كتابات رجاء محمد الجاهوش الصفحة 1 من 10

بواسطة: رجاء محمد الجاهوش

الشَّريكُ الخامِس
كانت تتحدَّثُ بانفعالٍ يَشوبه حبّ وفخر وحبور ...
فنبَراتُ صوتِها تنسابُ كنغمٍ عَذب ، ويَداها تتمايَلان كأغصانِ شجرةٍ يانِعةٍ داعَبها الهواءُ العليلُ ، وبريقُ عينيها يَشعُّ كومضَةِ نجم في أعالِي السَّماء ، حتى خلتُ نفسي في واحةٍ غنّاء بين وَردٍ وزَهرٍ وجَداولِ ماء !
قالت : بالأمس اجتمعَ والدي الحبيب وإخواني الأعزّاء مع المُحامي من أجلِ إرساء قواعد شركتهم الجَديدة على ضوء القوانين المعمول بها ، فسَألهم المُحامي : كَم عدد الشّركاء ؟
فأجابَهُ والدي ـ حَفظهُ الله ـ : خمسَة .
فاندهشَ إخواني !
فعَددُهم ثلاثة وبإضافةِ والدي يُصبحونَ أربَعة ، فمَنْ هو شريكهم الخامِس ؟!
راحَت النَّظرات تتبادل الأحاديثَ الصَّامتة ، ومَلامِحُ الوجوهِ تطرحُ أسئلة حَيرَى !
فيُباغتهم والدي بسؤاله : مَن تظنونَ أن يكون شريكنا الخامس ؟
يبتسِمون دونَ أن تنبسَ الشّفاه بكلمَةٍ ، فيتابع : - أتحبّون ـ يا أبنائي ـ أن يُباركَ الله لكم في رزقكم ؟

- هذا ما نرجوه من الله دائمًا .

- أتطمعونَ برضا الله سبحانه ؟

- بكلِّ تأكيدٍ ، فرضاه غاية كلّ مُسلِم .

- أترغبونَ بظلٍّ ظليل ، وصحَّة وعافيَة ، ونقاء مِن ذنوبٍ ؟

- بَلى ، بَلى .

- إذا رحبّوا معي بشريكِنا الكَريم ، صاحِبَ السَّهم الخامِس : الصَّدقة .

ثمَّ تَلت بصوتِها النّديّ قولَ الله تعالى : ‘إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ’] - الحديد:18]

وقوله سُبحانه وتعالى: ‘مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ’] - البقرة:245[

حَصَّالة

أقبَلت علينا تتلمَّسُ مكانها بين الصُّفوف ، فالتَفَتَت إليها أنظارُنا متفحِصَّة العضو الجديد الذي سينضَم إلى أسرة ‘فصلنا’ ...

ملامُحها لطيفة ، تشي بروح طيّبة تستتِر بين الحَنايا ، وحديثها مهذّب يدلُّ على حُسْنِ تربيَة وتوجيه ، استطاعَت في غضونِ أيامٍ قليلةٍ أن تكسبَ حبّنا واحترامَنا بحُسنِ تعاملها ورِقَّّته .

ذاتَ يوم ـ مِن أيّام شهر رمَضان المُبارك ـ وزَّعَت علينا وَرَقة و’حَصّالة’ ، أخذناهما ونحنُ في حيرَة من أمرنا !

لقد اعتدنا على توزيعِ الأوراقِ التي تحمِلُ بين طيّاتِها وعظًا طيّبًا ، وعلى إهداءِ ‘الشّريط’ الدَّعوي ، أمّا أن يُقدَّم لنا ‘حَصَّالة’ فهذا أمرٌ جديدٌ !

نظرتُ إليها ، وكلّي فضول لمعرفةِ سرّ هذه ‘الحَصَّالة’ ، فأومَأت أنَّ السِّرَّ يَكمُن فيما كُتبَ على الوَرقةِ ، فشَرَعتُ أقرَأ :

]هل بينكَ وبين الله صِلة ؟ ...

والصِّلة التي أقصدُها هي اتخاذكَ عمَلا صالحًا تداوِم عليه دونَ أن يعلمَ بكَ أحدٌ ، فهوَ العَهدُ الذي بينكَ وبين الله سُبحانه .

لا تستغرب سُؤالي ، ولا تستثقله ...!

فقد تنوَّعَت الطاعات التي فرَضها الله علينا ، واختلفت الأعمال الصَّالحة التي حبّبنا الله فيها ، فلمَهْ كان هذا الاختلاف والتنوّع ؟!

أيكون أحدُ هذه الأسبابِ أن تجدَ كلَّ نفسٍ الوسيلة التي تناسِبها في التَّقربِ إلى الله ، فيسهلَ عليها إيجاد تلك الصِّلة بينها وبينه ـ سبحانه وتعالى !

قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ’ أحبّ الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قلّ ’ ، فقليلٌ دائمٌ خيرٌ مِن كثير مُنقطِع .

سأبوحُ لك بسرّ ، ولا جُناح عليك إن أذعته ...

إنّني أستقطعُ ـ كل شهر ـ من راتبي مبلغًا زهيدًا ، وأصرفه إلى فئة ’ العشرين فلس ’ ، ثمَّ أضعُ تلك العشرينات في علبة خاصَّة ، وبجانبها ‘حصَّالة’ للصَّدقات ـ تلكَ التي توزّعها اللّجان الخيريَّة ـ ، وأقوم كلّ صباح بوَضعِ ‘عشرين فلسًا ’ في ‘الحصَّالة’ كصدقة عن نهاري ، ثم أمضي إلى متابعة يومي وأنا مطمئنة إلى أنَّ الله سيحفظني ، و’عشرين فلس’ أخرى في المساءِ صدقة عن ليلتي لأشعرَ بذاتِ الطَّمأنينة ، فصنائعُ المَعروفِ تقي مَصارعَ السُّوء ، وصَدقة السَّرّ تطفئ غضبَ الرَّب ... [

ثمَّ ختِمَت الوَرَقة بـدعاء : اللهمَّ يا واصلَ المُنقطعين أوصلني إليكَ .

إيمانٌ

كنتُ صَغيرًا عندَما كانت ترسُلني أمِّي بطعامٍ إلى جارتنا العَجوز ، وإلى ذلكَ العامِل ـ الشَّيخ المُسنّ ـ الذي يَقوم على تنظيفِ مسجدِ حيّنا ، كان واجبًا يوميًا أقوم به بعدَ عودتي من المَدرسةِ ، لم تتأخَّر أمُّي يومًا عن موعدِها ، وكنتُ لا أمانِع بالذهابِ ، فجارتنا العَجوز طيّبة القلبِ ، كانت تعطيني قطعة من الحلوى ، ثم تشكرني وتطلب مني أن أهدي أمُّي السَّلام ، وذلكَ العامل كان يُصافِحني كرجلٍ رِشيدٍ ويشدّ على يَدي وهو يقول : جزاكم الله خيرًا ، فأفرحُ أيَّما فرحٍ وقد غدَوتُ رجلا وأنا لم أبلغ الثامِنة مِن عُمري بَعد !

ذاتَ ليلةٍ أصابتني وعكة صحيّة ، فلزمْتُ السَّرير ولم أذهب إلى المَدرسة ، وخضَعتُ للعلاج الذي وصَفه الطبيب لي ، معَ ما كانت تعدّه أمُّي الرَّؤوم مِن عصائر طبيعيّة ومشروبات دافئة .

جاءت خالتي الحَبيبة للاطمئنانِ عليَّ ، وهي جارة لنا ، لا يفصلُ بينَ بيتنا وبيتها سِوى شارع ضيّق وبعضَ المَباني ، وبينما هي تسامِرني نادت عليَّ أمُّي :

- يا يوسُف ، اقبل إليَّ يا بنيّ .

- حسنًا يا أمُّي .

ساعدَتني خالتي الحَبيبة بالنُّهوضِ ، ثم مَضيتُ وحدي نحوَ المَطبخ حيث أمُّي .

- يوسُف أيا حبيبي ، هل أنت قادرٌ على أداءِ مهمَّتك اليوميَّة ؟

- أشعرُ بتعَبٍ يا أمَّاه !

- إن جاهدت نفسَك قليلا ، وسَارعتَ في فعل الخيرات فقد يكون ذلكَ سببًا في شفائكَ العاجل .

وقبلَ أن أجيبَ ، أقبلت نحونا خالتي ، وسألت أمّي باستنكار : إلى أينَ تريدينَ إرسالَ هذا الصَّغير ؟ ألا ترَين حاله !

- هو بخيرٍ بإذن الله ، وفي أداءِ مهمَّتهِ هذه كلّ الخيرِ .

- دعيهِ يذهبَ ليستريحَ في فراشِهِ ، سأقومُ بمهمّته نيابَة عنه حَتى يتمِّمَ الله شفاءَه .

- لا بأس ، جزاكِ الله خيرًا .

عانقتُ خالتي وقبّلت وجنتها بامتنانٍ ثمَّ مضيتُ إلى سَريري ، فتلحَّفتُ بلحافي وغططت في دفء ودِعَة .

صوتُ أمُّي وخالتي مُرتفع ، والبيتُ ضيّق ، و حوارَهما مَسموع بوضوح ، قالت خالتي : - أعجبُ منكِ يا أختي !

- وممّا العَجب ؟

- أعلمُ جيدًا أنّكم تعيشونَ عيشة الكَفافِ ، فمَا الذي يُلزمُك بإرسالِ جزء مِن طعام أهلِ بيتك إلى الآخرين ؟ أيتصدّق فقيرٌ على فقيرٍ ؟

- سأجيبُكِ ، لكن عليكِ أن تسمَعي القصَّة مِن أوَّلِها .

- كُلي آذانٌ مُصغيَة ، فتفضّلي ..

- حضرتُ ذاتَ صباح حلقة ذِكر ، تحدَّثت فيها الدَّاعية الفاضلة عن الصَّدقة وفضلها ، فتألمتُ وكتمتُ دمعًا كادَ أن يسقط مني رغمًا عني ، ثمّ انفضَّ المجلسُ وعدتُ إلى بَيتي ، لأستقبلَ زوجي وأولادي لكنّني لم أكن كعادتي ، فقد اختفت ابتسامتي ، وسَكنَ الحُزن عينيّ ، فلاحظ زوجي العزيز تغيّر حالي ، فانتهزَ فرصة وجودِنا وحدَنا ليسألني : - ما بكِ ؟ لمَهْ كلّ هذا الحزن في عينيكِ ؟

لم أستطع هذه المرّة الإمساك بدمعتي فقد سبقتني وسَقطت ، فزادَت حيرة زوجي ، وراحَ يلحّ بالسّؤال : ما بكِ ؟ هل هناك ما يسوء ؟

- لا ؛ لا تقلق ، الأمرُ ليسَ كما ظننتَ ، إلا أنّني حزينة كوني لا أستطيع أن أبرهِنَ على إيماني .

- أنا لا أفهمُ شيئًا !

- كنتُ اليوم في حلقةِ الذكر ، وتحدَّثت الدَّاعية الفاضلة عن الصَّدقة وفضلها ، فقالت : يقولُ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ’ والصَّدقة بُرهان ’ فهي دليلٌ على صدق العَبد وإيمانه ، فتألمتُ وكادَت عينيَّ تفيضانِ بدمعِها حزنًا ألا أجدُ ما أنفِق .

- ألم تخبركنّ أن الصّدقة نوعين ؟

- كلا ؛ حثَّتنا على بذلِ المال فقط .

- إذا لا تحزني ، وكفكفي دَمعك ، فأنتِ قادرة ـ بإذن الله ـ على أن تبرهِني على صِدق إيمانكِ .

- أخبرني ـ بربّك ـ كيفَ ، كيفَ ؟!

- عن أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ أنَّ ناسًا من أصحابِ النَّبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قالوا للنَّبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : يا رسول الله ! ذهب أهل الدُّثور بالأجورِ ! يصلون كما نصلي ، ويصومون كما نصوم ، ويتصدَّقون بفضول أموالِهم . قالَ : ’ أو ليسَ قد جعلَ الله لكم ما تصدَّقون ؟ إنَّ بكلِّ تسبيحةٍ صدقة ، وكلّ تكبيرة صدقة ، وكلّ تحميدة صدقة ، وكلّ تهليلة صدقة ، وأمرٌ بالمعروفِ صدقة ، ونهيٌ عن منكرٍ صدقة ، وفي بضعِ أحدكم صدقة ’ . قالوا : يا رسول الله ! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال : ’ أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرًا ’ – (رواه مسلم)

فالصَّدقة نوعان : صدقة بالمالِ ، وصدقة بغيرِ المال ، وهذه أيضا تنقسم إلى قسمين .

- ما هما ؟

- الأول : ما فيه تعديَة الإحسانِ إلى الخلق ، كتعليم العلم النَّافع ، وإزالة الأذى عن الطريق ، والسَّعي في جلبِ النَّفع للنّاس ، ودفع الأذى عنهم ، وغيرها ...

والقسم الثاني : ما كان نفعه قاصر على فاعلِهِ ، كأنواعِ الذّكر من تسبيح وتهليل وتحميد ، وكذلك المشي إلى المساجدِ صدقة .

- كريمٌ ربِّي كريم ، وهو أرحم الرَّاحمين .

ومنذ ذلك الوقت ـ يا أختي الحبيبة ـ عقدتُ العزمَ على أن يكونَ لي نصيبٌ مِنَ الصَّدقة بما أستطيع ، فأنا أملكُ صحَّة ووقتًا وشبابًا وعلمًا نافعًا ، فلمَهْ لا أتصدَّق بجزءٍ ممَّا أملكُ لأبرهنَ على صِدق إيماني ؟!

اغرَورَقت عينا خالتي الحَبيبة بالدّموع ، ورفعت رأسَها لتقبّل جبينَ أمُّي ـ أختها الكبرى ـ وهي تعِدها بأن تحذو حذوَها ، وأن تبلّغ غيرها بما تعَلَّمته منها ، ثمَّ استأذنت بالانصرافِ كي لا يتأخر الطعام على جارتنا العَجوز ، وعامل المَسجدِ ذلك الشَّيخ الوَدود .







طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق