مبحث الاجتهاد والخلاف الصفحة 1 من 4

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

بسم الله الرحمن الرحيم
قال ابن القيم فى ’ إعلام الموقعين ’ : إذا قال الصحابى قولاً ، فإما أن يخالفه صحابى آخر أولا ، فإن خالفه مثله لم يكن قول احدهما حجة على الآخر ، وإن خالفه أعلم منه كالخلفاء الراشدين أو بعضهم حجه على الآخرين ؟ فيه قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد ، والصحيح أنه أرجح، فإن كان الأربعة فى شق فلا شك أنه الصواب ، وإن كان أكثرهم فى شق فالصواب فيه اغلب ، فإن كانوا اثنين واثنين فشق أبى بكر وعمر أقرب إلى الصواب ، فإن أختلفا فالصواب مع أبى بكر وعمر أقرب إلى الصواب ، فإن أختلفا فالصواب مع أبى بكر ، وهذه جملة لايعرف تفصيلها إلا من له خبرة واطلاع ، ويكفى فى ذلك معرفة رجحان قول الصديق فى الجد والإخوة ، وكون الطلاق بفم واحد مرة واحدة ، وإن تلفظ فيه بالثلاث ، وجواز بيع أمهات الأولاد ، ولايحفظ للصديق خلاف نص واحد ابداً ولافتوى ولاحكم مأخذهما ضعيف أبداً ، فإن اشتهر فالذى عليه جماهير الطوائف من الفقهاء أنه إجماع وحجة ، وقالت طائفة منهم : هو حجة وليس بأجماع، وقال بعض الفقهاء المتأخرين ، لايكون إجماعاً ولاحجة وإن لم يشتهر أو لم يعلم هل اشتهر ام لا ؟ فاختلف الناس هل يكون حجة ؟
فالذى عليه جمهور الامة انه حجة ، هذا قول جمهور الحنفية ، صرح به محمد بن الحسن ، وهو مذهب مالك وأصحابه ، وإسحاق وأبى عبيد، ومنصوص أحمد ، ومنصوص الشافعى فى القديم والجديد ، والذين قالوا ليس بحجة قالوا : لأن الصحابى مجتهد يجوز عليه الخطأ ، ولان الأدلة الدالة على بطلان التقليد تعم تقليد الصحابى ومن دونه ، ولأن التابعى إذا أدرك عصر الصحابة اعتد بخلافه ، فكيف يكون قول الواحد حجه عليه ، ولأن الأدلة قد انحصرت فى الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستصحاب ، وقول الصحابى ليس واحداً منها ، ولان امتيازه بكونه أفضل وأعلم لايوجب وجوب اتباعه على مجتهد آخر من التابعين 0
فنقول : الكلام فى مقامين :
(أحدهما ) فى الأدلة الدالة على وجوب اتباع الصحابة رضى الله عنهم 0
(الثانى )فى الجواب عن شبه النفاة .
فأما الأول فمن وجوه :-
الوجه الأول :
ما احتج به مالك ، وهو قوله تعالى : (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ) الآية ، فوجه الدلالة أن الله سبحانه أثنى على من اتبعهم ، فاذا قالوا فاتبعهم متبع عليه قبل ان يعرف صحته فهو متبع لهم ، ولو كان تقليداً محضا كتقليد بعض المفتين لم يستحق من اتبعهم الرضوان إلا ان يكون عاميا ً ، فأما العلماء فلا يجوز لهم اتباعهم 0
فإن قيل : اتباعهم هو أن يقول ماقالوا بالدليل ، والدليل قوله :( بإحسان ) ، ومن قلدهم لم يتبعهم بإحسان ، لانه لو كان مطلق الاتباع محموداً لم يفرق ، وأيضا فيجوز ان يراد به اتباعهم فى اصول الدين ، وقوله : (بإحسان) أى بالتزام الفرائض واجتناب المحارم ، ويكون المقصود أن السابقين قد وجب لهم الرضوان وإن أساءوا ، لقوله: ’ ومايدريك أن الله قد وجب لهم الرضوان وإن اساءوا ،لقوله : ’ ومايدريك أن الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ماشئتم فقد غفرت لكم ‘0
وايضا فالثناء على من اتبعهم كلهم ، وذلك اتباعهم فيما أجمعوا عليه ، وايضا فالثناء على من اتبعهم لايقضي وجوبه وانما يدل على جواز تقليدهم ، وذلك دليل على جواز تقليد العالم كما هو مذهب طائفة ، او الأعلم كقول اخرى ، اما الدليل على وجوب اتباعهم فليس فى الآية مايقتضيه 0
فالجواب من وجوه :
أحدها : ان الاتباع لايستلزم الاجتهاد لوجوه :
أحدها :أن الاتباع المامور به فى القرآن كقوله : (فاتبعونى يحببكم الله ) ( واتبعوه لعلكم تهتدون ) ( ويتبع غير سبيل المؤمنين ) ونحوه لايتوقف على الاستدلال على صحة القول مع الاستغناء عن القائل0
الثانى ، انه لو كان المراد اتباعهم فى الاستدلال لم يكن فرق بين السابقين وبين جميع الخلائق ، لان اتباع موجب الدليل يجب ان يتبعه كل أحد 0
الثالث، أنه إما ان تجوز مخالفتهم فى قولهم بعد الاستدلال أولا ، فإن لم تجز فهو المطلوب ، وإن جازت فقد خولفوا فى تخصيص الحكم واتبعوا فى حسن الاستدلال ، فليس جعل من فعل ذلك متبعا لموافقتهم فى الاستدلال بأولى من جعله مخالفا لمخالفته فى عين الحكم 0
الرابع ، أن من خالفهم فى الحكم الذى افتو به لايكون متبعا لهم اصلاً ، بدليل أن من خالف مجتهدا لايصح أن يقال اتبعه ، وإن أطلق ذلك فلابد من تقييده بأن يقال : اتبعه فى الاستدلال أو الاجتهاد 0
الخامس ، ان الاتباع افتعال من التبع ، وكون الإنسان تابعاً لغيره نوع افتقار ومشى خلفه ، وكل واحد من الجتهدين ليس متبعا للآخر 0
السادس ، ان الآية قصد بها مدح السابقين والثناء عليهم وبيان استحقاقهم أن يكونوا أئمة متبوعين ، وبتقدير الا يكون قولهم موجباً للموافقة ولا مانعاً من المخالفة لايكون لهم هذا المنصب0
السابع : ان من خالفهم الحكم لم يتبعهم فى ذلك الحكم ولافيما استدلوا به عليه ، فلا يكون متبعاً لهم بمجرد مشاركتهم فى صفة عامة وهى مطلق الاستدلال والإجتهاد ، لاسيما وتلك لااختصاص لها به لان ماينفى الاتباع ، اخص مما يثبته ، وإذا وجد الفارق الاخص والجامع الاعم وكلاهما مؤثر كان التفريق أولى 0
واما قوله : (بإحسان ) فليس المراد به ان يجتهد ، وافق أو خالف ، لأنه اذا خالف لم يتبع فضلا عن أن يكون بإحسان ، ولأن مطلق الاجتهاد ليس فيه اتباع لهم ، لكن الاتباع لهم اسم يدخل فيه كل من وافقهم فى الاعتقاد والقول ، فلابد مع ذلك ان يكون المتبع محسنا بأداء الفرائض واجتناب المحارم ، لئلا يقع اغترار بمجرد الموافقه قولا ً ، وايضاً فلا بد ان يحسن المتبع لهم القول فيهم ، اشترط الله ذلك لعلمه بأان سيكون أقوام ينالون منهم ، وهذا مثل قوله بعد ان ذكر المهاجرين والانصار (والذين جاءوا من بعدهم ) الآية وأما تخصيص اتباعهم بأصول الدين دون فروعه فلا يصح ، لأن الاتباع عام ، ولان من اتبعهم فى اصول الدين فقط لو كان متبعا لهم علي الاطلاق لكنا متبعين للمؤمنين من أهل الكتابين ، ولم يكن فرق بين اتباع السابقين من هذه الأمة وغيرها ، وايضاً فإنه إذا قيل : فلان يتبع فلاناً، ولم يقيد ذلك بقرينة لفظية ولا حالية ، فإنه يقتضى اتباعه فى كل الامور التى يتأتى فيها الاتباع ، لأن من اتبعه فى حال وخالفه فى أخرى لم يكن وصفه بأنه متبع بأولى من وصفه بأنه مخالف ، ولأن الرضوان حكم تعلق باتباعهم فيكون الاتباع سببا له ، لأن الحكم المعلق بماهو مشتق يقتضى أن مامنه الاشتقاق سبب ،وإذا كان اتباعهم سببا للرضوان أقتضى الحكم فى جميع موارده ، ولأن الاتباع يؤذن بكون الإنسان تبعا لغيرة وفرعاً عليه ، وأصول الدين ليست كذلك ، ولان الآية تضمنت الثناء عليهم وجعلهم ائمة لمن بعدهم ، فلو لم يتناول إلا اتباعهم فى اصول الدين لم يكونوا أئمة فى ذلك لأن ذلك معلوم مع قطع النظر عن اتباعهم0
واما قولهم إن الثناء على من اتبعهم كلهم ، فنقول : الاية اقتضت الثناء على كل من اتبع كل واحد منهم ، كما أن قوله : ( والسابقون الأولون ....والذين اتبعوعهم)يقتضي حصول الرضوان لكل واحد من السابقين واللذين اتبعوهم فى قوله: ( رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجرى ) وكذلك في قوله : (اتبعوهم ) لأنه حكم علق عليهم فى هذه الآية ، فقد تناولهم مجتمعين ومنفردين 0
وأيضا فإن الاصل فى الأحكام المعلقة بأسماء عامة ثبوتها لكل فرد من تلك المسميات كقوله : ( واقيموا الصلاة ) وقوله: ( لقد رضى الله عن المؤمنين ) ، وقوله ( وكونوا مع الصادقين ) 0
وأيضا فإن الاحكام المعلقة على المجموع يؤتى فيها باسم يتناول المجموع دون الافراد ، كقوله تعالى : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ) ، وقوله ( كنتم خير أمة ) ، وقوله ( ويتبع غير سبيل المؤمنين ) ، فإن لفظ الأمة ولفظ سبيل المؤمنين لايمكن توزيعه على افراد الأمة وأفراد المؤمنين ، بخلاف لفظ السابقين فإنه يتناول كل فرد من السابقين 0
وأيضا فالآية تعم اتباعهم مجتمين ومنفردين فىكل ممكن فمن اتبع جماعتهم إذا اجتمعوا ، واتبع آحادهم فيما وجد عنهم مما لم يخالفه فيه غيره منهم فقد صدق عليه انه اتبع السابقين ، اما من خالف بعض السابقين فلا يصح ان يقال اتبع السابقين ، لوجود مخالفته لبعضهم ، لاسيما إذا خالف هذا مرة وهذا مرة ، وبهذا يظهر الجواب عن اتباعهم إذا أختلفوا ، فإن اتباعهم هناك قول تلك الأقوال بأجتهاد واستدلال ، إذ هم مجتمعون على تسويغ كل واحد من الأقوال لمن ادى اجتهاده إليه ، فقد قصد اتباعهم ايضاً ، أما إذا قال قولا ولم يخالفه غيره فلا يعلم أن السابقين سوغوا خلاف ذلك القول 0
وأيضا فالآية تقتضى اتباعهم مطلقاً، فلو فرضنا ان الطالب عثر على نص يخالف قول احد منهم ، فقد علمنا انه لو ظفر بذلك النص لم يعدل عنه ، اما إذا راينا رأيا ، فقد يجوز أن يخالف ذلك الراى 0
وايضا فلو لم يكن اتباعهم إلا فيما اجمعوا عليه ، لم يحصل اتباعهم إلا فيما قد علم انه من دين الاسلام بالاضطرار ، لأن السابقين الاولين خلق عظيم ، ولم يعلم انهم اجمعوا إلا على ذلك ، فيكون هذا الوجه هو الذى قبله ، وقد تقدم بطلانه ، إذ الاتباع فى هذا غير مؤثر 0
وايضا فجميع السابقين قد مات منهم أناس فى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحينئذ فلا يحتاج إلى اتباعهم للاستغناء عنه بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم 0
ثم لو فرضنا احداً إذ ذاك لكان من السابقين ، فحاصله أن التابعين لا يمكنهم اتباع جميع السابقين ، وأيضا فإن معرفة قول جميع السابقين كالمعتذر ، وايضا فإنهم إنما استحقوا منصب الامامة بكونهم هم السابقين ، وهذه صفة موجودة فى كل واحد منهم ، فوجب ان يكون أماما للمتقين كما استوجب الرضوان والجنة 0
وأما قولهم : ليس فيها مايوجب اتباعهم ، فنقول : الآية تقتضي الرضوان عمن اتبعهم بإحسان ، وقد قام الدليل على أن القول في الدين بغير علم حرام فلا يكون اتباعهم قولاً بغير علم ، بل قولا بعلم ، وهو المقصود ، وحينئذ فسواء يسمى تقليدا ً أو اجتهاداً 0
وايضا فإن كان تقليد العالم حراما كما هو قول الشافعية والحنابلة فاتباعهم ليس بتقليد ، لأنه مرضى ، وإن كان تقليدهم جائزا او مستثنى من التقليد المحرم ، فلم يقل أحد : إن تقليد العلماء من موجبات الرضوان فعلم ان تقليدهم خارج عن هذا ، لن تقليد العالم وإن كان جائزا فتركه إلى قول غيره أو إلى اجتهاد جائز بالاتفاق ، والشىء المباح لايستحق به الرضوان ، وأيضا فإن رضوان الله غاية المطالب ولاينال إلا بأفضل الاعمال ، ومعلوم ان التقليد ليس بأفضل الاعمال ، بل الاجتهاد افضل منه ، فعلم ان اتباعهم هو افضل مايكون فى مسالة اختلفوا فيها هم ومن بعدهم ، وان اتباعهم دون من بعدهم هو الموجب لرضوان الله ، فلاريب ان رجحان أحد القولين يوجب اتباعه ، وقولهم أرجح بلا شك 0

وأيضاً فأن الله أثنى على الذين اتبعوهم بإحسان، والتقليد وظيفة العامة، فلو أريد التقليد الذي يجوز خلافه لكان للعامة النصيب الأوفى، وكان حظ علماء الأمة من هذه الآية ابخس الحظوظ 0

وأيضاً فإذ اكان اتبعهم موجب الرضوان لم يكن تركه موجب الرضوان ، لأن الجزاء لا يقتضيه وجود الشيء وضده 0

وأيضا فإن طلب رضوان الله واجب ، لأنه إذا لم يوجب رضوانه فإما سخطه أو عفوه ، والعفو بعد انعقاد سبب الخطيئة 0

وأيضا فإنه إنما اثنى على المتبع بالرضوان ، ولم يصرح بالوجوب ، لأن إيجاب الاتباع يدخل فيه الاتباع بالأفعال ، ويقتضى تحريم مخالفتهم مطلقاً، فيقتضى ذم المخطىء ، وليس كذلك ، أما الاقوال فلا وجه مخالفتهم فيها بعد أن ثبت ان فيها رضى الله 0

وأيضا فإن القول إذا ثبت أن فيه رضى الله لم يكن رضى الله فى ضده بخلاف الافعال ، فقد يكون رضى الله فى الافعال المختلفه وفي الترك بحسب قصدين وحالين ، أما الاعتقادات والاقوال فليست كذالك فإذا ثبت أن فى قولهم رضى الله لم يكن الحق إلا هو ، فوجب اتباعه 0

فإن قيل : السابقون هم الذين صلوا إلى القبلتين ، أو هم أهل بيعة الرضوان ومن قبلهم ، فماالدليل على اتباع من أسلم بعد ذلك؟

قيل : إذا ثبت وجوب اتباع أهل بيعة الرضوان فهو أكبر المقصود ، على انه لاقائل بالفرق ، وكل الصحابه سيابق بالنسبة إلى من بعدهم 0


الوجه الثانى :

قوله تعالى : ( اتبعوا من لايسألكم أجرا وهم مهتدون ) هذا قصه الله سبحانه عن صاحب (يس) على سبيل الرضا بهذه المقالة ، والثناء على قائلها ، والإقرار له عليها وكل الصحابة رضى الله عنهم لم يسألنا أجراً ، وهم مهتدون ، بدليل قوله تعالى : (وكنتم على شفا حفرة من النار ) الآية و’لعل’ من الله واجب ، وقوله (واللذين اهتدوا زادهم هدى) وقوله : ( سيهديهم ويصلح بالهم ) وقوله : (واللذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) وكل منهم قاتل فى سبيل الله ، وجاهد إما بيده أو بلسانه ، فيكون الله قد هداهم ، ومن هداه الله فهو مهتد ، فيجب اتباعه للآية 0

الوجه الثالث :

قوله سبحانه وتعالى : ( واتبع سبيل من أناب إلى ) وكل من الصحابة منيب إلى الله ، فيجب اتباع سبيله وأقواله واعتقاداته من أكبر سبيله ، والدليل على أنهم منيبون إلى الله أن الله سبحانه قد هداهم ، وقد قال تعالى : ( ويهدى إليه من ينيب ) 0







طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق