كتابات مأمون أحمد مصطفى الصفحة 1 من 16

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

كنت نهبا موزعا بين الإقدام والإحجام، حين تكورت فكرة كتابة بعض من وصايا أمي، أأكتبها
باللهجة العامية التي تحدثت بها، أم أعاود صياغتها باللغة التي اعتز بجزالتها وفخامتها،
وأخيرا قررت الكتابة باللغة الفصيحة، حتى لا يأتي يوم واندم فيه على ما بدر مني.
يا ولدي...
إن أردت أن تبقى بين الناس علما تهابه الرجال وتخشاه الأصدقاء، ويرهب جانبه الجاهل،
ويتقيه المتعلم، فاحفظ سرك لنفسك، ولا تبح به لأحد، مهما عظمت ثقتك به، ومهما بلغت
منزلتك عنده أو منزلته عندك، فالسر نقطة ضعف، يحكمك فور خروجه منك، ويجعلك تتقي غضب من
ائتمنته عليه، حتى وان أثار غضبك، أو تجاوز حدك، فالثقة بغير النفس أكثر الأمراض فتكا
في بناء الذات المكتملة النماء.
وإذا ما ضاق صدرك بسرك، فاعلم أن الأموات هم احفظ الناس للسر، فتخير من القبور من كان
عزيرا عليك بحياته، واقترب من شاهده، واهمس بسرك في تراب قبره، وكرر الهمس حتى تشعر
بالراحة والطمأنينة، وغادر القبر وأنت على ثقة بان الروح لن تخرج لتعيد ما قلت، وكن على
يقين بأنك إنما حدثت قبر، والقبر فيه من الأسرار، قدر ما فيه من عي وحصر وصمت.
وإن كنت أنت صاحب السر، والأولى بحفظه، لم تطق الصبر على بقائه في صدرك، فطاقة الناس
للاحتفاظ به اقل واقصر.
ولا تمنح نفسك حق محاسبة من باح بسرك، لأنك أول من بحت به إليه، ولتكن حسرتك على ما بدر
منك من تفريط بما لا يمكن التفريط به، وليكن ألمك عقابا لنفسك وتوبيخا لقلة صبرك، أما
الآخر، فانه وان كان يستحق التقريع والملامة، فانه أيضا يملك عذرا أقوى منك ومن كل
حججك، حين يسألك عن قلة صبرك في حمل سرك، وعن تبرعك في بثه إليه دون طلب منه أو إلحاح.
صحيح انه بداخله يعلم بأنه مخطئ، لكن الناس ترفض الاعتراف بالخطأ، وتأبى أن تضع نفسها
على محك محاسبة الرجولة والوفاء والإخلاص، وهم بذلك يبدون ما في نفوسهم من انهيار ومن
ظلمة وسواد، لكنها طبيعة النفس التي تتلحف بالعذر والمبرر، والغرور والكبر، النفس
المسكونة بحب الظهور بمظهر المصيب رغم وجود الخلل وعظم الخطأ.
وحاذر الحاجة ما استطعت، فرغيف يوم يكفي ليومين، ولقمة الإفطار توزع على غداء وعشاء،
وشربة أوم، يمكن أن تكفي حاجتك الموزعة بين العطش وبين الحاجة ، لأن المحتاج أسير
لحاجته، وأسير لمن يطلب منه، والناس بطبعها الأزلي لا تعطي إلا لهدف، والنفس الإنسانية،
مجبولة على حب الشعور بالتعالي، ومؤهلة على غضب غير متوقع، أو خلاف غير محسوب، وليس
أصعب على الرجال من كشف حاجتهم، ومطالبتهم بالدين أمام الرجال، وأمام النفس، تعفف، تكن
بعيدا عن متناول اليد واللسان، وارض بالنوم جوعا، على النوم مدينا، واعلم أن كبوات
الدين لا تسندها حصاة ولا يسندها جبل، ولكن العفة تسندها الرجولة ويسندها الحياء.
وإياك إياك، أن تكثر من المزاح والضحك، فالناس لا تعرف حدود الرجال إلا بقدر ما يحملون
من مهابة وسمت ووقار، فالمزاح زاد الجاهل، ومتاع الغبي، والضحك عيب لا يصلحه زمن ولا
يداويه دهر، وكلما ازداد مزاحك وضحكك كلما ازددات عيون الناس بك دخولا، وتقليلا من
شأنك، وهم غير ملومين، لأنك آثرت أن تفتح لهم أبواب الاستخفاف بك وبما تحب ولا تحب،
والمزاح صنو الجهل، والجهل صنو السخرية، والسخرية صنو الاستهزاء، فباعد بينك وبين
المزاح، مباعدة الموت بين الحياة، وألزم الجد، وانتقي اللفظ، وتمعن في صدور الرجال
ووجوههم، تعرف كم كبرت فيها وكم عظمت مهابتك، حتى وان كانوا يضمروا لك غير ما يظهرون،
فالغنى عما أضمروا يرفعك مقاما فوق المقام، ويدخل في روعهم من شخصك فوق ما أبطنوا وفوق
ما اظهروا.
ولا تأمن صدور الناس، ففيها من الغل والحقد ما يكفي لصهر الفولاذ، وما بجوفها لا يعلمه
إلا الله، فتعامل معهم بقدر الكلمة، ولا تتعدى ذلك، فللرجال صدور تعرف الغدر، وتعشق
التقلب، حسب الأهواء وحسب المصالح، وكلما أمعن الرجل بالجهل والغباء-وليس هناك من يعترف
بجهله وغباءه- كلما أمعن في التقلب والتبدل، على حساب الناس وأقدارهم، وتعالى بنفسك عن
جهل الجاهل، بالابتعاد عنه والتنصل من معاشرته، تسلم غدره وغله.
وكلما أمعن بالمعرفة، أعطى نفسه حقا اكبر منها ومن طاقتها، فهو العالم المصيب، القادر
على التحليل والتأصيل، وهو الذي بيده اكتشاف طرائق التفكير ونوازع النفس، وعلى كل هذا
يبني بعقله الصورة التي كونها عنك عما بنفسك من أحاسيس ومشاعر وتقلبات، وعما براسك من
أفكار وآراء، فلا هو مستعد للتواضع للنزول عند رأي فهمه خطأ، ولا أنت بقادر على إقناعه
بحقيقة ما تشعر وما تفكر.
لذلك عليك بالاقتضاب مع الجاهل، كما الاقتضاب مع العالم، فكلاهما إنسان، يعشق الصواب
الذي يعتقد، وينأى عن الاعتراف بان الخطأ مكون من مكونات النفس البشرية، وان النوايا هي
بيد الله الكريم وحده، فاحذر بين الاثنين حذر الغزال الذي عرف مكان النمر، أو حذر النمر
الذي عرف بوصول رائحته للغزال.
وبين الجاهل والعالم، تقع المجموعة الطيبة من الناس، الذين يتعاملون مع الناس كلهم
بسليقة العفوية، وخير النوايا، فالحديث الذي يقال، يحمل على محمل المعنى الذي قيل فيه،
دون زيادة أو تمحيص في النوايا المستترة خلف الجمل والمفردات، ودون النزوع إلى تعرية
الحروف وكشف الستر عنها بردها إلى خفايا تضمرها النفس، وتسترها العقول، وهؤلاء قلة،
تعرفهم من ملامحهم، ومن بسمتهم، فلا تبدو في تلك الملامح قسوة النفس، ولا تظهر على
بسمتهم إلا تلك البراءة التي تفيض من شفاه الأطفال حين تدس بيدهم قطعة حلوى، أو تمسد
ظهورهم بكف حنون.
وأكثر ما أوصيك به، عدم الأكل عند الناس إلا في ضرورة الضرورة، كإفطار في رمضان، أو
دعوة في مناسبة، وان أكلت فلا تشبع، بل تناول قليل القليل، وعد إلى بيتك وتناول ما
يشبعك، فالأكل يعير به الناس، تماما كما يعيرون بالشرف، وقد يأتي ذلك على سبيل المزاح
والهزار، ولكن المزاح لم يأت إلا من عيون راقبتك، وأطالت التحديق بكم تناولت من طعام،
ولما ضاق صدرهم بالصبر، تناولوك بالمزاح والهزار، وكل الكلام، يا ولدي جده وهزره، إنما
صورة للنفس وما يعتمل فيها من تقلبات.
واعلم أن الأمثال لم تخرج إلا من تجربة أجيال، تناولوا الحدث بعين بصيرة، وراكموا أحداث
التجربة، مراكمة العقل للغة والمفردات، وحين نضجت قالوا بها قولا اختزل تجارب الأجيال
كلها، لذلك فالمثل القائل \’ مزح الرجال كله جد \’ جاء عن وعي متراكم متأصل، جيلا خلف
جيل، فالتزم بتجارب كان بلوا الناس أصحابها إلى أن كاد الإبلاء يضيق بهم.
واحذر الأهل والأقارب، فأنهم العقارب، واجعل بينك وبينهم سدا منيعا من الدخول والخروج
في شخصك، فأنهم أكثر الناس حسدا، وأكثرهم غدرا، لأنهم يظنون أن لامناص لك منهم، ولامناص
لهم منك، فبيت أخيك، فيه امرأة غريبة، لا تجمعها فيك صلة أو قرابة، وهي أكثر الناس قربا
له، وكذلك بيت أختك، واهم منه بيت ابنك وبيت ابنتك، فكل من في هذه البيوت غريبا عنك،
فحاذر، وحاذر، أن تكون ثقيلا عليهم، في زيارة أو دعوة، وتأبى طعامهم ما استطعت، تكن في
مأمن من كيدهم ومن نفوسهم، والعاقل من استطاع أن يخرج نفسه من المفاضلة بين هذا وذاك من
الأهل والغرباء.
وتعفف عن مال ولدك، لان حاجة الولد تورث ألما لا تعرفه النفس إلا بمثل هذا الموطن، فان
أعطاك عن طيب نية وخاطر، فانك لا تعلم بما تمور نفس زوجه، وما يمكن أن ينشأ بينهما من
فراق وقطيعة بسبب ما أعطاك، فهي تفضل ولدها ويسر أمره، على إطفاء عطشك أو سد رمقك، ولا
يعنيها من جوع أحشائك أو ظمأ روحك شيئا، وان تناول الناس زوجها بألسنتهم وما يخرج من
قلوبهم من ازدراء ونميمة.
وان منعك عنك سؤلك، فان كل وجع الدنيا وحسرتها ولوعتها ستندفع بقلبك اندفاع الماء من
جوف الصخر.
فكن أنت الكبير سنا وقدرا، وباعد بين ولدك وبين منعك ما سألت، وبينه وبين السنة الناس
ومكر زوجه.
واعلم انه كلما ازداد علمك ومعرفتك، كلما ازداد أذى الناس وقهرهم، فالعلم يورث الأسى،
والمعرفة تورث الضنى، فرافق من هم في علمك ومعرفتك، وترفع عن ما هم دون ذلك، دون ازدراء
أو احتقار لهم، تضمن هدوء البال واطمئنان الحال.
وتخير من الناس من يعد حسناتك ويستر عوراتك، ويقيم بالا لحزنك وغضبك، فان من لا يستطيع
أن يجعل في صدره حيزا لغضب عابر أو حزن طارئ، فلن يكون بصدره مكانا لشخصك وذاتك،
فالأفراح لا تحتاج إلى مواساة، ولكن الحزن يبين ويكشف معادن الإنسان، ومن لا يستطيع أن
يحزن لحزنك ويبكي لمصيبتك، فلا حاجة لك به في فرح أو في سعة أمر.
قلت:-
وكأنك ترين السواد في النفوس والصدور، ولا تتبيني النقاء والصفاء في الصدور.
قالت:-
لا يخلو الكون من أناس طيبين، ولكنهم قلة ندرة، كحبة خردل في صحراء، والصدور قاتمة
قاحلة، ترضى اليوم، وتغضب في الغد، تشعرك بالمودة لحظات وأيام، فان اصطدمت بمصيبة قد
ينالهم منها حظا إذا ما وقفوا معك، انقلبوا نحو الدفة الأخرى، انظر إليهم كيف يغتابون
أشخاصا في يوم، ثم تراهم مع من اغتابوا في اليوم الذي يليه، كالصديق مع صديقه، وكالعاشق
مع معشوقه، وما هي سوى أيام حتى ينقلب الميزان، النفوس تربطها المصالح، وتفرقها
المصالح، ولكن إن وجدت من يبكي لدموعك، وتيقنت أن دموعه حارة كاوية مثل دموعك، فتمسك
به، وامنحه من أيام من عمرك كي تطيل عمره، وكن وفيا للناس كلهم، وان ناصبوك الخديعة
والخداع، فليس انقص من الرجولة إلا أن تقابل الناس بمثل ما شاهدت ولمست منهم.
ولكن ليكن وفاءك بحساب، فلا تسرف، ولا تقتر، وأفض على من عرفت انه منك واليك.
قلت:-
وكيف لي بعد كل الذي قلت، وبعد أن سددت الطرق الوعرة بوعورة الصخر، أن اعرف، أو حتى
استشف عنصر الخير بإنسان؟
قالت:-
يا ولدي، أول الرجولة الحياء، لأن الحياء يفضي نحو المروءة، وهي تفضي إلى الواجب، ومن
كان الحياء سمته، فقد حصل على بعض صفات الأخيار، وإذا ما أضاف المروءة فانه يكون قد توج
الرجولة بتاج الواجب، والواجب ذاته يعني احترام الذات وتهذيبها، والسمو بها فوق مراتب
المزاح والهزر، إلى مراتب السمت والوقار والرزانة، فمن امتلك من هذه الصفات حمرة الوجه
والتعفف عن التلذذ بسقطات الناس وهفوات الرجال، يكون قد امتلك مقدمات الصداقة والوفاء،
فان قابلته بمثل ما فيه، والتجأت إلى الصدق في المبادلة، تكون قد حصلت على الأخ الذي لم
ألده من رحمي، وان لم تجد فالخلوة والوحدة أفضل لك وامتن، لأن الزمن الذي يعز فيه وجود
الرجال، أولى تركه وهجره، من العيش بناره وجحيمه، والعاقل العاقل من سمع ووعى، فانظر
أمرك، واترك الأيام تسير، فان في سيرها ينقضي العمر، وتتلاشى السنين، فاختر راحة العمر،
على شقاء الأيام وألم الرجال.
وكبرت، وتجاهلت عن غير قصد، بل باندفاع الشباب وحماسه كل وصاياها، وغصت في عباب الحياة
والنفوس، بغير حساب، غير حساب الطيبة والعفوية، وظننت بان كل ما يقال نابع من القلب،
خارج من الصدق، حتى جاءت اللحظة التي فقدت فيها يدي اليمنى، يدي التي كانت تخرج الرزق
من خفايا الغيب، لتوزعه على الأصدقاء والزملاء بكل طيبة وحب.
صحوت في المشفى، بعد إغماء طويل، وبعد عدة عمليات يائسة من اجل إنقاذ يدي من الشلل،
فوجدتني وحيدا، إلا من أبي وأمي، اللذان تفطرا ألما ووجعا لمصابي، وزوجتي التي كانت تقف
مذهولة بين الماضي وبين حاضر نزع مني قدرتي على اصطياد الرزق بساعد تعود على مقاومة
مشاق الحياة.
لم يكن المشفى بعيدا، لانتحل الأعذار للناس، ولمن كان ساعدي سببا في بناء بعض بيوتهم،
بل كان للبعض اقرب بكثير من أماكن عملهم، لكنها النفس التي تحدثت أمي عنها يوم أجلستني
بلحظة صفاء لتلقنني وصاياها عن تجربة اختزلتها في أعطاف نفسها خلال رحلة حياتها الموزعة
بين النزوح من حيفا وبين الفقر الذي أطبق بنواجذه على العائلة التي استقرت لتكابد عناء
المخيم والبرد والحر والفقر والشتات واللوعة والأسى.
وحين خرجت من المشفى، بيد واحدة، والثانية معلقة على الجسد وجودا غير حاضرا لنفع أو
عمل، تباعدت المسافة بيني وبين من كانوا يخطبون ودي، ومن كانت عيونهم تبدو لي وهي تنضح
بالوفاء والود.
لم يكن هناك سوى أبي وأمي وزوجتي وإخوتي وأخواتي، واثنين من الأصدقاء، الذين قالت أمي
فيهم منذ سنين، أنهم أصحاب حياء ومروءة، وأنهم وحدهم من يستحقون صداقتي واستحق صداقتهم.
وماتت أمي، طواها القدر بين دفتيه، في حفرة صغيرة، أهلت بيدي التراب فيها،ولكني لا زلت
حتى هذا اليوم، أقف عند وصاياها، حرفا حرفا، وكلمة كلمة، كما فعلت بسابق أيامي، فكان ما
قالت هو الحقيقة التي أنارت دربي كلما تعثرت بشبح إنسان يدعي انه يحمل من الإنسانية أو
الرجولة مقدار حبة الخردل التي تحدثت عنها في زمن سابق.
والآن، وقد قاربت على النصف قرن، استطيع أن أقول، بيقين الحياء، وتثبت المروءة، بان
الصدور ليست سوى مجموعة من المغر والسراديب، العاجة بالسواد، كلما حاولت اقتحامها كلما
احتجت إلى مزيد من المشاعل، وكلما أضأت شعلة، كلما غرقت خلفك في ظلمة، وعرفت بأن
\’الرجال\’ منازل، رغم تعددها فإنها تبقى دون منزلة الرجولة، ودققت في التسميات، فأتتني
تسمية الذكورة.
يممت نحو قبر أمي، جلست وأنا استعيد تفاصيل ملامحها الملوحة بالفقر والعذاب والشتات،
وبكيت، بكاء مكلوم موجوع، فالقبر يذكرني بفقدان الحنان الذي لا حنان على الأرض يماثله،
وان اجتمع أهل كلهم مرة واحده، يفيضون عليك حنانا صادقا، فأنهم سيؤلمونك بتذكيرك بخاصية
الحنان الذي يدفن مع قلب الأم حين يدفن قلبها.
قلت لها:-
نعم، صح كل ما قلت، ولكنك يا أمي الحنونة، لم تشرحي الفرق بين الرجولة والذكورة، فهل
فاتتك هذه، أم هو النسيان؟ ولربما تركت ذلك لحدسي وتجاربي؟







طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق