن أفرض ما فرض الله عليك معرفة دينك. الذي معرفته والعمل به : سبب لدخول الجنة، والجهل به وإضاعته : سبب لدخول النار.
ومن أوضح ما يكون لذوي الفهم: قصص الأولين والآخرين: قصص من أطاع الله وما فعل بهم، وقصص من عصاه، وما فعل بهم. فمن لم يفهم ذلك، ولم ينتفع به فلا حيلة فيه. كما قال تعالي (( وكما أهلكنا قبلهم من قَرْن، هم أشَد منهم بطشاً فنقبوا في البلاد، هل من محيص؟)) .
وقال بعض السلف (( القصص جنود الله)) يعني أن المعاند لا يقدر يردها.
فأول ذلك : ما قص الله سبحانه عن آدم، وإبليس إلي أن هبط آدم وزوجته إلى الأرض. ففيها من إيضاح المشكلات ما هو واضح لمن تأمله. وآخر القصة قوله تعالي : (( قلنا: اهبطوا منها جميعاً، فإما يأتينكم من هدي، فمن تبع هدى فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والذين كفروا وكذبوا بآياتنا، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون )) وفي الآية الأخرى : (( فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقي. ومن أعرض عن ذكري فأن له معيشة ضنكاً – إلى قوله – ولعذاب الآخرة أشد وأبقي ))
وهداه الذي وعدنا به: هو إرساله الرسل . وقد وفى بما وعد سبحانه، فأرسل الرسل مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس علي الله حجة بعد الرسل. فأولهم: نوح. وآخرهم: نبينا صلى الله عليه وعليهم وسلم.
فاحرص يا عبد الله على معرفة هذا الحبل، الذي بين الله وبين عباده، الذى من استمسك به سلم، ومن ضيعه عطب.
فاحرص علي معرفة ما جري لأبيك آدم ، وعدوك إبليس، وما جرى لنوح وقومه، وهود وقومه، وصالح وقومه، وإبراهيم وقومه، ولوط وقومه، وموسى وقومه، وعيسى وقومه، ومحمد صلي الله عليهم وعليه وسلم وقومه.
واعرف ما قصه أهل العلم من أخبار النبي صلي الله عليه وقومه، وما جرى له معهم في مكة، وما جرى له في المدينة.
واعرف ما قص العلماء عن أصحابه، وأحوالهم، واعمالهم. لعلك أن تعرف الإسلام والكفر فإن الإسلام اليوم غريب، وأكثر الناس لا يميز بينه وبين الكفر. وذلك هو الهلاك الذي لا يرجى معه فلاح.
وأما قصة أدم، وإبليس: فلا زيادة علي ما ذكر الله في كتابه. ولكن قصة ذريته.
فأول ذلك: أن الله أخرجهم من صلبه أمثال الذر، وأخذ عليهم العهود: أن لا يشركوا به شيئاً، كما قال تعالى : (( وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم، وأشهدهم علي أنفسهم: ألست بربكم؛؟ قالوا : بلى . شهدنا ورأي الأنبياء مثل السرج. ورأي فيهم رجلا من أنورهم. فسأله عنه ؟ فأعلمه أن داود. فقال: كم عمره؟ قال : ستون سنة . قال: وهبت له من عمري أربعين سنة، وكان عمر آدم ألف سنة. ورأى فيهم الأعمى ، والأبرص، والمبتلي. قال: يارب، لم لا سويت بينهم؟ قال: إني أحب أن اشكر. فلما مضى من عمر آدم ألف سنة إلا أربعين ، أتاه ملك الموت. فقال: إنه بقي من عمري أربعون سنة. فقال : إنك وهبتها لابنك داود. فنسي آدم، فنسيت ذريته. وجحد آدم. فجحدت ذريته.
فلما مات آدم. بقي أولاده بعده عشرة قرون علي دين أبيهم، دين الإسلام. ثم كفروا بعد ذلك . وسبب كفرهم: الغلو في حب الصالحين. كما ذكر الله تعالي في قوله: (( وقالوا: لا تذرن آلهتكم، ولا تذرن وداً، ولا سواعاً، ولا يغوث ، ويعوق ونسراً )) وذلك أن هؤلاء الخمسة قوم صالحون كانوا يأمرونهم وينهونهم. فماتوا في شهر. فخاف أصحابهم من نقص الدين بعده. فصوروا صورة كل رجل في مجلسه، لأجل التذكرة بأقوالهم وأعمالهم إذا رأوا صورهم ، ولم يعبدوهم. ثم حدث قرن آخر، فعظموهم أشد من تعظيم من قبلهم، ولم يعبدونهم. ثم طال الزمان، ومات أهل العلم. فلما خلت الأرض من العلماء: ألقى الشيطان في قلوب الجهال: أن أولئك الصالحين ما صوروا صور مشايخهم إلا ليستشفعوا بهم إلي الله ، فعبدوهم.
فلما فعلوا ذلك: أرسل الله إليهم نوحاً عليه السلام، ليردهم إلى دين آدم وذريته، اللذين مضوا قبل التبديل، فكان من أمرهم ما قص الله في كتابه، ثم عمر نوح وأهل السفينة الأرض، وبارك الله فيهم وانتشروا في الأرض أمما وبقوا علي الإسلام مدة لا ندري ما قدرها؟.
ثم حدث الشرك. فأرسل الله الرسل. وما من أمة إلا وقد بعث الله فيها رسولاً يأمرهم بالتوحيد، وينهاهم عن الشرك. كما قال تعالى: (( ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً : أن اعبدوا الله ، واجتنبوا الطاغوت)) وقال تعالى : (( ثم أرسلنا رسلنا تتراً، كلما جاء أمة رسولها كذبوه – الآية )) .
ولما ذكر القصص في سورة الشعراء ختم كل قصة بقوله : (( إن في ذلك لآية. وما كان أكثرهم مؤمنين)).
فقص الله سبحانه ما قص لأجلنا. كما قال تعالى : (( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب. ما كان حديثاً يفتري – الآية )) .
ولما أنكر الله علي أناس من هذه الأمة – في زمن النبي صلى الله عليه وسلم- أشياء فعلوها. قال: (( ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم : قوم نوح، وعاد ،
وثمود ، وقوم إبراهيم، وأصحاب مدين- الآية )) .
وكذلك كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يقص على أصحابه قصص من قبلهم، ليعتبروا بذلك.
وكذلك أهل العلم في نقلهم سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما جرى له مع قومه، وما قال لهم، وما قيل له.
وكذلك نقلهم سيرة الصحابة، وما جرى لهم مع الكفار والمنافقين، وذكرهم أحوال العلماء بعدهم. كل ذلك لأجل معرفة الخير والشر.
إذا فهمت ذلك:
فاعلم أن كثيراً من الرسول وأممهم لا نعرفهم. لأن الله لم يخبرنا عنهم، لكن أخبرنا عن عاد، التي لم يخلق مثلها في البلاد. فبعث الله إليهم هوداً عليه السلام. فكان من أمرهم ما قص الله في كتابه. وبقي التوحيد في أصحاب هود إلي أن عدم بعد مدة، لا ندري كم هي. وبقي في أصحاب صالح. إلى أن عدم مدة لا ندري كم هي؟.
ثم بعث الله إبراهيم عليه السلام، وليس علي وجه الأرض يومئذ مسلم. فجري عليه من قومه ما جرى، وآمنت به امرأته سارة. ثم آمن له لوط عليه السلام، ومع هذا نصره الله، ورفع قدره، وجعله إماماً للناس.
ومنذ ظهر إبراهيم عليه السلام: لم يعدم التوحيد في ذريته. كما قال تعالى: (( وجعلها كلمة باقية في عقبة لعلهم يرجعون)) .
فإذا كان هو الإمام. فنذكر شيئاً من أحواله. لا يستغني مسلم عن معرفتها. فنقول:
في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لم يكذب إبراهيم النبي صلى الله عليه وسلم قط. إلا ثلاث كذبات: ثنتين في ذات الله، قوله : (( إني سقيم)) وقوله : (( بل فعله كبيرهم هذا)) وواحدة في شأن سارة. فإنه قدم أرض جبار ، ومعه سارة. وكانت أحسن الناس. فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي: يغلبني عليك، فإن سألك . فأخبريه: أنك أختي. فإنك أختي في الإسلام. فإني لا أعلم في الأرض مسلماً غيري وغيرك. فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار، فأتاه. فقال: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي أن تكون إلا لك. فأرسل إليها، فأتي بها. فقام إبراهيم إلى الصلاة. فلما دخلت عليه، لم يتمالك أن بسط يده إليها، فقبضت يده قبضة شديدة. فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدي ، فلك الله: أن لا أضرك، ففعلت، فعاد. فقبضت يده أشد من القبضة الأولى. فقال لها مثل ذلك، فعاد : فقبضت يده أشد من القبضتين الأولتين. فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدي، ولك الله : أن لا أضرك ففعلت. فأطلقت يده. ودعا الذي جاء بها، فقال له: إنك إنما جئتني بشيطان، ولم تأتني بإنسان، فإخرجها من أرضي ، وأعطاها هاجر. فأقبلت. فلما رآها إبراهيم. انصرف، فقال لها: مهيم؟ قالت: خيراً. كف الله يد الفاجر ،وأخدم خادماً)).
قال أبو هريرة : فلتك أمكم يا بني ماء السماء
وللبخاري: (( أن إبراهيم لما سئل عنها؟ قال : هي أختي، ثم رجع إليها. فقال لا تكذبي حديثي. فإني أخبرتهم : أنك أختي. والله ما علي الأرض مؤمن غيري وغيرك. فأرسل بها إليه، فقام إليها. فقامت تتوضأ وتصلي. فقالت: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي إلا علي زوجي، فلا تسلط علي يد الكافر، فغط حتى ركض برجله الأرض. فقالت : اللهم إن يمت، يقال: هي قتلته . فأرسل. ثم قام إليها فقامت تتوضأ وتصلي، وتقول: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي إلا على زوجي، فلا تسلط علي هذا الكافر، فغط حتى ركض برجله. فقالت: اللهم إن يمت يقال: هي قتلته. فأرسل في الثانية، أو الثالثة. فقال: والله ما أرسلتم إلي شيطاناً، أرجعوها إلى إبراهيم، وأعطوها هاجر، فرجعت إلى إبراهيم، فقالت: أشعرت؟ إن الله كبت الكافر، وأخدم وليدة)).
وكان عليه السلام في أرض العراق. وبعد ما جري عليه من قومه ما جرى هاجر إلى الشام، واستوطنها، إلى أن مات فيها. وأعطته سارة الجارية التي أعطاها الجبار. فواقعها. فولدت له إسماعيل عليه السلام، فغارت سارة . فأمره الله بإبعادها عنها. فذهب بها وبابنها فأسكنهما في مكة. ثم بعد ذلك وهب الله له ولسارة إسحق عليه السلام، كما ذكر الله بشارة الملائكة له ولها بإسحق. ومن وراء إسحق يعقوب.
وفي الصحيح عن ابن عباس قال : (( لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان : خرج بإسماعيل وأم إسماعيل، ومعه شنة فيها ماء. فجعلت أم أسماعيل تشرب من الشنة فيدر لبنها علي صبيها، حتى قدم مكة. فوضعها تحت دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد- وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء – ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاءاً فيه ماء. ثم قفي إبراهيم منطلقاً. فتبعته أم إسماعيل. فلما بلغوا كداء ، نادته من ورائه: يا إبراهيم ، أين تذهب، وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به أنيس ولا شئ؟ فقالت له ذلك مراراً، وجعل لا يلفت إليها. فقالت له: الله أمرك بهذا قال: نعم. قالت إذن لا يضيعنا – وفي لفظ: إلى من تكلنا. قال: إلى الله. قالت: رضيت- ثم رجعت فانطلق إبراهيم، حتى إذا كان عند الثنية، حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات ، ورفع يديه، فقال : (( ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة. فأجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون)) وجعلت أم إسماعيل ترضعه. وتشرب من الشنة. فيدر لبنها على صبيها. حتى إذا نفذ ما في السقاء: عطشت وعطش ابنها. وجعلت تنظر إليه يتلوى – أو قال : يتلبط – فانطلقت كراهية أن تنظر: هل ترى أحداً؟ قلم تر أحداً؟ . فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي: رفعت طرف درعها. ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي. ثم أتت المروة، فقامت عليها، فنظرت: هل ترى أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات- قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: فذلك سعى الناس بينهما- ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل ؟ - تعني الصبي – فذهبت فنظرت فإذا هو على حاله، كأنه ينشغ للموت . فلم تقر نفسها. فقالت: لو ذهبت لعلي أحس أحداً؟ فذهبت فصعدت الصفا. فنظرت. فلم تحس أحداً. حتى أتمت سبعاً. ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل؟ فإذا هي بصوت. فقالت: أغث إن كان عندك خير. فإذا بجبريل . قال: فقال بعقبة علي الأرض. فانبثق الماء فذهبت أم اسماعيل، فجعلت تحفر، فقال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: يرحم الله أم إسماعيل ، لو تركت زمزم- أو قال: لو لم تغرف من الماء- لكانت زمزم عيناً معيناً- وفي حديثه: فجعلت تغرف الماء في سقائها- قال : فشربت، وأرضعت ولدها. فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة. فإن ههنا بيتاً لله، يبنيه هذا الغلام وأبوه ، إن الله لا يضيع أهله. وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية. تأتيه السيول، فتأخذ عن يمينه وشماله. فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم، مقبلين من طريق كداء، فرأوا طائراً عائفاً، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء. لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء،







طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق